|
هل سيخرج البعثيون في مؤتمرهم القادم بقرارات تدين سياسة النكران والاقصاء
التي يتعرض لها الشعب الكردي في سورية؟. أم سيخرج المؤتمرون
بقرارات تصر على استمرارهم في السير على طريق أساتذتهم في العقيدة
والتطبيق, والتمادي في نكران الوجود التاريخي القومي للشعب الكردي
؟. للأسف, الرجحان هو على ما يبدو للاحتمال الثاني.
اذ تؤكد الممارسات السياسية للسلطة العربية السورية البعثية, في
الشأن الكردي, بأن محمد طلب هلال لم يفقد مركزه بعد, ولازالت
مقولاته ومقترحاته مُستخدمة كمرجعية نظرية وسياسية للحكومات
العربية السورية. وتتلخص هذه المقولات وهذه المقترحات في الاصرار
على رفض الاعتراف بالأكراد كشعب. و كل من يدّعي خلاف ذلك فهو يشكل
عقبة أما الزحف العربي المقدس, ويجب بالتالي القضاء عليه.
* * *
هذا هو التحليل الذي يقدمه محمد طلب هلال لقيادته عن الشعب الكردي
في سورية, و يبني عليه مفاهيمه و إطروحاته و مقترحاته لحل المسألة
الكردية في سورية.
أما الآشوريون في سورية و على حد قول المنظر البوليسي المذكور, فقد
وفدوا الى سوريا عام 1933, بمساعدة هيئة الأمم, فأعطوا لهم " منطقة
على ضفاف الخابور بين الحسكة و رأس العين,و أعطوهم سندات تمليك
سورية,وبنوا لهم البيوت و قدموا لهم الأوائل الزراعية و كل ما
يحتاجونه على حساب هيئة الأمم و سجلوهم أخيرا في سجلات النفوس
(000) تداعب خيالهم أحلام الآشوريين القدماء و لكنهم عملياً لا وزن
سياسي لهم يمكن بالتعريب على قلتهم أن يذوبوا في الكيان العربي.
حيث لو لم يكونوا مجتمعين كما هو حادث لذابوا منذ زمن في البوتقة
العربية لأن هذا من عمل الاستعمار. لانقترح بشأنهم شيئا مطلقاً
طالما ليس لهم تأثير على الأمن القومي و ليس لديهم الآن محاولات من
هذا النوع " (18).
و الأرمن بدورهم "ليس منهم خطر على الأمن القومي في الجزيرة بحكم
توزعهم في أماكن مختلفة وقلة أعدادهم. لاتزال لهم مدارسهم الخاصة
بهم و لغتهم البحتة. و هذا من الصعب القضاء عليها (19). أما اليهود
فقد " هرب قسم كبير منهم الى اسرائيل و بتعاون بعض الخونة و هم
الآن مشلولين من جميع النواحي.أموالهم و أملاكهم محجوزة و عليها
لجنة مشرفة تديرها. لاشأن لهم يذكر" (20).
اذاَ, في نظر البعث "الخطر الأول و الأخير الذي يهدد الجزيرة و
شمال العراق هو الخطر الكردي, أي خطر آخر لايقارن بهذا الخطر. لأن
الخطر الكردي قد سلك نفس طريق اليهود في فلسطين" (21).
الفقرة الرابعة: البارتي في نظر البعث
يخصص محمد طلب هلال الفصل الرابع من كتابه للتحدث عن الأحزاب
السياسية في الجزيرة. يبدأ هذا الفصل بمقدمة لا يتردد فيها عن شتم
كل من لاينتنم الى الأمة العربية "ما أكثر الأغيار من غير أمتي,
وما أشد حقدهم عليها, فهم عندما يفشلون في مشاريعهم الكبيرة
اللئيمة في الغدر و الخيانة, وعندما تتكشف سوءاتهم عارية في وضح
النهار, يلوذون في زوايا الظلام و خلسة عن الأعين المؤمنة الساهرة,
ينهشون لهش الكلاب المسعورة بغدر ولؤم أزرق أي طرف من أطراف هذا
الوطن. و هذه القطعة العزيزة من وطننا الكبير لازالت بين أنياب
الغدر و الخيانة. تستصرح النفوس المؤمنة منادية بأعلى صوتها لقد آن
لتلك الكلاب المسعورة أن تموت" (23).
فالحزب الديمقراطي الكردي (البارتي) هو ليس "الاّ فرعاَ مهما من
الحزب الشيوعي العالمي" (23). و في ذهن مؤسسيه سيكون "الحزب
الشيوعي المحلي لدولة كردستان المستقبلية" (24).
أما بالنسبة للبناء التنظيمي لهذا الحزب فهو "عبارة عن حزب منظم
بطريقة علمية متينة, و هو أحد الأحزاب الأفضل تشكيلا و الأكثر
عصرية بين أفضل الأحزاب السياسية" (25).
