|
الأحداث اللبنانية رغم اختلاف وجهات النظر إليها تبقى خطوة هامة
ومفصلية، لها خصوصياتها المنبثقة من واقع لبنان الخاص تاريخا
وحضارة، ستكون تجربة إعادة الروح إلى شارع قتله الأسياد في هذه
الزمن الذي ظن البعض فيه أنهم يعاصرون سومر أو فينيقيا، لا يختلف
اثنان على حق الشعب اللبناني في أن يقرر مصيره
مثلما
لا يختلف أحد حول حقيقة أن المستهدف هو سوريا نظاما ودولة وحكومة
لما تشكلها من حالة عدم توافق مع العصر والحضارة في مرحلتها
الراهنة، لا بل أنها في حالة تضاد،
وهذه تشكل خطوة هامة أخرى على طريق تنفيذ المشروع الأمريكي للشرق
الأوسط الذي بدا بالعراق.
واستهداف سوريا متعدد الأهداف والأسباب مثلما سيكون متعدد النتائج
يحركها
المصالح
والمخططات والبرامج
الأمريكية والأوربية
لا رغبات تحرير لبنان،
وأعتقد أن سوريا بسياساتها الراهنة القديمة أساسا تمنح كل المبررات
والذرائع للتدخل
الذي
لن
يتوقف
عند حد،
حتى أن
التنازلات المقدمة ربما تؤخر سرعة التداعيات، لكنها لن توقفها،
في ظل زيادة المطالب الدولية بالإسراع في إجراء التحولات وعدم
تخفيف الضغوطات عنها، كما جاءت في مطالب الاتحاد الأوربي ورغباته.
سوريا أمام مهمات معقدة ومؤجلة كثيرا ولفترات طويلة، تراكمت خلالها
السلبيات لدرجة خنقت معها المجتمع كله،
وخلقت
حالة من التوتر بين السلطة والجماهير لم تتمكن جهود الإعلام
المتملق والمزيف ولا الضغط الاستخباراتي من إزالته،
كما خلقت شرخا بين سوريا والعالم عبر عنه فولفوفيتز بقوله لا مشكلة
بيننا وبين سوريا، فالمشكلة تكمن بين سوريا والمجتمع الدولي، بين
سوريا والعصر،
فغدا أشبه بقنبلة موقوتة قد تنفجر في أية لحظة، خصوصا إن حركها
صاعق خارجي يملك القوة والنفوذ .
الضغط على سوريا لن يتوقف عند الانسحاب من لبنان،
أو كف يدها عن التدخل
في العراق، والابتعاد
عن الوضع الفلسطيني وإعلان مساندة جهود السلام لا بل حتى المشاركة
فيها.
لان المشكلة مختلفة وتتمحور في مسائل جذرية هامة تتعلق بحقيقة
النظام السوري وفلسفته وطبيعته
الشمولية
والاستبدادية والأمنية،
وسياساته في المنطقة بشكل خاص،
ودون الإسهاب لا بد من التركيز على
نقطتين أساسيتين:
أولاهما: طبيعة النظام السوري الشمولي المستند إلى الحزب
الواحد، لدرجة اعتماده دستوريا من خلال المادة الثامنة من
الدستور التي تنص على أن حزب البعث هو الحزب القائد للدولة
والمجتمع، وما تجره هذه الطبيعة خلفها من غياب النفس
الديمقراطي وانعدام امكانية التغيير والانغلاق
حتى الغرق في دوامة الشعارات القومية الشوفينية
وإنكار المجتمع برمته،
لتغدو
الدولة ومن ثم الحزب
الممثل أصلا برئيسه ومجموعات متطفلة قليلة
مالكة
المجتمع نفسه، فهذه النظرة الشمولية وما تبعتها من تدابير لحمايتها
وتطبيقها استنادا لآليات غير ديمقراطية، تحطم كل إمكانيات التطور
الداخلي أو التداول السلمي للسلطة و التغيير الديمقراطي، لأنها
تعرقل ديناميكيات المجتمع وتقتل
إرادته،
وهو في هذا الإطار يكاد يكون نسخة
قابلة للمقارنة مع
النظام العراقي.
