|
بينما تشهد منطقتنا أعياد الربيع وقدوم الخير والبركة مع هذا الفصل
الجميل، والتي تعتبر بالنسبة لكافة الشعوب انفتاحا على عالم جديد
وروح جديدة، وخاصة بالنسبة إلى شعبنا الكردي والتي تعتبر بالنسبة
إليه بداية السنة الجديدة وميلاد الحرية والازدهار بالإضافة إلى
بداية تبرعم الخير والبركة مع حلول 21 آذار،
ولكن بالنسبة لنا فان المعاني قد تكون مختلفة بما فيها لدى
الإيرانين أو الأفغان أو بعض الشعوب الاخرى التي تحتفل بهذا العيد
(عيد نوروز) لأننا نحن الذين صنعنا هذا اليوم وبشهادة التاريخ
عليه، واستطعنا من خلال هذا اليوم استعادة الحرية ليس لنا كشعب بل
لجميع شعوب الشرق الأوسط، بما فيها الشعب الآشوري المضطهد من قبل
امبراطوريتها (الامبراطورية الآشورية).
ويبدو أن هذه السنة ستكون مختلفة عن السنوات المنصرمة في الكثير من
معانيها وظواهرها، وستكون جديدة بكل معانيها وظروفها الحالية،
فبينما يبارك الرئيس الأمريكي عيد نوروز للأكراد والشعب الكردي،
تقوم الدولة التركية بتقديم الأكراد إلى المحاكمة بتهمة التكلم
باللغة الكردية، وتقوم السلطات السورية بتحشدات عسكرية هائلة في
المناطق الكردية، ويحتفل شعبنا الكردي في العراق عامة بعيد نوروز
في جو من الحرية والديمقراطية، وأيضا تتمتع جماهيرنا الكردية في
إيران بقسط من الحرية والاحتفال بعيد نوروز كعيد رسمي للدولة،
وتبقى الفروقات بين ظروف هذه الدولة تحكم على احتفالاتنتا المشتركة
كشعب وقومية، وتؤثر في شكل الاحتفال أو استقبال هذا العيد التحرري
القومي، وان كانت معانيها أو مغزاها واحدة.
لقد استطاع الكرد ومنذ فجر التاريخ أن يثبتوا لشعوب المنطقة
نواياهم في الانعتاق من الظلم والاستبداد مهما كلفها ذلك من ثمن،
واثبتوا أيضا أنهم على استعداد للتضحية من اجل حرية وتحرر الآخرين
أيضا، وشكلوا بذلك تاريخيا لا يمكن أن ينسى من ذاكرة شعوب المنطقة
منذ الفيدرالية الميدية وصولاً إلى عهد الأيوبيين بقيادة صلاح
الدين الأيوبي الذي يعتبره الكثيرون أنه أسطورة، ولكننا نحن الكرد
نعرف انه يمثل حقيقتنا الاجتماعية الكردية وليست أسطورة، لأن الكرد
مضحيين من أجل الشعوب الأخرى أكثر مما هم مضحين من أجل أنفسهم،
وقناعتهم هي أن حريتهم تنبع من حرية الآخرين، وأن حرية شعوب
المنطقة هي حرية الشعب الكردستاني، ومن أجل هذه القناعة دفع الكرد
تضحيات لا تعد ولا تحصى ، ولا يخلو تاريخ أي شعب من شعوب المنطقة
من مآثر قدمها الكرد من أجل حريتهم.
