|
يتطلع الشعب الكردي في سورية إلى اليوم الذي تـقوم فيه السلطات
المركزية ببعض الإجراءات الملموسة لفتح أبواب مرحلة جديدة في
العلاقات العربية
–
الكردية. ويلاحظ الكثير من السوريين بأنه قد آن الأوان للقيام
بالحد الأدنى من تلك الإجراءات, لأن كل مستلزمات إمكانية
القيام بمثل هذه المهمة الوطنية متوفرة اليوم لدى القيادة السورية.
فلقد سبق وأن اعترف السيد الرئيس بشار الأسد بالقومية الكردية كجزء
من النسيج السوري وتاريخه, لكن لم يترجم حتى الآن هذا الاعتراف إلى
واقع تشريعي وحقوقي. ويرى كثيرون من المراقبين بأن السيد الرئيس
مقتنع بضرورة الإقدام على بعض الخطوات الملموسة في الشأن الكردي,
ولكن كثيراً من اللذين يشيرون عليه يبالغون في ضخامة النتائج
السلبية التي قد تترتب على الاستجابة لبعض مطالب الكرد رغم
عدالتها. ولكن يبقى الرئيس هو الرئيس وهو المتمتع بأوسع الصلاحيات
المستمدة من الدستور الساري في البلاد.
وبعد إسناد وزارة الداخلية إلى السيد غازي كنعان,المعروف بإمكاناته
الأمنية والإدارية وبولائه للسيد الرئيس, يحق للأكراد بأن يأملوا
بقرب بداية مرحلة وطنية جديدة, تبدأ باتخاذ قرارات سياسية لرفع
الغبن والاضطهاد عن الشعب الكردي ولتعزيز الوحدة الوطنية السورية.
وبمتابعة التطورات السياسية العامة في سورية, يبدو أن المناخ
السياسي العام مناسباً لقيام بخطوة, ولو أولية, على طريق إشادة
الثقة المتبادلة بين الشعب الكردي والسلطة المركزية. ومن الإجراءات
التي تعتبر مستعجلة وضرورية لتمتين التلاحم الوطني السوري:
1- الإفـــراج, بالآلية التي تراها الحكومة مناسبة, عن جميع
المعتقلين السياسيين الكرد. فإذا ما تجرد المرء من كل حقد وعنصرية
يجد بأن هؤلاء السجناء هم مواطنون سوريون ووطنيون بامتياز,
إذ يدفعون من حريتهم ومن معاناة أسرهم ثمناً للمطالبة بحقوقهم
المشروعة في المواطنة. حق المواطنة التي اكتسبوها بعد أن دفع
آباؤهم وأجدادهم الدماء بسخاء في سبيل هذه البلاد. ولو لم يكونوا
مواطنين بامتياز لكانوا قد انصرفوا إلى الإجرام والإرهاب والخيانة
بدلاً من التشبث بعرى الوطنية السورية.
2- تشكيل هيئات للتحقيق في جرائم المسؤولين الإداريين الكبار الذين
خدموا ويخدمون في المناطق الكردية, من أمثال المحافظين القدامى و
مدراء الدوائر اللذين أصبحوا من الأثرياء المعروفين. والاستيلاء
على كل ما امتلكوه أو استولوا عليه عن طريق استغلال مناصبهم، ويمكن
أن تعطى هذه الأموال كتعويض لعائلات الأكراد اللذين تمّ
اعتقالهم بدون وجه حـق.
3- تشكيل لجنة للتحقيق في الجرائم التي ارتكبت في المناطق الكردية
في آذار هذا العام, وتعويض العائلات الكردية المغدورة. وتوخياً
للجدية في التحقيق, يجب عدم إشراك السلطات الأمنية والحزبية
المحلية في التحقيق. وبدون ذلك يبقى الشعور بالظلم مخيماً على
الشعب الكردي في سورية.
4- منح تراخيص لفتح مدارس خاصة لتدريس اللغة الكردية. فماذا سيضر
الوطن فيما إذا تمكن السوري، مهما كان انتماءه, من تعلم اللغة
الكردية؟. ولماذا سيتعلم الطفل الكردي السوري الأدب الإنكليزي أو
الروسي أو الفرنسي دون أن يكون له الحق في تعلم لغته ولغة آبائه
ولغة عظماء يفتخر بهم كل السوريين. لا يطلب الكردي من شركائه
الآخرين في الوطن السوري أن يتعلموا اللغة الكردية, فتعود الكرد أن
يتعلم بالقوة لغة الغير, لكن من حق الكردي أن يطلـب
الســـــــــماح بالتكلم بلغة أمــــــــــــــه أيضاً.
5- السماح بطبع ونشر الكتب والمجلات والصحف ومنح التراخيص للأجهزة
السمعية والبصرية الكردية. لقد نشأت أجيال كاملة من الكتاب
والصحفيين الكرد, فان الاستمرار في سياسة منع الصحافة وأجهزة
الإعلام الكردية في سورية يحرم البلد من مشاركة هذه الطاقات
والكفاءات في التنمية الثقافية, وان لم يتم تأطيرها في الإعلام
المرخص فستستمر هذه الكوادر في الكتابة ولكن في المعارضة طبعاً.