وثانيهما:
استمرار سوريا في المراهنة على دورها الإقليمي العربي والقومي
لأسباب عديدة ربما أهمها حرف الأنظار عن الداخل، والصراع في أماكن
بديلة لاكتساب الوقت والزمن والجهد وحماية الجبهة الداخلية بهذا
الشكل، و لا تألوا جهدا في هذا الإطار،
متناسية
أن العالم لم يعد يتحمل هذه التحالفات والتحركات غير المقدسة
والبعيدة عن روح العصر جوهريا، لأن أطراف هذه التحالفات هي أساسا
متناقضة مع العصر
وتهدف إلى الحفاظ على الوضع الراهن الذي يؤمن لها أن تصول وتجول
كما يحلو لها.
الضغوطات ستزداد وستتنوع لسد المنافذ أمام المناورات السورية
المحتملة، لتكون النتيجة النهائية إحداث تغييرات شاملة في الساحة
السورية والنظام السوري، وتقليص لا بل إزالة دوره الإقليمي، تمهيدا
للدخول في تنفيذ مشروع الشرق الأوسط الكبير، الذي لن تنفع معه
الصلابة السورية لاعتبارات كثيرة جدا، وله فقط أن يراهن على قوة
جبهته الداخلية وتماسكها وانسجامها، وكل محاولة أخرى قد تؤزم الوضع
اكثر وتكون الضريبة اكبر.
الرئيس السوري أعلن تفهمه للوضع الدولي واختلافه عن صدام وأنه
سينسجم وسيتعامل بإيجابية وانفتاح مع الواقع الدولي الراهن، لكن
والحقيقة تقال أن هذا النظام لا يمكنه أن يقوم بتطبيق هذه التعهدات
ما دام يصر على نفسه، ويتبجح بحقيقته المتخلفة أصلا، وهنا سؤال
كبير وحياتي يطرح نفسه، هل بإمكان النظام أن يغير نفسه بهذا الحجم
وهو الذي ورث التسلط والنظام الأمني وانعدام الديمقراطية وقهر
الشعب بعربه وأكراده وأقلياته ونفذ المجازر في كل المستويات وأنكر
حتى مجرد وجود مشكلة جادة، وخدع نفسه في محاولة لخداع الآخرين
بالشعارات القومية تحت يافطة التصدي للمؤامرات الدولية
والصهيونية؟.
أهم الأوراق الداخلية التي تؤرق سوريا لأنها أهملتها بشكل غير
معقول لا بل حاولت قتلها بالإنكار، والتي ستتحول إلى جوكر فاعل في
سياق تطور الأحداث، هي الورقة الكردية بلا منازع، خصوصا أن تجربة
العراق والوضع الكردي هناك, وانعكاساته على الساحة الكردية
السورية. تشكل عوامل ثقة وتحفيز لتعامل القوى الدولية مع الكرد،
مثلما تدفع الكرد وتشوقهم للتعامل مع الأحداث من نفس المنطلق، وكان
لسان حالهم يقول آن الأوان لوضع نهاية لآلامنا وإنكارنا وموتنا،
ومن هنا تبرز المشكلة الأكثر جدية للكرد ولسوريا معا، وتتجلى
أبعادها في أن الحركة الكردية إذا افتقرت إلى الحلول الديمقراطية،
ستتحول إلى مصيدة تضر بنفسها وبالشعوب التي تعيش معها، وهذه تتحمل
مسؤوليتها سوريا بأنظمتها المتعاقبة المصرة على التجاهل وإنكار
الحقائق حتى الآن، وكأنها لا تزال تمني النفس بزوال الكرد أو
قبولهم بالانحلال كليا، من هذا المنطلق فالكرد حقيقة تحمل مزدوجة
هامة، إما أن تحل قضيتهم ديمقراطيا فيكونوا قوة تساند بقية فئات
الشعب، في موقع طبيعي كان الكرد يختارونه دائما لكنهم لم ينالوا
منه إلا المزيد من الضغط والإنكار، خصوصا أن حل القضية الكردية في
سوريا تعني بالأساس أحداث أهم تحول ديمقراطي راديكالي بعيد عن
القومية الشوفينية، ومتناسب إلى حد كبير مع المعايير والقيم
الكونية، وهذه تحتاج إلى جرأة وطاقة ومنطق يتفاعل مع العصر
بإيجابية، ولا أقول هذا تهديدا بل سردا لواقع معاش وتحليلا للأحداث
والمتغيرات المتسارعة على الساحة بعد تقييم وإدراك حقيقة القوى
المتواجدة على الساحة سواء الدولة والسلطة أو الجماهير الكردية.
