|
الواضح أن التغيرات والتحولات أصبحت سريعة جدا
في هذا العصر، وبشكل خاص بعدما شكلت الإدارة الأمريكية لقاعدتها
الأساسية في الشرق الأوسط، وبات واضحا أن التطورات التي كانت تتحقق
في عشرة سنوات سابقا ، تتحقق الآن في سنة أو أقل نظرا لاشتعال
والانشغال بمنطقتنا الشرق الأوسط والتي تعتبر أهم منطقة تتمركز
فيها السياسات والتحركات والتحرشات الدولية والإقليمية قديما
وحاضرا، والولايات المتحدة الأمريكية مصرة على لعب دور الأسد
كالمعتاد في المنطقة ، وهي اكثر ثقة بقيادة بوش وخاصة بعد فوزه في
الانتخابات الرئاسية في أمريكا، وهي تحاول تعزيز الإجماع الدولي
التي حصلت عليه في حربه في العراق (والإرهاب) وتطويرها وصولاً إلى
صاحب الكلمة الأولى والأخيرة في شؤون الشرق الأوسط، وهي بذلك تؤكد
على وحدانية القطب في النظام العالمي الجديد، والتي لا يمكن لها أن
تتزعزع الآن وفي هذه الظروف ، وهي تقوم بتقسيم العالم إلى فئتين
حسب نظريتها المعتمدة في السياسة الدولية ،الأولى هي الدول
المرتبطة بالاقتصاد العالمي واسماها الدول النواة الفاعلة، والفئة
الثانية هي الدول الغير مرتبطة بمنظومة الوفرة والتقدم والتي تدور
في فلك الفوضى وأسماها بدول الفجوة الغير مندمجة، وبشكل طبيعي فإن
تدخلاتها وضغوطاتها تتركز على الفئة الثانية،.
وتبقى أوربا في أخذ بعض التنازلات الاقتصادية
لتمرير بعض سياساتها المعتدلة والغير فعالة في المنطقة وارتباط
سياستها بشكل عام مع السياسة الأمريكية ، ولو أن اليورو يزداد
قيمته بالنسبة للدولار الأمريكي إلا أنها لا تشير إلى التطور في
السياسة الأوربية في المنطقة، وإن كانت بعض الأنظمة والقوى تريد
منها أن تلعب دورها بشكل مستقل أو حتى كجبهة مستقلة بالاستناد إلى
الاقتصاديات الكبرى المتمثلة في الدول الثمانية الغنية، إلا أنها
تبدوا من الآن أنها لن تلقى النجاح، لأن محور هذه التيارات تتجه
نحو التناقض مع أمريكا أو بمعنى آخر تناقض النظام العالمي الجديد،
ومن بين هذه الدول والتيارات إن صح التعبير، تعتبر سوريا الرئيسية
في إيجاد مخرج لها من أزمة الشرق الأوسط أو إعاقة التطور الحاصل في
الشرق الأوسط من انهيار الأنظمة الشمولية والرجعية والعنصرية، وهي
تحاول بكل قواها مواجهة المد الديمقراطي والتطور وتحاول مع بعض
الدول الإقليمية من محاصرة هذا المد باتفاقيات إقليمية ودولية
مزمعة التحقيق، وهي تحاول من خلال علاقاتها مع بعض الدول العظمى
التأثير على المنطقة عن طريق اتفاقيات تجارية ومصالح سياسية عامة (
روسيا مثلاً ) من جهة ، ومن جهة أخرى تتفق مع القوى الإقليمية
للحفاظ على نظام الحكم القديم في المنطقة ودعم أو إظهار تمثيل
المقاومة الشرق الأوسطية الأصيلة على أنها مع التغير المرحلي
الداخلي والمستند على جوهر الشرق الأوسط والمتمركزة في شكل نظامها
الأوتوقراطي والتي ترجح أن يكون التغير من الداخل وإلى أجل غير
مسمى، وهذا الاتفاق قد لا يدوم كثيرا وخصوصا ابتداء المذاكرة
التركية للانضمام إلى الاتحاد الأوربي والتي ستجعل تركيا تغير من
استراتيجيتها القديمة في الاضطهاد والإنكار والتسلط رغم التنازلات
السورية لها، وتبقى الجمهورية الإسلامية الإيرانية ( ممثلة الإسلام
الديمقراطي )، والتي تبحث عن منفذ لها من الضغوطات الداخلية
وتستعمل الورقة الشيعية في كل من العراق والخليج لمواجهة المد
الأمريكي مقابل الاتفاق على صيغة مناسبة في برنامجها النووي، وقد
باشر الأمريكان بأخذ هذه الورقة من يد الأوربيين ، لأن إيران تمثل
موقعا هاما لا بل صلة الوصل بين دول النواة ودول الغير مرتبطة
بالاقتصاد العالمي، وقد شوهد تبادل ملحوظ في الملف العراقي في
السنة المنصرمة بين الدولتين وستسعى أمريكا لتطوير هذا التبادل
مقابل عدم استهدافها لطهران مباشرة وخاصا أن إيران تشكل صمام
الأمان في الانتخابات العراقية والتي تعتبرها أمريكا استراتيجية
ويجب إجراؤها أو إنجاحها في كل الاحتمالات،.