و عن شعبية الحزب الديمقراطي الكردي في سورية يقول محمد طلب هلال
بأن:"هذا و قد أصبح اليوم الحزب البارتي في الجزيرة هو الناظم
الأول و الأخير لكل الأكراد عموماً و أكراد الجزيرة خصوصاً. إذ هو
حزب القومية الكردية, حيث أصبح منذ نشوئه الى الأن الحزب العامل و
الفعال في الجزيرة و بين الأكراد و هم الآن قد تركوا كالاتباطات
محلية و انصهروا في بوتقة هذا الحزب, حتى أصبح و كأن الأسرة
الصغيرة من الأكراد في البيت و العائلة خلايا و حلقات تنظيمية
بارتية. ولايزال هذا آخذ بالتقدم و الوعي لما لديه من أمكانيات
مادية و معنوية" (26).
و لذلك يقول محمد طلب هلال" يشكل البارتي عقبة كؤود أمام الزحف
العربي المقدس" (27).
حزب بهذا التنظيم و هذه الشعبية و على هذا القدر من الخطورة, كيف
يمكن القضاء عليه؟ لنرى ماذا يقترح منظر البعث
"نعم, إن القضاء على هذا الحزب صعب للغاية, بسبب قدمه و تنظيمه و
أعضائه المؤسسين المتعلمين و النشيطين معا. الاّ بالتهجير الدائم و
اجبارهم في الاقامة في مناطق أخرى" (28). لكن يبدو بأن هذا الحل
كان غير كافيا, لذلك يعود ثانية ليقول: "لايوجد حرب أصعب من الحرب
بين الأفكار, في قناعتنا هذا الحزب لا يمكن استئصاله الاّ باستئصال
الأكراد بجملتهم في المنطقة بشكل أو بأخر" (29). و من أجل اقناع
الرفاق في القيادة القومية للبعث, توجب عليه ايضاح كيفية استئصال
الشعب الكردي! لذا اقترح رئيس الشعبة السياسية مخططا "كان يجب أن
يكون كاملا و متماسكا و جذريا, لكي لا تسطيع المسألة أن تولد من
جديد في المستقبل" (30). و كان يجب أن يؤخذ في الحسبان بأن
"المناطق الكردية هي بمجموعتها امتدادا لبعضها البعض, فوق الحدود
التركية و في العراق و في سورية و حتى في ايران نفسها" (31). كما
أنه توجب "الاستفادة من الموقف التركي الحالي, الذي يهجّر العناصر
الخطرة الى الداخل لأن هذا الموقف يمكن أن يتغير في المستقبل حسب
رغبات الامبريالية" (32).
الفقرة الخامسة: خطة بتر الأكراد
"ليست المشكلة الكردية الآن وقد أخذت في تنظيم نفسها الا انتفاخ
ورمي خبيث نشأ أو أنشئ في ناحية من جسم الأمة العربية وليس له علاج
سوى بتره" (33).
تتكون الخطة التي يقترحها محمد طلب هلال على قيادة البعث من اثنتي
عشر نقطة :
1- ان تعمد الدولة الى عمليات التهجير الى الداخل مع التوزيع في
الداخل و مع ملاحظة عناصر الخطر اولا فأول. ولا بأس أن تكون الخطة
ثنائية أو ثلاثية السنين تبدأ بالعناصر الخطرة لتنتهي الى العناصر
الأقل خطورة وهكذا…
2- سياسة التجهيل: أي عدم انشاء مدارس أو معاهد علمية في المنطقة
لأن هذا اثبت عكس المطلوب بشكل صارخ قوي…...
3- أن الأكثرية الساحقة من الأكراد المقيمين في الجزيرة يتمتعون
بالجنسية التركية. فلابد لتصحيح السجلات المدنية و هذا يجري الآن
أنما نطلب أن يترتب على ذلك اجلاء كل من لم تثبت جنسيته و تسليمه
الى الدولة التابع لها. أضف الى ذلك يجب أن يدرس من تثبت جنسيته
دراسة أيضا معقولة وملاحظة كيفية كسب الجنسية لآن الجنسية لاتكسب
الا بمرسوم جمهوري. فكل جنسية ليست بمرسوم يجب أن تناقش. تبقى من
تبقي أي الأقل خطراً وتنزع من تنزع عنه الجنسية لنعيده بالتالي الى
وطنه.
ثم هناك تنازع الجنسيات فإنك تجد أحدهم يحمل جنسيتين في آن واحد أو
قل ثلاث جنسيات. فلابد والحالة هذه أن يعاد الى جنسيته الاولى وعلى
كل حال فالمهم مايترتب على ذلك الاحصاء والتدقيق من أعمال, حيث يجب
أن نقوم فوراً بعمليات الاجلاء.
