دراسات ومقالات الأستاذ خالد عيســــــى

 

 

 

دفاعاً عن ســــورية الوطن- الدولة                  ـ 6 ـ                    الأستاذ الدكتور خالد عيســى
سادساً: غياب مشروع وطني سوري
: 11.04.05/ 22.20/K.binxete

 
 

    لقد ثبت فشل محاولات تكييف الواقع السوري, بمحتوياته الثقافية و بمكوناته الاقتصادية و الجغراقية, واختزاله قسراً لما يتناسب مع مفهوم الدولة المركزية ومؤسساتها المفروضة على اقليم الدولة.  

  عندما حكم الأمير فيصل بن الحسين سورية (1918-1920وجد بأن تعددية الانتماءات في سورية تفرض نظاماً لا مركزياً للدولة السورية, ولذلك فقد أعدّ دستوراً  قسّم بموجبه سورية إلى مقاطعات ذات حكم محلي. و بعد الاحتلال الفرنسي, تم انشاء أربعة دول في سورية الحالية, ولم توّحد هذه الدول في اطار مركزي الاّ قبيل خروج الفرنسيين من سورية.

  لقد سعت النخب السورية التي ورثت الدولة, في بادئ الأمر, الحفاظ على الشكل المركزي للحكم, ومحاولة محاكات مؤسسات الدول الغربية وخاصة الفرنسية منها. الاّ أن هذه النخب فشلت في اضفاء الشرعية الوطنية على الدولة, أي أنها فشلت في تحويل الدولة السورية الى مشروع وطن, وبالتالي تحويل الرعايا الخاضعين لسلطتها الى مواطنين. فلم تتحول الدولة الى وطن ولم يتحول الفرد الى مواطن.

  وأثبت تاريخ النخب العربية السورية التي استفردت بالحكم, فشلها في زج السوريين في الحياة السياسية للمشاركة في تقرير مصير البلاد. اذ أن كل فئة من هذه النخب العربية عملت على الاستفراد بالحكم معتمدة أساساً على انتماءاتها الدينية والمذهبية والمناطقية.

  بعد قيام الجمهورية العربية المتحدة, تم اجهاض قانون التنظيمات الادارية السوري لعام 1957 , والذي كان يشرّع لبداية نموذج متواضع لللامركزية الادارية في سورية. ويعتبر انضمام سورية الى مصر في 1958, بداية لحركة التسارع في تراجع المشروع الوطني السوري, وعاملاً فعّالاً في تنشيط الصراعات المنا طقية والدينية والمذهبية لدى النخب السورية.

  في عهد الوحدة, ساد العرب السنة على أغلب المراكز القيادية في الادارة والحكم في الاقليم الشمالي(سورية). وفي بادئ الأمر, بعد انفصال سورية عن مصر, استأثر العرب السنّة الشوام حصراً بالحكم, وتم اقصاء غيرهم بالقوة.   

  فانتعشت الروح المعادية للكرد, وتفاقمت التناقضات في المصالح بين الشاميين (سكان دمشق) والحلبيين (سكان حلب), و بين المسلمين وغيرهم من أتباع الديانات الأخرى. وكبرت حدة  الصراع بين السنة من جهة, وغيرهم من المسلمين من جهة أخرى. وتوزّع جغرافياً هذا الصراع بين كل المكونات السكانية في سورية. لأن الأكراد يسودون في الشمال,و العلويين في الغرب, والسنة في الداخل, والدروز في الجنوب, والاسماعيليين في مناطق تمركزهم. ولأن حلب تغار من دمشق وتنافسها منذ ما ندري. ولأنّه يعتبر البعض بأن الكلدو-آشوريين من شهود أصالتنا المشتركة, في حين ينكر عليهم آخرون حق ممارسة ثقافتهم ومعتقداتهم. ولأنّ ولأنّ في كل منطقة وجماعة أنّة على مناطق وجماعات أخرى, فهناك الكثير من العوامل التي تبعث التوتر بين المكونات المختلفة بين المناطق والجماعات السورية المختلفة.