ويبقى الملف السوري الأهم من بين الملفات التي
من الممكن أن تشهد تطورا ملحوظا من قبل الإدارة الأمريكية وخاصة
بعد الانتخابات العراقية، حيث شكلت زيارة ارميتاج إلى سوريا
وإبلاغه للمسؤولين السوريين ضرورة الحفاظ على الأمن في العراق
وحماية الحدود ومنع المتسللين والقيام بإنجاح الانتخابات العراقية،
بالإضافة إلى تطبيق قرار 1559 حول لبنان ، والبدء بالتغيرات
الداخلية وإرساء دعائم المجتمع المدني، وتتلخص المطالب الأمريكية
التي أمهلت سوريا إلى نهاية نيسان القادم في تنفيذها في ثمانية
نقاط:
-
إلغاء
كافة أحكام وقوانين الطوارئ التي تطبق في سوريا منذ 41 سنة
خلت.
-
إطلاق سراح كافة سجناء الرأي والسجناء السياسيين.
-
إشاعة حرية
الصحافة وإسقاط الرقابة عنها.
-
التعهد بمباشرة الإصلاحات السياسية فورا.
-
مباشرة الإصلاحات الاقتصادية فورا.
-
قطع العلاقات مع إيران.
-
التوقف
عن
دعم ومساندة حزب الله بعد اعتراف سورية بأنها تملك مزارع شبعا.
-
تسليم 55
من
أتباع صدام للقوات المسلحة الأمريكية، الذين اتخذوا من دمشق مأوى
لهم أو طردهم
من
سوريا.
ويبدوا أن الحكومة السورية ستجد صعوبة في تحقيق هذه المطالب وفي
تلك الفترة المحددة إلا أنها ستشهد بعض التطورات الديمقراطية والتي
تضيق الخناق على التيار المحافظ في الدولة وتزيد من حدة التناقضات
على السلطة في سوريا بين التيارين وبروز هذه التناقضات على السطح
بعدما كانت مضمرة إلى الآن ومن المحتمل أنها ستشهد أزمات حقيقية
وصراعا عنيفا على السلطة،.