أو سيتحولون مكرهين إلى الجبهة الأخرى وحينها ستتطور مواقف قومية
ضيقة من كل الاتجاهات ولن تتحمل مسؤوليتها إلا النظام الذي يصر على
تجاهل مطالب الشعب في الحرية والديمقراطية.
الموقف الكردي هو الأهم تعنيه كل المراهنات على سوريا، فالكرد في
الساحة السورية يعيشون مرحلة تاريخية هامة سيطبعوا بها مستقبلهم
سلبا أو إيجابا، أي انهم أمام امتحان تاريخي سيؤكدون من خلاله حقهم
في الحياة الكريمة بعد كل المعاناة والحرمان، إنه الامتحان الصعب
بكل معنى الكلمة، وعليهم
الإجابة عن الأسئلة التالية بردود على مستوى المسؤولية مدركين
إنها لحظة اتخاذ القرار التاريخي:
-
ما هو رأي الحركة الكردية في سوريا من تطورات الوضع ؟ وهل تدرك
أنها وصلت إلى مفترق الطرق وأنه عليها أن تختار إما الطريق
الذي سينتهي إلى الهاوية، أو المسيرة التي ستودي بها وبالشعب
السوري إلى عالم أكثر تطورا وانسجاما مع العصر؟
-
ماهي استعداداتها لهذه المرحلة والمرحلة القادمة، وما هي
مخططاتها ؟وهل يمكن الحديث عن حركة كردية قادرة على مواكبة
أحداث هامة وخطرة بهذا الحجم خصوصا بعد أن أعلنت هي فشلها في
التعامل مع انتفاضة وأحداث آذار بدرجة لم يتفق أطرافها على
تسميتها بعد ؟.
-
هل هي قادرة على أن تتحرك باستقلالية تملك المبادرة اللازمة
التي تمكنها من اتخاذ موقف سليم وحر ومستقل خصوصا أن معظمها
تشكل امتدادات سياسية وإيديولوجية وحتى تنظيمية للقوى الكردية
الأخرى في اجزاء كردستان ربما ستمنعها من القرار المستقل تحت
مسميات عدة تظل كلها مهما كانت الشعارات نتاج مؤثرات غير
طبيعية في الساحة الكردية السورية، وان كنت أصلا من أنصار وجود
سياسة كردية قومية واستراتيجية واضحة على كل الساحة
الكردستانية ؟.
الكرد قوة طليعية في احداث التحولات الديمقراطية هل يعني هذا
موضوعيا أن تكون طليعية في تعاملها وتعاونها مع القوى الدولية
المؤثرة في الساحة والضاغطة على سوريا بهذا المستوى أو ذاك لإجراء
التحولات؟. كيف لها أن تكون مواقفها إذاً من التطورات؟، وهل يجب أن
يتحول دورها التحولي الطليعي الى سياسة عملية يومية ليقوم الكرد
بدور البادئ والقائد عمليا لهذا التعيير خصوصا ونحن ندرك المشاحنات
القومية والصراعات المتعددة الوجه المتداخلة والمعقدة ، وما قد
تسببها مداخلات كهذه من تداعيات مستقبلية على تعايش الكرد مع شعوب
المنطقة في المستقبل ؟ وهل للكرد ان يتحولوا إلى رأس حربة في هذا
الصراع لخدمة الآخرين؟. أم أن عليهم التصرف بعقلانية وبشكل عملي و
براغماتية تفهم الأحداث وتقيسها من كل الجوانب وتدرك أننا في
النهاية شعوب شرق أوسطية سنعيش معا مستقبلا طويلا، دون الإفراط
بآمال شعبنا التواق اكثر من غيره إلى الحرية لأنه لم ينعم بها إلا
نادرا ؟.
تتكاثر الأسئلة وتتعدد وقد تخلق في كثير من الأحيان شبهات كثيرة،
وترددا من التدخل والمشاركة، لكننا مجبرون على المشاركة في كتابة
التاريخ، أو سنترك هذا العالم وحلبة الصراع فيه لنرضى بما رسمه لنا
الآخرون حتى لو كانوا أعداءنا.
