|
بدات مرحلة الحسابات على نتاجات احتفالات النوروز, وطبيعي جدا
ان تعمد القوى السياسية الى استخدامها كاداة لاهداف متنوعة ,لكن
ظهر الكثير منها بعيدا عن التناول الموضوعي الذي يحدد معالم الحدث
ارتباطا بالزمان والمكان مما عرقل ويعرقل التقييم السليم المستند
الى الحقيقة بكل ابعادها وجوانبها ,فيؤجل الحل او يوجهه في
طريق خاطئ ,لا شك ان الاحتفالات تختلف في مضامينها واشكالها من
مكان لاخر بين الشعب الكردي وفي كردستان , فلا يمكن مقارنة ما يجري
في ايران مع ما يجري في تركيا باعياد النوروز ,لانها تجري على
ارضيات و خلفيات وباساليب مختلفة ,فبينما تتم في الاولى بشكل شعبي
يكاد يخلو من المضامين السياسية الكردستانية, فان الحال في تركيا
وشمال كردستان يتجه نحو الشكل الانتفاضي المسيس حتى العظم ,لا بل
حتى المحزب الذي يرتكز على استقطاب هائل وشديد ,ولده طبيعة الصراع
الكردي التركي خلال سنوات طويلة , استقطاب كان بين السلطة التركية
من جهة وجماهير الثورة والمتعاطفين مع حزب العمال الكردستاني من
جهة اخرى ,تحول هذا الاستقطاب ليكتسب ابعادا شاملة اكثر بالتفاف كل
الجماهير الكردية التي تملك الحس القومي الكردي بالاضافة الى
الجماهير المسيسة المتعاطفة مع حزب العمال الكردستاني نظرا للغياب
الفعلي لاية قوة سياسية كردية اخرى على هذه الساحة ,والامر في
سوريا يختلف عن الساحتين واكتسب الاحتفال بنوروز اشكاله الخاصة
النابعة من واقعه ,ليكون الحدث جماهيريا واقرب الى التحدي وابراز
المشاعر القومية والوطنية الكردية ,لكنه يمتلك الطابع السياسي
الاشبه بحملة خاصة جدا تكاد تكون انتفاضة سلمية محدودة المعالم
,ليس هذا فحسب انما تبرز فيها الاصطفافات الحزبية ايضا وبمنتهى
الحساسية لدرجة تكاد تكون العامل الادق في وجهة نظر المتعاملين
بالسياسة من نافذة الاحزاب نفسها ,اصطفافات داخلية متعددة المعايير
متاثرة الى حد كبير بعوامل خارجية الى حد ما لكن يغلب عليها في
النهاية طابع خاص ,يمتلك الروعة في التنوع (مع الاحتفاظ بالشك في
كلمة الروعة على تعبيرها عن المراد في هذا الاطار ) لكنه مشهد
يتكرر منذ سنوات وسنوات , كون الاختلافات فيه رقمية لا اكثر ,حتى
بات الامر من هذا المنظور يبعث على الخمول والفتور والملل ,وهو من
الجانب الاخر يخلق مع الشعب حالة من انعدام او على الاقل ضعف الثقة
بقدرة هذه القوى على ادارة الواقع لخلق المستقبل الاجمل .
اللوحة في سوريا هي ,وهذه هي الماساة الحقيقية , تداخل التراجيديا
مع الكوميديا في الواقع الكردي السوري من قبيل شر البلية ما يضحك
,اشبه بلوحات اسماء الاحزاب الكردية لاجزاء كردستان على المواقع
الالكترونية التي جذبت اهتمامي , سوريا اصغر الاجزاء لكنها اكثرها
احزابا (انظروا الى قوائم الاحزاب الكردية في اي موقع تشاء )
بالطبع الكل يسال ومنذ سنوات لماذا ,لكن الا
يتبع ذلك اسئلة اخرى الى متى ؟ وكيف الخلاص؟
دعوا مناقشة اعداد المشاركين حول هذا المسرح العائد لهذا الحزب او
ذاك ,واتركوا ما قيل في الخطابات على هذا المسرح او ذاك جانبا
,اتركوها لنناقش الاهم ونحن الذين لا نزال نعاني من الام رهيبة
,وتجربة احداث اذار العام الماضي اكدت هشاشية الحركة السياسية
الكردية المتحزبة لانها فشلت في التعامل مع الحدث بمسؤولية لا كما
يدعي البعض ولا اعرف من اي منطلق بان الحركة الكردية انتصرت في
تعاملها مع احداث الثاني عشر من اذار ,ربما يقصد به اتفاق ( مجموع
الاحزاب الكردية ) الذي ولد ميتا ولم تدفن جنازته حتى الان ,فالصيغ
الارتجالية فاشلة بالتاكيد ,ولا بد لنا من التزام الجدية والوعي في
تناول واقعنا الفعلي بعيدا عن الدعايات المفرطة في التفاؤل
,ومتجنبين التشاؤم ,لنتمكن من استخدام الاحتفال الكردي هذا بالشكل
الامثل لتوجيه القضية اكثر باتجاه الحل في خضم تطورات جادة يبدو
ان المنطقة حبلى بها وخصوصا سوريا .