4-سد باب العمل: لابد لنا أيضاً مساهمة في الخطة من سد أبواب العمل
أمام الأكراد حتى نجعلهم في وضع أولاً غير قادر على التحرك وثانياً
في وضع غير المستقر المستعد للرحيل في أية لحظة وهذا يجب أن يأخذ
به الاصلاح الزراعي أولاً في الجزيرة بأن لا يؤجر ولا يملك أكراد و
العناصر العربية كثيرة و موفورة بحمد الله.
5- شن حملة من الدعاية الواسعة بين العناصر العربية و مركزة على
الأكراد بتهيئة العناصر العربية أولا لحساب ما و خلخلة وضع الأكراد
ثانيا بحيث يجعلهم في وضع قلق و غير مستقر.
6- نزع الصفة الدينية عن مشايخ الدين عند الأكراد وارسال مشايخ
بخطة مرسومة عربا أقحاحاً. أو نقلهم الى الداخل بدلاً من غيرهم.
لأن مجالسهم ليست مجالس دينية
أبداً بل و بدقة العبارة مجالس كردية. فهم لدى دعوتهم الينا لا
يرسلون برقيات ضد البرزاني إنما يرسلون ضد سفاك دماء المسلمين. أي
قول هذا القول.
7- ضرب الأكراد في بعضهم هذا سهل و قد يكون ميسوراً بإثارة من
يدعون منهم بأنهم من أصول عربية على العناصر الخطرة منهم. كما يكشف
هذا العمل أوراق من يدعون بأنهم عرباً.
8- إسكان عناصر عربية و قومية في المناطق الكردية على الحدود فهم
حصن المستقبل ورقابة بنفس الوقت على الأكراد ريثما يتم تهجيرهم.
ونقترح أن تكون هذه العناصر من شمر لأنهم أولاُ أفقر القبائل
بالأرض و ثانياً مضمونين قوميا مئة بالمئة.
9- جعل الشريط الشمالي للجزيرة منطقة عسكرية كمنطقة الجبهة بحيث
توضع فيها قطعات عسكرية مهمتها اسكان العرب و اجلاء الأكراد وفق
ماترسم الدولة من خطة.
10- انشاء مزارع جماعية للعرب الذين تسكنهم الدولة في الشريط
الشمالي على أن تكون هذه المزارع مدربة و مسلحة عسكريا كالمستعمرات
اليهودية على الحدود تماماً.
11- عدم السماح لمن لا يتكلم اللغة العربية بأن يمارس حق الانتخاب
و الترشيح في المناطق المذكورة.
12- منع إعطاء الجنسية السورية مطلقاً لمن يريد السكن في تلك
المنطقة مهما كانت جنسيته الأصلية (عدا الجنسية العربية). الخ
هذا و ان هذه المقترحات ليست كافية بل أردنا منها إثارة المسؤولين
بحسب خبرتنا.
و مع ذلك يرى طلب هلال بأن هذه الخطة, و هذه الاقتراحات التي
يقترحها, ما هي الاّ نتيجة لخبرته, و يأمل أن تكون " تباشير مشروع
خطة جذرية شاملة لتؤخذ للذكرى بعين الاعتبار" (39).
و لقد تم تبنت هذه الاقتراحات كل الحكومات العربية البعثية
المتعاقبة على سورية, و لهذا بالذات أردنا تثبيتها هنا كاملة, ليرى
المراقب السياسي بأنه رغم تغيير واجهات السلطة, فقد بقيت سياسة
القمع و الاضطهاد مستمرة ضد الشعب الكردي في سورية.
يتبع
والمراجع والهوامش:
18+19+20- نفسه, فقرة (الأقليات القومية الأخرى في الجزيرة) ص
132-137.
21-نفسه, خلاصة الفصل الأول.
22-نفسه, ص 82-83,
23+24+25+26-نفسه, ص 89-90.
27+28+29-نفسه, ص 91.
30+31+32-نفسه, فقرة (الاقتراحات في الموضوع), ص 45-48.
33- نسرد اقتراحات هلال كاملة, وعنوان هذه الفقرة مستمدة من قول
هلال نفسه.
34- ما يقوله هلال غير صحيح, بل و مناقض أيضا لأقواله بالذات.
الثابت هو أن أغلب الأكراد شمال و جنوب الحدود يرتبطون بعلاقات
عائلية, و لم تستطع هذه الحدود الاستعمارية فصم هذه العلاقات,
فالأكراد هم أكراد لا عرب و لا أتراك ولا فرس, ولكن منذ أن تأسست
الدولة السورية, الأكراد المضميّن اليها مثلهم مثل بقية سكان
الدولة و بنفس الأساليب حصلوا على أوراق و وثائق الدولة و منها
وثيقة الجنسية.
35-الاحصاء الاستثنائي الذي تم في الجزيرة بناء على المرسوم
التشريعي /93/ لعام 1962.
36-هناك بعض القبائل, و تحت التأثير الديني, تدّعي بانتمائها الى
سلالة الرسول محمد.
37-المقصود هنا هو الجبهة العسكرية مع اسرائيل.
38+39-هلال, المرجع المذكور, ص 48.
|