  وبعد استيلاء البعث على الحكم في 1963, زاد دور النخب العربية غير السنية في المراكز القيادية. وأصبحت العروبية العقيدة الرسمية للبلاد. وأصبحت السلطات الرسمية لاتخفي طبيعتها العنصرية تجاه الأكراد السوريين. وبدأت مرحلة جديدة اتسمت بالصراعات السلطوية الواضحة بين النخب العربية غير السنية من جهة, والعربية السنية من جهة أخرى

وبدأ الجدل النظري لدى النخب العروبية السورية حول الوطنية يأخذ مداه على محورين: الوطنية الانتقالية (القطرية) والوطنية العروبية.

فأتباع التيار الأول القطري, كان يتشكل أساساً من الكوادر العروبية العسكرية والادارية وأرباب العمل الخائبين والخاسرين من تجربة انضمام سورية الى مصر,و كان أتباع هذا التيار يشدّدون أكثر من غيرهم على الانتماء السوري, ولاسيما لتبرير مشاركتهم اومباركتهم للانفصال, لكنهم لم يروا في سورية المشروع الوطني النهائي, بل كانوا دوماً يربطون مشروعهم السوري مع مشاريع عربية أو اسلامية ماوراء الحدود السورية. ويكمن أن نسمي مشروعهم بالوطنية الانتقالية.

  وأتباع التيار الثاني, الوطنية العروبية, لايعترفون بأية وطنية اقليمية (قطرية) تأخذ من حدود الدولة اطاراً لها. فالوطن العربي من المحيط الى الخليج هو الوطن, ولا يعترف العرب بأية أوطان أخرى. ولذلك لايمكن أن يكون المواطن الاّ عربياً في الوطن الذي هو عربي. وينقسم أتباع هذا التيار فيما بينهم الى من ينادي بوحدة فورية أو مؤجلة بين سورية ودولة أو دول عربية أخرى, ومن ينادي بأشكال اتحادية بين سورية ودولة أو دول عربية أخرى, ومنهم من ينادي بأشكال من أخرى من التعاون (التضامن العربي) حسب منطق المحاور والأقطاب.

  أما في جانب الأمميين, فمنطلقاتهم تنفي في حدّ ذاتها فكرة الأوطان المحددة.  فبوصلة الشيوعيين كانت دوماً نحو موسكو, ومفهوم الشعب وممثله الحزب الواحد كان ينفي التعددية, والبروليتاريا التي ليست لها أوطان, تنكر على سورية صفة الوطن وعلى غير الشيوعي صفة المواطن. أمّا عن الاسلامويين في سورية, فهم من السنّة,  فالأصل عندهم هو الدعوة الى نشر الدين واقامة الدولة الاسلامية في العالم حسب مفهومهم السنّي, ولاعبرة للأوطان الصغيرة العابرة. فحسب المنطق الاسلاموي, المسلم الأمريكي أو الأندونيسي خير من اليزيدي أو الدرزي أو المسيحي أو العلوي السوري. وما الاستيلاء على الحكم في (قطر مسلم) الاّ خطوة على طريق تحقيق الهدف الأساسي, تلبية لارادة الله. والاسلاموية تقتضي اقصاء غير المسلمين, أو حتى غير السنيين المتحزبين عن مراكز القرار.    

  وفي غياب الجدل الوطني السوري, وفي غياب تام للاجتهادات النظرية الوطنية السورية, وانعدام الخطط الوطنية للتنمية الاقتصادية والسياسية, تحولت الدولة السورية الى ساحة للصراعات الطائفية والمناطقية وبل حتى العشائرية. وكل فئة (شلّة) منتصرة في الصراع السلطوي عمل على اقصاء الفئات الأخرى. واقتضى هذا الاسلوب في ممارسة الحكم ايجاد مبررات نظرية تضفي عليها طابع الشرعية. وهكذا طغت في النظريات مقولات الحزب القائد, وفي الممارسة الأحكام العرفية بحجة ضرورات حالة الحرب مع اسرائيل. وأصبح تخوين المعارض العملة السائدة للنخبة السائدة.

