|
كثر الحديث حول المسألة الكردية في سوريا خاصة بعد أحداث الثاني
عشر من آذار ، والتي أوجدت وبكل المقاييس واقعاً وطنياً وقومياً
جديداً، وقد جاءت تصريحات السيد رئيس الجمهورية بشار الأسد مع قناة
الجزيرة عقب تلك الأحداث بأسابيع وتأكيده على أن الكرد ( جزء أساسي
من النسيج الاجتماعي في سوريا ) ثم جاء بعده العفو الرئاسي الخاص
لإطلاق سراح معظم المعتقلين الكرد على خلفية أحداث آذار الدامية
ليشكل نقطة كثر الحديث والنقاش حولها ،
وهي رغم كل شيء تعتبر خطوة إيجابية في الاتجاه الصحيح ، ولكن يجب
أن نتأمل بعمق الواقع السياسي والقومي للشعب الكردي في سوريا وإلى
أين وصلت قضيته وكيفية أسلوب التعامل معها من قبل السلطة السياسية
في البلاد .
إن نظرة عميقة ومتفحصة لتعامل السلطة مع القضية الكردية ندرك
بسهولة أنه رغم الأحاديث غير الرسمية الإيجابية والمتفائلة لجميع
مسؤولي السلطة سواء كانوا في الأجهزة الأمنية أو القيادات الحزبية
حول القضية الكردية والإيحاء بوجود بوادر لحلها إلا أن التعمق في
أسلوب السلطة وتحليله يقودنا إلى حقائق على أرض الواقع تتناقض
كلياً مع تلك الأحاديث وتدحض مقولات كل المسؤولين ، فلا تزال
العقلية البعثية المرتكزة على الستينات من القرن الماضي هي الأساس
في التعامل مع التأكيد على أن تلك العقلية تتخلى عن بعض أهم
مبادئها العامة بغية تحقيق أكبر قدر من المحاصرة والتهميش والتغييب
للمسألة الكردية وجعلها تدور حول نفسها في فراغ شبه مطلق ورسم
استراتيجية وبكل أسف انطلت حتى على العديد من المسؤولين الكرد وهي
السعي للوصول إلى النقطة قبل الصفر والتي يفهم منها أن القضية
الكردية قد حققت قفزات (( يجب الإقرار بها
))
؟؟.
ولكي لا يستمر الحديث في سجال نظري نرى لزاماً علينا وضع النقاط
على الحروف في بعض ممارسات وأسلوب السلطة مع هذه القضية الوطنية
والتي لا تختلف في جوهرها مع تعامل البعث العراقي مع القضية
الكردية في كردستان العراق على الصعيد السياسي مع الفارق في
التعامل العسكري . فعلى الصعيد السياسي يبدو التعامل متماثلاً على
حد بعيد ويمكن استعراض بعض هذه الأساليب :
1.
غياب أي نوع من أنواع التعامل الرسمي مع القضية الكردية في سوريا
ومع حركتها الوطنية حتى هذه اللحظة، بينما تعاملت السلطات العراقية
مع القضية الكردية رسمياً منذ 1958 رغم الحروب والصراعات الدموية
.
2.
اعتمد البعث العراقي دائماً أسلوب إيجاد البدائل الهزيلة للحركة
الوطنية الديمقراطية في العراق فأنشأ في بغداد الحزب الديمقراطي
الكردستاني كبديل مطروح للحزب الديمقراطي الكردستاني العراق ،
وكذلك عين حاكماً عاماً لمنطقة الحكم الذاتي ( وهو كردي ) ذلك
الحكم الذاتي الموجود في السجلات فقط ، وطبعاً هذا الحاكم كان
عميلاً للبعث .
وفي سوريا نجد نفس السيناريو فقد لجأ البعث إلى البحث عن بدائل
هزيلة للحركة الوطنية الكردية سواء كانت جماعات أو أفراداً ومحاولة
تسويقها بين الشعب الكردي .
ومن تلك الأمثلة الصارخة ( التجمع الديمقراطي ، جماعة مروان الزركي
) والذي رغم كل الدعم الممنوح له قد باء بالفشل ، وبعد فشل تلك
التجربة بدأ الآن بإنعاش بعض بقاياه وفي هذه المرة السيد ( عمر
أوسي ) الذي هو من بقايا تنظيم الزركي والذي يعتبر في أحسن الأحوال
عميلاً رخيصاً وببغاء يردد بأمانة ما تلقنه أسياده من أفراد الأمن
3.
