|
إذا كان تطور
المجتمعات نابعا من ديناميكياتها الداخلية ومرتبطة بقوة التغيير
والتحول لديها، فإن المداخلات الخارجية لها الدور البارز في تسريع
أو إحباط هكذا تطور، وإذا كانت الرؤى والأطروحات النظرية
-
السياسية
والاجتماعية
-
لها الدور الأساسي في عملية تشكيل المجتمع وتبلوره عبر مكوناته
الاجتماعية والاقتصادية والثقافية،
فان دور العامل الخارجي
أو المحيط و الظروف تبقى محصورة في التأثير عليها من خلال سرعة
التبلور أو إحداث طفرات فيها، أو تعقيد نمو أجزاء منها، ولكن إذا
كان التفاعل الضمني موجوداً في صيغة التطور بين الداخل والخارج
فإن طبيعة هذا التفاعل أو الاتفاق الضمني تؤثر على مجريات التطور
بشكل عام ويطبعها بطابعها الخاص، وقد تجد هذه المادة الصعوبة في
تحقيق تحول أو تطور مغاير لحقيقة هكذا اتفاق أو تفاعل. ومن هنا إن
توجهنا إلى تاريخ شعوب منطقتنا نجدها تتفاعل في مجتمعاتها كل على
حداه وفي كافة الظروف مع حصول بعض الطفرات والتي لا يمكن أن يوصف
بالأساس في التكوين المجتمعي لهذا الشعب أو ذاك، وفي نفس الوقت
تتفاعل فيما بينها ( بين مجتمع وآخر ) في ظروف تختاره السلطة
الحاكمة أو الظروف الخارجية والتي قلما تحقق النجاح بعدما خلفت
ركاما هائلا من الطفرات والعثرات والعقبات والتي تحتاج إلى سنين
عديدة لإزالتها، ومن ثم إنشاء الظروف اللازمة لتحقيق التفاعل الحر
وفق الظروف التي تختارها مجتمعاتنا.
وإن أردنا أن نحلل
الوضع العام للعراق الآن يجب أن نعرف أن عمر العراق هو عمر منطقة
الشرق الأوسط ومجتمعاتها على حد سواء، لأن فيه نشأ أولى
المجتمعات الإنسانية ومنه تطورت المجتمعات الأخرى، وتعتبر مركزا
تاريخياً لهذه المنطقة ومنبع حضاراتها ، لذا تقوم القوى الخارجية
والشرق أوسطية باختيار العراق ساحة لتطبيق سيناريوهاتها
النظرية والعملية بالاعتماد على إيديولوجياتها الخاصة وسياساتها،
وتقاس مدى تحقيق الفشل أو النصر على ساحة الشرق الأوسط بمدى التطور
الحاصل في العراق، وتأتي أهمية التدخل الأمريكي في العراق من هذا
المنطلق على أنه تدخل في الشرق الأوسط برمته، وهي تحاول بشتى السبل
تحقيق نجاحات في سياسته على هذه البقعة كتحقيق لسياسته في المنطقة،
وبالطبع عبر الكثير من الوسائل والأساليب المعتمدة من سياساتها
القديمة والتي تعتبر متسترة وراء ألف حجة وحجة مسبقة سلفا، لأن
التطورات الظاهرة ليست إلا وجهة مزيفة لتطبيق مخططاتها، حيث نرى من
جهة تطور التيارات السلفية والأصولية في العراق، وتطور القومية
الرجعية والتعصب من جهة أخرى، وتطور لقوى الديمقراطية وحقوق
الإنسان وصراعها مع المخلفات القديمة للأنظمة البائدة، مع التطور
الحاصل في الإجماع الاقليمي المناهض، والإجماع الدولي على تحقيق
الديمقراطية وحقوق الإنسان، وكان الوضع الأمريكي متأزم ومن غير
الممكن لها الخروج من هذه الدوامات المتعقدة، إلا أن التطورات
الحاصلة وإن دلت على شيء إنما تدل على سياسة مسبقة الصنع والهدف
منها التشهير بالبعض والترويج للآخر، فإن عدنا إلى الوراء قليلا
وتفحصنا التطورات العالمية بنظرة تحليلية نجد إن هذه التطورات هي
من حبكة القوى العالمية والتي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية
دون أي شك.