وبهذا الشكل عملت كل النخب العربية التي توالت على الحكم في سورية, لضمان استمرارية سلطتها, على مركزة أكبر قدر من السلطات في أيدي الأجهزة المتمركزة في العاصمة, وخاصة الجهات العسكرية والأمنية منها. وضعفت هوامش المبادرة لدى السلطات المحلية في أطراف البلاد. كما أن النخب المسيطرة كانت تتبع دوماً سياسة تفضيل الفئة التي تستند عليها اقليمياً و/أو طائفياً, مما كان ولازال يضعضع الوحدة الوطنية السورية, و يضعف البلاد تجاه التحديات الخارجية. فالمركزية المفرطة في ممارسة الحكم في سورية هي في الاتجاه المعاكس تماماً لطبيعة التركيبة التعددية للمجتمع السوري

ويبدو أن الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد شعر بأن المركزية في الادارة السورية مفرطة ومبالغ فيها فلجأ الى اصدار قانون الادارة المحلية, الذي لم يطبق بشكل كامل رغم عدم كفايته كاطار تشريعي للمشاركة الشعبية في الشأن العام الوطني. ومنظروا الحكام يرون بأن الضرورات السلطوية هي التي تبرر لهم  في متابعة الاستمرارية في نظام الحكم المركزي في سورية, في حين المركزية الزائدة تشلّ المبادرة وتعرقل سائر أمور الحياة حتى في الدول التي لا توجد فيها تععدديات قومية أو طائفية أومناطقية.

ويرجع كثير من المؤرخين سبب ضعف الامبراطورية العثمانية الى اجراءات (الاصلاحية) المركزة الادارية التي باشرت بها في بداية النصف الثاني من القرن التاسع عشر. فالمركزة في السلطات تثير حفيظة السكان, وتستفز القادة المحليين الذين يجدون في نفسهم الكفاء والقدرة والرغبة في خدمة الصالح العام في مناطقهم. وهوأقرب الى الديموقراطية التي يتغنى بها الجميع  بحق أو بباطل

  لقد أثبت تاريخ الدولة السورية ومؤسساتها الموروثة من الفرنسيين, بأنها غير متناسبة مع واقع التعدد القومي والديني والمذهبي. ورغم ممارسة العنف, لم تستطع هذه الدولة ومؤسساتها التأقلم في الجو الاقتصادي والثقافي الذي فرضت فيه.

   ويبدو أن كل النخب السورية, في السلطة وخارجها,     متفقة على فشل النظام السياسي الحالي لاداء مهام التنميتين السياسية والاقتصادية. وهي متفقة أيضاً على ضرورة القيام باجراءات اصلاحية. ولكن تختلف هذه النخب حول طبيعة هذه الاصلاحات وآليتها وتوقيتها.

  فالنخبة الاصلاحية من داخل السلطة, تحاول ترميم النظام, بما لايهدد مراكزها السلطوية, وبما يحسّن مظهرها الخارجي, ويرفع من وتيرة ادائها الوظيفي. ومن خارج السلطة, يتفق أغلب دعاة الاصلاح على بعض المطالب التي من شأنها اعادتهم الى الحياة السياسية, مثل رفع حالة الطوارئ المعلنة في البلاد منذ 1963, واطلاق سراح السجناء السياسيين, وترخيص الأحزاب السياسية, والسماح باجراء انتخابات حرّة. ويضيف أغلب الأكراد الى ذلك ضرورة الغاء القوانين والاجراءات المجحفة بحقهم, والسماح لهم بممارسة الحقوق المنبثقة من خصوصيتهم القومية. فكل المطالب الاصلاحية لاتتجاوز بنية المؤسسات القائمة وانما تتعلق باداء هذه المؤسسات وتطويرها.

ولذلك لانجد في الساحة السورية أي برنامج وطني سوري يطرح مشروعاً متكاملاً لبناء هيكلية سياسية تتناسب مع واقع التعددية القومية والدينية ضمن الحدود السورية.

يتبع....

 

 

 

 

جميع حقوق الطبع محفوظة لدى كردستانا بنخَتي                      ©  ***     ©                       Çapkirin ji Hiqûqê Kurdistanabinxeteye

 

الرجوع ×××

الأرشيف

 Kurdistana Binxetê

    كردستان سوريا  

 Kurdistan Syrien