توالت الاحداث المهمة التي تحتاج الى دراسة دقيقة لما وراء الستار
,بدءا من الاحداث اللبنانية التي رافقت اغتيال الرئيس الحريري
,كالمظاهرات والاعتصامات المستمرة التي خلقت نوعا من الامل في تحرك
الشباب نحو التاثير على مجريات الاحداث ,ليس هذا فحسب بل تداعيات
الحدث وامتداداته ,و القرار 1559 الذي يمكن ان يفسر على انه يكاد
يكون في بعض جوانبه نسخة عن قرار الامم المتحدة بانشاء لجنة تحقيق
دولية للتفتيش عن اسلحة الدمار الشامل في العراق – خصوصا انه تقرر
انشاء لجنة دولية للتحقيق في مقتل رفيق الحريري ، هذا كله سيتحول
الى سيف ديموقليطيس فوق رقاب سوريا والنظام السوري لتهديده عند
اللزوم واتخاذ الاجراءات التي تراها لازمة لتمرير سياساتها بصدد
المنطقة ,اي انه لا بد من الدقة الكاملة في قراءة هذا القرار
وتداعياته المحتملة وما ستولده من نتائج على الصعيد العام ,و
القيادة السورية تظهر لاول وهلة انها قرات الرسالة الموجهة بشكل
سليم او قريب من السلامة ,ليس فقط من خلال التصريحات التي ادلى بها
الرئيس بشار الاسد بل حتى ما ظهر عمليا يكاد يكون مؤشرا ايجابيا في
هذا الاطار ,كالانسحاب السريع من لبنان , واطلاق سراح سجناء احداث
الثاني عشر من اذار - رغم عدم تضخيمها – يمكن اعتبارها بادرة حسن
نية باتجاه رؤية موضوعية للقضية الكردية, هذه التحركات لا تستمد
اهميتها من حجمها الكبير الذي لا يكفي ابدا وتظل ادنى من المطلوب
بكثير ,بل تستمدها من حقيقة انها خطوة في الاتجاه الصحيح ستكتسب
معانيها اكثر ان تحولت الى نهج شامل ودائم. خصوصا ان القيادة
السورية صرحت ولوحت الى القيام باصلاحات واسعة في كل الاتجاهات عبر
الاعلان عن التعاون الايجابي مع قرارات المجتمع الدولي ورفض
الاسلوب الصدامي (نسبة الى صدام حسين ) في التعامل معها, واشارت
الى تمتعها بالمرونة في التعامل مع العالم المعاصر, وكانها بذلك
تعد بالتغيير , ورغم قناعتنا ان التغيير لن يجري بهذه السهولة لكنه
ليس مستحيلا ابدا , بل ضروريا لان المسارات القديمة وصلت الى
الطريق المسدود, حينها لا بد من القول ان دعم خطى التغيير مهمة
لكل الشعب السوري وقواه الديمقراطية ,ويجب ان لاننسى وان لا نغفل
عن محاولات الاسلام الاصولي الممثل بالاخوان المسلمين في استغلال
الموقف لصالحها ربما لتكرار تجربة العراق في بناء التحالف القومي
الشوفيني مع الاسلام الاصولي ,والدعم بالتاكيد لن يكون بالتطبيل
والتزمير للنظام ابدا ,بل بدفعه اكثر بمختلف السبل للاستمرار
بالتغيير الايجابي ,والكرد في هذا لهم دورهم الاكبر لان قضيتهم هي
القضية الكبرى للديمقراطية في سوريا لتعدد جوانبها ولحساسيتها ,هذا
ويجب ان لا ننسى ان ذلك يلقي على عاتق الكرد مهمات ثقيلة جدا تحتاج
الى اصرار وابداع وحرفنة لا مثيل لها ,فالقضية الكردية في سوريا
خاصة على المستوى السوري مثلما هي على المستوى الكردستاني ,تدخل في
اختلافات مثلما تتشابه وتتداخل مع كل مشاكل المنطقة وقواها في
ثنائيات حساسة جدا .