ولا أقصد من هذا أن أجعل من الكرد أفضل الشعوب أو الاستعلاء به أو
إظهاره على انه قمة القمم، إنما هي استذكار ونداء إلى ضمائر
جيراننا في هذه المنطقة، وعليهم أن يعرفوا أن إنكار حقوق الكرد هي
إنكار لحقوقهم في الحرية والتحرر الاجتماعي والسياسي والثقافي، وان
الأنظمة الحاكمة تتجاسر في اضهادها لشعوبها من خلال المفهوم السائد
في أعماق شعوبهم والتي تتمثل في العنصرية وعدم احترام الرأي الآخر
وإنكار الأطياف الأخرى أو الاستعلاء بذاتها، وتستطيع هذه الأنظمة
وبكل بساطة تعبئة الرأي المحلي أو استغلاله من أجل ضرب طائفة ما أو
حتى إبادتها، أو إظهار هذه الطائفة أو تلك على أنها جرثومة في جسم
الدولة و يجب أن تظهر الجماهير النخوة والهجوم على تلك الطائفة،
أنها سياسة الأنظمة الشمولية وطبيعتها، ولكنها إن لم تجد الأرضية
الملائمة فكيف بها أن تتطور، إنها مرتبطة بالوعي المجتمعي لدى هذه
الشعوب التي تظن بأنها تستطيع لوحدها بناء صرح تاريخي مستغنين عن
نضالات الشعوب مجتمعة، وبالطبع ترى في تاريخها الذي شوهته هذه
الأنظمة بأنه أعظم تاريخ وهو تاريخ صافي قوميا وعرقيا وتنكر الظروف
والعوامل المساعدة والأجندة الاجتماعية التي شاركت بهذا التاريخ،
وهذا دليل على تطورها الناقص في هذا المجال وعدم معرفتها للتاريخ
الحقيقي للمنطقة، لأن تاريخ المنطقة ومنذ بداية التاريخ هي عبارة
عن نتاج أبناء المنطقة نفسها كردا وعربا واشوراً وأرمن وفرساً
ومؤخرا جدا الأتراك وياليتهم لم ينضموا إلى هذا التاريخ، لان
الانحراف والاستغلال والانكار بدأ بقدوم الأتراك إلى هذه المنطقة
في بداية الألفية الثانية للميلاد.
ولكن أما آن الأوان للحركة من جديد لبناء المنطقة على أساس الأخوة
والمساواة في الحقوق والواجبات، أو أن الوقت مبكر للاعتراف بأن
منطقتنا منطقة غنية بشعوبها وثقافاتها المتعددة كما في غناها
ببترولها، ألم يأتي الوقت الذي تقدم فيه أية سلطة كانت على اخذ
شرعيتها من مواطنيها على أساس ديمقراطي وعبر انتخابات حرة ونزيهة،
أم أن الوقت أسيرنا ولا يتحرك إلا وفقا لأهوائنا ونزواتنا في
السيطرة على مقدرات الشعوب والاستمرار في القمع والاستبداد، وإنكار
الآخر، أم أن الأهداف المبتغاة من قبل السلطات الحاكمة هي إجهاض
التطور الاجتماعي وتحريف حقيقة الشرق الأوسط المسالمة والتي كانت
منبع الديانات السماوية وبما حملها من المساواة والاخوة والمحبة
للإنسانية والخالق الواحد عز وجل، أم انهم يريدون التربع على عرش
الخالق وإظهار حقيقة سلطتهم على أنها قدر محتوم لا يمكن لأحد أن
يغيره، وان حاول أحد تغيره سيتحول إلى جحيم لا يرحم من الإرهاب
والقتل والذبح وانتهاك الأعراض، أم انهم في حقيقة الأمر لا يريدون
لشعوب المنطقة الحياة الكريمة وقرروا هذا منذ تسلمهم لزمام السلطة.