ويبقى المحور الكردي والتي تسيطر على كل المحاور وهي العقدة التي
تفتتح أو تتداول عن طريقها المحاور الأخرى والبحث عن سبل الحل
لها، و من أهم مميزات العصر الجديد هو بروز أو سطوع شمس الكرد في
المنطقة بعدما كان خاملاً حتى في أكثر مراحله سطوعاً على المستوى
الكردي، فقد استطاعت القوى الكردية في تركيا من لم شمل الحركة
السياسية عن طريق بناء مؤسساتها المدنية وتطويرها للمجتمع الكردي
في تنظيمها في هذه المؤسسات المتعددة في هذه الساحة، وذلك بعدما
فشل حزب العمال الكردستاني في نضاله من أجل تحرير وتوحيد كردستان
وإقراره ترك السلاح والانسحاب من الحدود التركية والاعتراف بهذه
الحدود رسميا، وفشله من تحقيق التطور المأمول منه في التحول إلى
قوة سياسية مدنية وسلمية ، والتي أدت بالفئات الاجتماعية المتعددة
من اخذ المبادرة وتطوير مؤسسات المجتمع المدني في تركيا ، ومع
الأسف فإن المعارضة الكردية في إيران لم تستطع الوصول إلى درجة
المعارضة الفعالة والتي تؤثر على السلطة السياسية بشكل مباشر وبقيت
متقوقعة في مفاهيمها الكلاسيكية وعدم التطور وفق متطلبات العصر،
مثلها مثل الحركة الكردية في سوريا والتي تنادي بالإصلاح في الدولة
إلا أنها أكثر حاجة إلى الإصلاح الداخلي مفهوماً وتنظيماً وأسلوب
النضال، فالحركة الكردية في هذا الجزء لا تتجرأ على فهم متطلبات
الواقع وإصلاح ذاتها، على الرغم من التطورات الهائلة التي تشهدها
المنطقة والتي تؤثر بشكل مباشر على سوريا وعلى الحركة الكردية
فيها، وتبقى الانقسامات والنزاعات المصلحية الضيقة فوق كل اعتبار،
وتتناسى هذه الحركة مهامها الملقاة على عاتقها وتتركها للزمن، على
الرغم من الفرص التاريخية التي جاءتها على طبق من الذهب ( انتفاضة
12 ) إلا أنها لم تحاول الاستفادة منها وتفضل وضعها المعزول والغير
فعال بانتظار ظهور مقاومة نضالية شعبية عامة تقضي على مرحلة
الأحزاب وتتحول إلى بناء مؤسسات المجتمع المدني وتنظم الكرد وفق
ذلك ، أو ظهور فصيل سياسي متطور يعي متطلبات المرحلة ويستطيع تحريك
المسار السياسي للحركة ويتماشى مع آمال وطموحات الجماهير الكردية
في هذا الجزء ويقوم بتمثيلها السياسي والاجتماعي، وفي كلا الحالتين
ستقوم هذه الحركة العجوزة أن صح التعبير بمقاومة هذا التطور وان لم
يكن بالشكل الفعال وذلك لعجزها عن تحقيق أية تطورات ممكنة،.
أما أكراد العراق الذين استطاعوا فهم متطلبات النظام العالمي
الجديد وان كانت ظروفهم مهيأة لهكذا تطور واستطاعوا تمثيل الدور
الملقى على عاتقهم في جعل الحركة الكردية مفتاح الحل لقضايا العراق
سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، وأصبح للكرد في العراق الدور الأساسي
في دمقرطة الدولة والمجتمع ، على الرغم من الصراعات والمنازعات
الداخلية التي كانت تشكو منها هذه الحركة إلا أنها استطاعت وفي
فترة قصيرة لم شملها والانضمام إلى المرحلة وتطوير عجلة
الديمقراطية في كل من العراق وإقليم كردستان، وأخذ المصالح الوطنية
والقومية فوق كل اعتبار وترك المنازعات جانبا والاستعداد لخوض
الانتخابات بقائمة موحدة باسم الكرد وليس الحزب والتي ستؤثر على
الكرد بشكل عام في الأجزاء الأخرى أيضا،.
عام 2005 هو عام تطور الديمقراطية على الرغم من الصراعات العديدة
والأوضاع المتشعبة في المنطقة، وهذه الصدامات تدل على نهاية عصر
الظلمات والإرهاب المنظم الذي كانت تمارسه الدولة وهي بنفس الوقت
احتضار لقوى طالما اشتكى منها الإنسانية ومثلت بشعوبها قبل غيرها
والتي كانت كسيف ديمقليطس على رقاب شعوبها ومجتمعاتها، وبات نضالات
الشعوب تعطي ثمارها بعدما انقلبت الموازين السياسية في المنطقة
وأصبحت القوى التي كانت في الماضي القريب تدعم هذه الأنظمة لتنقلب
عليها وتطالبها ثمن دعمها طيلة هذه السنوات في فتح مجتمعاتها
وحدودها السياسية والجغرافية أمام الاقتصاد العالمي والانضمام إلى
النظام العالمي الجديد وتبني مبادئها في الديمقراطية وحقوق الإنسان
والاقتصاد الحر، هذه المبادئ التي طالما حلم شعوب الشرق الأوسط بها
وضحى في سبيلها المئات بل الآلاف من الشهداء على أمل تحقيقها.
غمكين ديريك
xemginderik@yahoo.com |