فهي التي تخلق
الحجج والذرائع
وبالتالي الدوافع لتحقيق مآربها،
وعندما كانت تشكو من أزمة خانقة في التحول إلى النظام العالمي
الجديد وتجديد سياساتها في العالم عمدت على فتح المجال لتحقيق
أحداث 11 أيلول 2001 وعن طريق القوى التي لابد لها من أن تصبح
الهدف الأول لها والوسيلة الأسهل في الحرب الإيديولوجية التي عن
طريق ضربها والتشهير بها يمكن أن يتطور النظام العالمي الجديد
ويجمع لها الإجماع الدولي في قيادة العالم، مع العلم أن هذه القوى
الأصولية والسلفية ما كانت لتكون لولا الدعم والرعاية الأمريكية
وما كانت لتطور إلا مع المساعدات الأمريكية في إنشائها وتقويتها
وتقوية نفوذها، وهناك دلائل عديدة تؤكد صحة هذه النظرية، في الشأن
الأفغاني ومراحل الصراع مع الشيوعية، ومن جهة أخرى ألم يكن التدخل
السوري في لبنان مخططا أمريكيا وبمباركة إسرائيل لتدجين الفصائل
الفلسطينية؟
وعند فشلها في هذه المهمة قيام إسرائيل بالتدخل في جنوب لبنان
واحتلاله حتى الليطاني وتصميمها على احتلال كل لبنان وطرد السوريين
وتنصيب حكم موالي لها، وعلى اثر ذلك فصام الوفاق الأمريكي السوري
وتوجه هذا
الأخير إلى الاتفاق مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية ودعمهما معاً
لحركة أمل ومن ثم حزب الله، وعلى نفس الشاكلة تم التدخل في أفريقيا
وأوربا الشرقية بشكل عام تحت اسم هيئة الأمم المتحدة وأخذ
المبادرة في تحقيق الوفاق أو إنشاء الأنظمة الديمقراطية، ألم تكن
هي التي صنعت الأنظمة الاستبدادية في المنطقة وبمساعداتها عن طريق
الفاتورة المفتوحة أوصلت أنظمة الحكم في المنطقة إلى التخمة
والاختناق، هذه الأنظمة التي كانت متعطشة أصلا إلى هذا التوجه
وصولا إلى احتلال الكويت عن طريق صدام، وبالتالي الانتداب الجديد
على كل الخليج، وبالتالي ترك كل أبواب المنطقة مفتوحة للمداخلة،
بغض النظر عن سلبية المداخلة أو إيجابيتها، واجاد نظام فكر شرق
أوسطي يتطلع إلى الخارج ومن خلالها أو وفق ما تراه الخارج مناسبا
يخطو خطواته، هي بنفسها ( أمريكا ) قادت الحملة ضد صدام وبإجماع
دولي واتفاق عربي وإسلامي تحت إمرة هذه القيادة التي كانت تعتبر
كافرة وإمبريالية ومصاصة دماء الشعوب المنكوبة.
ووفق برنامج مخطط
مسبقاً تم النيل من الاتحاد السوفياتي التي كانت تستحق الانهيار،
والترويج للنظريات والأفكار والمفاهيم التي تؤيد سطوع نجم الولايات
المتحدة الأمريكية وتطور ديمقراطيتها على أنها ذروة التطور
الديمقراطي في العالم، ونظريتها هي التي ستسود العالم، ومن هذا
المنطلق بدأت
القوى العظمى لاستنفار كافة قواه من أجل تحقيق نظريتها حول الوجود،
وسوف يتم تطبيقها إن شئنا أم أبينا، لأننا نصبح أداة لتطبيق هذه
السياسة
رغماً عنا
نحن شعوب الشرق الأوسط لما نتمتع به من قيادات حكيمة والتي لا تهتم
بمصالح شعوبها ولا تنسى مصالحها الشخصية وهي حريصة على تطبيق
الديمقراطية حسب مفهومها ولا تهمل في حقوق المظلومين فحسب بل تبادر
إلى الظلم قبل التفكير به مع الأسف لأنها طغمة خلقت أصلا لأن تدفع
بشعوبها إلى المهالك.
سقط نظام صدام
بالتدخل الأمريكي في العراق وتم إنشاء مجلس الحكم المؤقت وبوشر
بالمرحلة الانتقالية إلى الديمقراطية وتطور بنية المجتمع المدني
وحرية الفرد وأصبحت الأوضاع الأمنية لا بأس بها وكأن الأمريكان
أنهوا مهمتهم في العراق واقترب تشكيل
حكومة مؤقتة لإدارة البلاد من خلال دستور ديمقراطي تعددي يضمن حقوق
كافة الشعوب والأقليات الموجودة في العراق ونادت بعض القوى
الداخلية والخارجية إلى ضرورة رحيل القوات الأجنبية من العراق ،
واقتربت الانتخابات الأمريكية العامة، كان يجب أن يقرر الشعب
العراقي مصيره بنفسه ويضع نقطة النهاية للظلم والاستبداد والبدء
بالمرحلة الديمقراطية التي تليق به بعد كل هذه التضحيات الجسام من
مقابر جماعية والأنفال والاستشهاد بالغازات الكيمائية، وهذه
البداية أو الانطلاقة ستصبح مثالاً يحتذى بها في منطقتنا وسوف
تتعرض الحلقات الأخرى من مسلسلات الظلم والاستبداد إلى نفس المصير،
والتي أدركت ذلك جيدا وقررت التحرك لإفشال هذه الخطوة أو تعطيل
حركتها لتسيير سياساتها ضمن هذا التشعب الكثيف لمصالح القوى
العالمية والتي تشبه شبكة العنكبوت والضحية فيها هو الشعب العراقي.