ولا ندري ماذا سيجري للوطن فيما إذا تمكن الكردي من نشر أفكاره
وآرائه وقصصه وأشعاره وأغانيه باللغة الكردية، أو إذا طبع كتباً عن
ملاحم أجداده ونشرها في سورية.
6- منح جنسية كــــــــــردي ســـــوري لكل مواطن كردي يتقدم بطلب
صـريح بهذا الخصوص. فالأكراد اللذين جردوا من جنسياتهم من قبل
الحكومات اللاوطنية منذ أكثر من أربعــين عاماً لازالوا مرتبطين
بأرضهم وموطنهم (كردســتان يعني باللغة الكردية موطن الأكراد).
أمّا ما تبقى من الأكراد من الذين "تكرمت" عليهم الحكومات العربية
السورية "بصدقة" الاحتفاظ بالهوية السورية فهم فخورين بهذه
المواطنة, لكنهم يرون أنفسهم مواطنين أكـــــــــــــــــــراداً
ســــــوريين, وليسوا عــــــــــــــرباً ســـــوريين كما هو مثبت
على بطاقاتهم الشخصية. لذلك يأمل المجردون من الجنسية أن تعاد لهم
جنسياتهم السورية مع التعويض لما لحقهم من ضرر ولما فاتهم من كسب
بسبب إلغاء جنسياتهم. و ريثما يتم، ربّما إلغاء الانتماء القومي من
هوية كل مواطني الدولة السورية, والكل يصبح مواطناً سورياً
مســـاوياً لغيره في الحقوق والواجبات لا أكثر, يمكن تشكيل هيئة
تتولى إعادة الجنسية إلى المجردين منها, واستبدال بطاقات عــربي
سوري ببطاقات كــردي سوري لمن يتقدم بطلب ذلك.
7- الاهتمام بالمرافق العامة في المناطق الكردية, وإقامة المؤسسات
الصناعية والعلمية في هذه المناطق أسوة بغيرها من المناطق السورية.
فلقد عانت المناطق الكردية من إهمال متقصد طيلة السنوات الأربعين
الماضية, رغم أن هذه الناطق تنتج أهم ثروات البلاد, والسبب
الرئيس لهذا الإهمال هو انتماء سكان هذه المناطق إلى القومية
الكردية, وعدم وجود ممثلين أكراد في المراكز القيادية في الدولة.
8- تشكيل لجان سياسية لمتابعة الحوار والتنسيق مع التنظيمات
والشخصيات الكردية. ولا يخفى على أحـد هو أن النخب العربية التي
حكمت سورية استبعدت النخب الكردية وأقصتها عن المشاركة في تقرير
مصير البلاد. والذريعة الرئيسة لاضطهاد الكرد كانت التهمة
الاسطورية القديمة
–الحديثة
التي تنسب إلى أكراد سورية, وهي محاولتهم سلخ جزء من إقليم الدولة.
وكردّ على السياسات العنصرية التي تمت تطبيقها بحق الشعب الكردي,
حاولت وتحاول النخب الكردية المطالبة بالحقوق المشروعة للأكراد,
وتعمل على تمتين الأواصر الوطنية بين الكرد وبقية سكان ســورية
الوطن- الدولة.
إن ضعف مواقع النخب الكردية في أجهزة الدولة, لم يعد مبرراً
لتهميشها و الاستمرار في سياسة إهمال المناطق الكردية, والاستفراد
بالمواطنين الأكراد وفرض الحرمان عليهم لمجرد أنهم أكراد مسالمون.
وثبت بأن الأكراد لم يشاركوا في أغلب الأحداث العنيفة التي
شهدتها الساحة السورية, ولم يرتكب الأكراد عملاً إرهابياً
واحداً في سورية, وذلك رغم المعاناة التي يعانونها نتيجة تطبيق
السياسات الخاطئة بحقهم. وما يدل ذلك إلاّ على المستوى العالي من
الوعي الوطني ليس فقط لدى النخبة وإنما لدى أغلبية الشعب الكردي في
سورية. وكل التنظيمات والشخصيات الوطنية الكردية تتخذ من الأساليب
السلمية أداة للمطالبة بالحقوق المشروعة للشعب الكردي في سورية.
فقد آن الأوان لكي تبدأ السلطات المركزية باتخاذ إجراءات عملية على
طريق تصحيح السياسات الخاطئة بحق الشــعب الكردي في ســورية. وفي
هذا المجال لابدّ من تشكيل لجان سياسية مركزية مهمتها محاورة
التنظيمات والشخصيات الوطنية الكردية من أجل تسهيل المهام الأولية
لإشادة الثقة المتبادلة, على أساس الشــــــراكة الوطنية.
فهل تستطيع الحكومة السورية الحالية ترجمة اعترافات السيد الرئيس
حول الأكراد إلى واقع ملموس, والبدء بفتح صفحة جديدة في العلاقات
العربية-الكردية؟. الأيام والأشهر القادمة ستشهد على نتائج هذا
الرهان.
|