على الكرد وحركته بكل أطيافها أن تتحرك، وأعتقد أن لا خلاف هنا،
لكن المشكلة تكمن في أسلوب وكيفية التحرك وتحديد المسارات وما اكثر
الاختلافات في هذا الإطار، نتيجة لمؤثرات كثيرة جدا بدءا من أسلوب
ومستوى التعامل مع قوى الدولة مرورا بتأثيرات العلاقات الكردستانية
وانتهاء بالعلاقات الكردية الكردية في سوريا نفسها...
لست بصدد البحث في أسباب ونتائج الوضع السياسي الكردي قط، لكنها
لحظة تاريخية هامة جدا قد لا تتكرر. يجب أن نستخدمها بحرفية ودراية
وعلمية ودقة، وهذا يستوجب الدقة والحذر والتضحية والتفكير الوطني
والقومي والديمقراطي الاستراتيجي والبعيد الأمد، البعد عن المساحات
والنظرة الحزبية الضيقة الأفق...
لا بد للحركة الكردية في سوريا مع إدراك جدية الأمر أن تتوجه نحو
الاتفاق على حدود ولو دنيا من خطة عمل شاملة، تنظم نفسها بدقة وقوة
على كافة المستويات، وتنظم الجماهير وتسلحها بهذا الوعي الاستثنائي
للمرحلة، وتبني تحالفاتها على كل المستويات وتطورها عمقا واتساعا
لخدمة المرحلة، وأن تتمكن من نيل الدعم الكردستاني من كل الأجزاء
لخدمة هذا الجزء الذي لم يبخل يوما بالتضحية من أجل كل أجزاء
كردستان وله الحق في أن يطلب ذلك جهاراً لأنه قدم كل التضحيات.
وعلى الحركة الكردية أن لا تنسى أن الشعب الكردي سيعيش في النهاية
مع الشعب العربي وشعوب المنطقة، وهذا ما يفرض عليها البعد عن
المنطق القومي التعصبي والقومي البدائي، الذي يخلق متضادات يصعب
التخلص منها وتتنافى أصلا مع المعايير الديمقراطية التي يجب أن
تستند إليها الحركة الكردية، فالمنطق الديمقراطي الذي سيفرضه الكرد
لا بد وأن يكون حاجزاً أمام المنطق الشوفيني للقومية السائدة.
إن ساحة الحرب والصراع ملأً بالمؤامرات وأظن أن تاريخ الحركات
الكردية بما فيها انتفاضة آذار تؤكد رغبة القوى الدولية الدائمة في
استخدام الكرد كراس حربة لخدمة مصالحها، لا أقصد أن الانتفاضة كانت
من خلق الدول العظمى لكن ليس خافيا على أحد محاولات أمريكا لتاجيج
الصراع في البداية ومن ثم تخليها حتى عن دعم المعتقلين فيما بعد.
لذا لا بد من الدقة والحذر كي لا نحول شعبنا إلى رأس حربة في هذا
الصراع ليس جبنا وإنما دراية بالأمور والمتغيرات لأن ذلك قد يستنزف
قوانا وتتحول الأمور لصالح قوى أخرى، قد تكون غير لائقة أصلا، أو
بشكل أوضح قد تدفع هذه القوى بالشعب الكردي إلى الصراع ليتسنى لها
جني الثمار، من هنا لا بد من اتخاذ التدابير بخطة عمل مدروسة تمكن
الكرد والحركة الكردية من أن تجني ثمار جهودها بنفسها، ولا تتحول
لخدمة قوى أخرى قد تكون معادية لتطلعات شعبنا
أتمنى أن تكون المنظمات الكردية في سوريا وعموم كردستان على مستوى
المسؤولية في التعامل مع المستقبل القريب القادم دون بد. ربما
تجارب التاريخ السابقة غير مطمئنة، إلا أن حجم الماسة وعظمة القيم
الإنسانية، ورغبة شعبنا الأكيدة في الحرية قد تفعل فعلها، وإلا لن
ينجوا حدا من لعنة الشعب والتاريخ .
انتبهوا فالتغيرات بدأت والامتحان بدأ ولن يجني أحد إلا ما زرع .
زردشت
صابر
12\3\2005 |