السلطة العراقية كانت تسعى إلى عزل الحركة الوطنية الكردية ولذلك
كانت تستعمل كل السبل في تحقيق ذلك ومن بينها الاعتماد على رؤساء
ورجالات العشائر الكردية ومنحها ألقاباً وأوسمة ورواتب وسيارات
بغية تسخيرهم بالضد من القضية الكردية .
وهنا نجد نفس الممارسة، فالبعث هنا ( يناقض أحد أهم المبادئ التي
نادى بها قبيل وبعد وصوله إلى السلطة وهي محاربة العشائرية
والرجعية والإقطاعية ) ولكن من أجل عزل القضية الكردية في سوريا
وإحداث شرخ في الصف الوطني الكردي نجد أنه يعقد أوثق التحالفات
والصداقات مع من ( كان يفترض أن يكون عدوه حسب مبادئه ) من رؤساء
العشائر و الإقطاعيين والرجعيين ( كما كانت تسميهم سابقاً ) ورغم
احترامنا لكل وجهاء العشائر ومواقعهم الوطنية ، إلا أن هذا السرد
جاء ليس للتهجم على الوجهاء وإنما في سياق الحديث عن أسلوب البعث
وتناقضه مع مبادئه في هذا الموضوع ، لذلك نجده بين فينة وأخرى يدعو
إلى اجتماعات ( تشاورية ) في محافظة الحسكة مع وجهاء العشائر من
قبل ( أمين الفرع والمحافظ والأجهزة الأمنية ) ، لذلك يسعى البعث
السوري إلى التواصل مع رؤساء العشائر بغية عزل الحركة الوطنية
الكردية .
أعتقد أن تلك الأمثلة كافية للحديث عن مدى تشابه عقلية البعث في
سوريا والعراق حينما يكون الموضوع متعلقاً بالمسألة الكردية مع
فارق أساسي يجب الإقرار به هو أن البعث في سوريا لم يلجأ حتى الآن
سوى أحداث آذار إلى أي حل عسكري للمسألة الكردية في سوريا
.
من جهة ثانية وكما ذكرت في البداية كثر الحديث في الأشهر والأسابيع
الأخيرة حول انفراج حقيقي على المسألة الكردية في سوريا ، وقد جاء
العفو الرئاسي الخاص لإطلاق سراح السجناء على خلفية أحداث آذار
2004 ليصبح موضوع الانفراج الشغل الشاغل للناس وإن تحقيقه بات قاب
قوسين أو أدنى حتى أن بعض الساسة الكرد ذهبوا إلى أبعد من ذلك
واعتبروا أن الانفراج حاصل وإن الحل قد أنجز وإن السعي للوصول إلى
نقطة الصفر السياسي استراتيجية لمعظم فصائل الحركة ، بل إنها قد
تكتفي بأقل من ذلك وإن الصفر السياسي صعب المنال والتحقيق في
المنظور القريب والصفر السياسي أعني به إيصال الواقع الكردي ( كشعب
) قبل تطبيق الإجراءات الشوفينية التي تتلخص في
:
.1
إلغاء الإحصاء الاستثنائي في عام 1962 ومعالجة جميع آثاره ونتائجه
وتداعياته والتعويض الكامل على
المتضررين .
. 2
إزالة الحزام العربي العنصري من الجزيرة ، وإعادة الأراضي إلى
أصحابها الحقيقيين والتعويض عنهم عن
كافة سوءات الحرمان من حق استثمار هذه الأراضي
.
.3
إلغاء جميع سياسات التعريب وإعادة الأسماء الكردية للقرى المعربة
.
.4
إعادة جميع المفصولين إلى وظائفهم ومعاهدهم وجامعاتهم التي فصلوا
منها على خلفية ( أسباب
أمنية ) والتعويض عليهم .
إن تحقيق هذه النقاط يوصلنا إلى الصفر السياسي الذي
بعده يكون الحديث عن الحقوق ودرجة تلك
الحقوق .
لذلك نأمل من الساسة الكرد استيعاب هذه الحقائق وعدم المبالغة في
الحديث عن الإنفراج
السياسي إلا بعد تجاوز نقطة الصفر السياسي المعرّف
سابقاً.
زانيار ناسو |