الحركة الكردية في سوريا باحزابها ومنظماتها وتجمعاتها ونخبها
ومثقفيها امام مهمات صعبة ورائعة ,مهام بمقدار ما هي فرصة تاريخية
,تتمثل في المشاركة الفاعلة في التحول الديمقراطي في سوريا ككل عبر
الوسائل المتاحة ,جنبا الى جنب مع العمل على تامين حقوق الشعب
الكردي المشروعة ,وانطلاقا من مقولة لا يغير الله قوما حتى يغيروا
هم ما بانفسهم , فالكرد معنيون فعلا بتغيير انفسهم كحركة بشكل
ينسجم مع طموحات الشعب الكردي من جهة ,ومع حقائق العصر من جهة اخرى
,لذا فتجاوز المواقف القومية الضيقة والتمتع بنظرة ديمقراطية شاملة
,وتمثيل ذلك في الممارسة العملية اليومية بشكل مبدع شرط لا بد منه
,حتى لتتجاوز الحركة واقعها الراهن الذي لم يعد قادرا بمفرداته على
تقديم الاداء المطلوب .
لقد تاكد للكل عمليا انه لا يمكن لاحد الغاء الاخر او تهميشه ,حتى
الدولة لم تنجح في ذلك ,لكن بنفس الحجم تدرك الجماهير والقوى نفسها
انها غير قادرة على تحقيق المهام بهذا الوضع ,اي لا بد من التغيير
–هذه الكلمة التي يجب الاصرار عليها حتى تتحقق – لابد ان تتحرر
الحركة وتتخلص من كلاسيكيتها ,برنامجا وشكلا تنظيميا وممارسة عملية
,وهو ما يحتاج الى تضافر الجهود لتحقيق ولادة جديدة ,لا اريد
التهجم على الاحزاب لكن الحقيقة تقول انها بحاجة لتغيرات جدية ,
عليها ان تتخلص من الدوران في الحلقة المغلقة لتنطلق وتبدع ,وعليها
ان تدرك ان التغيرات والتحولات بما فيها مسالة التحالفات لها من
حيث القوة تاثيرات المتواليات الهندسية وليست مجرد عملية حسابية
وعددية فقط , واعتقد هنا وبغض النظر عن اسماء الاحزاب وهوياتها, لا
بد من التفاعل مع دعوات الحوار البناء المنتج بايجابية ,مهما كانت
مستوياتها حتى اذا دعت الى الوحدة ام اكتفت بالاتفاق حول نقطة
محورية ,ليس هذا فحسب لانه من الضروري ايجاد الصيغة البديلة للواقع
المعاش ,مع الاشارة الى تجارب ايجابية داخل الوطن وخارجه – وان
كانت محدودة - .
من هنا فان مهمة النخب المثقفة ان صحت التسمية ليست الابتعاد عن
الواقع ,ولا حتى الاكتفاء بموقف المساهم السلبي او الناقد فقط ,بل
ان تتحول الى قوة ضغط باتجاه دفع كل اجزاء الحركة نحو التضامن ,عبر
غرس عقلية جديدة من خلال ما يمكن تشبيهه بثورة تنوير حقيقية ,باتت
شروطها متوفرة الى حد ما بالنسبة للكرد من خلال ما حققته الحركة
الكردية عموما في كل اجزاء كردستان ,وعلى هذه الطبقة ان لا تستهين
بقواها وتدرك امكانية نجاحها في التصدي لهذه المهمة ,بعد ان تتخلص
من منطقها الاناني المنتشر في صفوف ابناء الشرق .
بقي ان نقول في هذا الاطار المهام صعبة لكنها قابلة للتحقيق في ظل
الاجواء الراهنة ان تمكنا من التعامل مع المعطيات بمسؤولية جادة ,
وها هم الكرد يؤكدون انه ما من قيامة تقوم ان هم قادوا دولا ,حتى
الايرانيون الذين كانوا يتهمون الطالباني بكل شيء وحتى الاتراك
كانوا من المهنئين الاوائل لهذا الوضع رغم انه ينطبق عليهم في هذا
الاطار المثل الشعبي (مكره اخاك لا بطل) لكننا لنتاولها نحن الكرد
هذه المرة بحسن نية ,وقد اكد الكرد انهم يستحقون الحرية وجديرون
بها ,دعوة صريحة الى كل اصحاب الضمائر الوطنية الحية ,الى مضافرة
الجهود لتطوير الضغط الفعال والموجه على كل الفعاليات والقوى
المختلفة الممثلة للشعب لدفعها الى مافيه خير البلاد والعباد .
زردشت صابر
|