الاستقرار في
العراق يعني خروج الأمريكان منه، ومع عدم وجود أدلة على وجود أسلحة
الدمار الشامل فإن بوش لن يفوز بالانتخابات، وينطبق هذا على الموقف
البريطاني، وكذلك فان الوضع السوري سوف يتدهور وستكون سوريا الحلقة
الثانية من السلسلة، ووضع إيران أيضا مطابق للوضع السوري والتركي،
ولن تسمح شعوب الخليج بالاستمرار تحت وطـأة أنظمتها الحالية وسوف
تحاول التحرر من تحكم السلطة بمجتمعاتها، والاستقرار في العراق
يعني ضرورة عدم تدخل القوات
الإسرائيلية في مناطق السلطة الفلسطينية وقتلها واغتيالاتها
العشوائية للمناضلين الفلسطينيين، ويعني هذا أيضا أن أوربا فشلت في
سياساتها في الشرق الأوسط ولم يبقى لها تأثير، ويعني أيضا اعترافا
صارخا للصين واليابان وروسيا بعظمة أمريكا، وكذلك يعني عدم جدوى
الإيديولوجية
والأصولية والسلفية والتعصب القومي، ويعني ذلك نهاية مرحلة وبداية
مرحلة جديدة.
إن تشابك كل هذه
المصالح في العراق يؤدي إلى ازدياد العنف والتوجه إلى اللا حل
ويعبر عن الطبيعة الازدواجية لأنظمة الحكم والمنظمات الاقتصادية
العالمية ويبقى الضحية هو شعب العراق الذي ضحى ويضحي من أجل
الاستقرار ويدفع فاتورة التناقضات العالمية والإقليمية ومع الأسف
نجد كافة القوى المتصارعة تنادي بحماية العراق ومصلحة شعبه علانية،
وكل في نفسه يدافع عن الشعب العراقي لأن حماية العراقيين
هي مهمة الجميع ولكن لكل طريقته في الدفاع عن هذا الشعب، فمنهم من
يدافع عن نفسه ومصالح نظامه في تأجيج العنف في العراق، ومنهم من
يدافع عن موقعه ومكانته في السياسة الدولية ويؤجج العنف، ومنهم من
يسعى إلى إطالة عمره بإثارة الحرب الأهلية في العراق، ومنهم من
يدافع عن مركزه في السلطة المطلقة وصاحبة الكلمة الأولى وأن العراق
بدونه خراب ودمار ومنهم من يدافع عن ماضيه وطموحه بأن يرجع العالم
لألف سنة إلى الوراء والفرصة مهيئة ومنهم من يموتون يوميا دون سبب
أو إنذار مسبق وتصادف تواجدهم في مكان الانفجار بحثا عن لقمة العيش
التي أصبحت من الصعوبة تأمينها، لأن فاتورة الصراعات في العراق
يناهز الملايين من الدولارات يوميا ويدفعها كل هذه القوى المذكورة
أعلاه بالسر أو العلانية ودون أي تردد من أجل حماية مصالحها
الخفية ومصالح أعدائهم التقليديين
أيضا لأنها تتوافق في إطالة الوضع الراهن وهي تجارة مربحة لكافة
القوى ولا نتعجب إن قلنا أن أكثر الأنظمة المتناقضة في العالم تتفق
في خط واحد في العراق وينشأ فيه الوفاق اليهودي والإسلامي، والوفاق
القومي المتعصب والأوربي، والوفاق الديني المذهبي والعلماني، بين
اليمين واليسار.....إلخ، والمحروم الوحيد الذي يبحث عن الوفاق ولا
يجدها هو الشعب العراقي وهو يحاول بكل جهده إيجاد توافق ما في هذه
الانتخابات والوصول إلى صيغة مناسبة ومتوافقه مع الشرط العراقي
وتعدد قومياته ومذاهبه، فإنها تجد أكثر من صعوبة في تجاوز هذه
العقبات في طريقه نحو بلد ديمقراطي حر، ولكن الضحية تكون في كل
الأحوال أصلب إرادة وعزيمة من أجل الوصول إلى الهدف، والشعب
العراقي لائق بأهدافه النبيلة في الديمقراطية و لن تلين عزيمته
لهذه
العقبات مهما كثرت، وستكشف الأيام عن ما كان يدور من خلف الكواليس.
غمكين ديريك
xemginderik@yahoo.com
|