ولكن الحقيقة التي لا يمكن إنكارها هي أن الشعب الكردي يشكل قوة
أساسية في منطقة الشرق الأوسط من حيث عدد السكان والجغرافيا التي
تتمركز فيها، ومن حيث القوة السياسية والثقل الاجتماعي والثقافي في
تشكيلة المنطقة، بالإضافة إلى التاريخ الغني الذي سطر بدماء الكرد
من أجل تطوير المنطقة، وان كان الوجه الحقيقي لهذا الشعب هو
الإنسانية والإخاء والمساواة وتعاملها مع الشعوب والأنظمة كانت
بالطرق السلمية في مطالبتها بحقوقها المشروعة، إلا أنها تعرف على
أنها لا تتنازل عن حقوقها مهما طالت بها الأزمنة، ولا تركع مهما
اشتدت عليها الصعاب أو الأعمال القعمعية والتعسفية، وهي باقية
ومصرة على نيل حقوقها المشروعة، لا بل الدعوة إلى تحرير الشعوب
الأخرى أيضا، ولكنها تفضل أن تكون الإخاء والمحبة والسلام هي
الأساس في هذه القضية، وهذه ليست نقطة ضعف بل نقاط قوة في حقيقتها
الإنسانية والاجتماعية، وان كانت تعتبر نقطة ضعف من الناحية
السياسية، لان أعداء الأمم استطاعوا استغلال هذه النقطة في ضرب
الكردي وإنكار حقوقه.
وما ضر العربي المثقف والغير مثقف أن يبارك عيد أخيه الكردي
ويشاركه أفراحه، وما ضر التركي أو الإيراني أو الآشوري والأرمني في
ذلك، ولكنه يتضرر عندما يستمع إلى صرخات حكامه في تلفيق شتى التهم
على الكردي، ألم نشارك في أفراحكم وأحزانكم، ألم نشارك في حرب
التحرير التركية وألم نكن في المقدمة أم في انتفاضات السوريين من
أجل الاستقلال، ألم نكن القوة الرئيسية في تشكيل العراق في
العشرينيات والآن أيضا، ألم نقاتل في فلسطين من اجل الاخوة الكردية
العربية، مع العلم أننا لا نملك أية عداوة مع الشعب اليهودي في
فلسطين أو إسرائيل، و هم أخوة لنا في المنطقة ومن حقهم العيش في
هذه المنطقة، وهذه الأنظمة تعتبر أن الكردي مرتبطا بإسرائيل أو
بالخارج لأنه يطلب حقوقه، وإعلام إسرائيل ترفرف في كل عواصمهم،
ويتسابق رؤساء أنظمة الشرق الأوسط لأخذ شهادة حسن السلوك من
إسرائيل.
لا بديل لنا جميعا عن العيش المشترك في هذه المنطقة وعلى هذه الأرض
المعطاء والتي جبلت بدمائنا وكدحنا مجتمعين، ولا بديل لنا عن
الاخوة والمحبة والسلام، وعلى شعوبنا أن تعلم أن هذه الأنظمة زائلة
وان الشعوب والأمم هي الباقية وهي التي يجب أن تقرر صيغة العلاقة
فيما بينها، وان لا تنجر إلى أهازيج الاحتضار التي تطلقها هذه
الأنظمة من اجل البقاء في الحياة لوهلة أخرى أو إطالة عمرها
اليابس، وان التداخل والاختلاط بين هذه الشعوب وصلت إلى درجة لا
يمكن الفصل بينها، وانك ترى في المحلة الواحد إن يكون جارك أول
عربيا والأخر كرديا والأخر أشوريا، أو أنك تجد في البيت الواحد أب
كردي وأم عربية أو العكس وهكذا تركية وفارسية وآشورية أو أرمنية،
وهذه هي الحقيقة الواضحة والصريحة للمنطقة وعنوانها، واعتقد أن
الوقت قد حان لتقول هذه المجتمعات كلمتها وان تثبت حقيقتها
الاجتماعية، وان تصرح بأنها تعاني من احتلال لهويتها من قبل
الأنظمة الحاكمة، كما تحتل وتطضهد وتقمع إحدى اقدم شعوب المنطقة،
ولا تعترف بحقوقهم القومية، وأن هذا الشريك في المنطقة له الحق في
الاعتراف الدستوري بحقوقه المشروعة ونيل حريته الاجتماعية
والثقافية وحرية التنظيم السياسي، وإدارة مناطقه بقوته وكفاءاته
الذاتية، وتثبيت حقوقه وواجباته دستوريا، وان تقول كفى للفرقة
والتشتيت والعنصرية، ونعم للاخوة والمحبة والسلام .
غمكين ديريك
xemginderik@yahoo.com |