|
بدات سوريا تاخذ موقع الصدارة في جدول اهتمامات العالم ,لانها باتت
الهدف رقم واحد للمتابعة والمراقبة الشاملة ,تتسلط عليها المجاهر
وتتوالى التهديدات التي تكاد تكتم الانفاس ,ليس هذا فحسب بل ان
المتتبع لما يدور ويقال عن سوريا داخليا وخارجيا لا يصعب عليه ان
يشم رائحة اشبه بما كانت تفوح من الوضع العراقي في اخر ايام النظام
العراقي السابق قبيل التدخل الامريكي ,وان
كانت الطبخة تطبخ على نار اكثر هدوءا ,ربما نتيجة لما افرزه الوضع
العراقي والتجربة العراقية ,او لانها ربما اكثر راحة واطمئنانا في
التعامل مع الملف السوري .
في اخر ايام النظام العراقي العتيد بدأ الحديث عن صفقات جادة
مختلفة الاطراف والاهداف ,نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر عرض
اللجوء السياسي لصدام وعائلته والحفاظ على حياتهم في احدى الدول
مقابل ترك السلطة ,وكذلك منح فرصة ثمانية اشهر للنظام العراقي تقوم
خلاله امريكا والنظام معا بتهيئة الاجواء لنقل السلطة من صدام عبر
انتخابات مبرمجة سلفا , او تهيئة الظروف لاستقالة صدام مع التعهد
بعدم محاسبته وافراد عائلته حتى ان ارادوا البقاء في العراق
.
طبعا هذا ما كان يعلن عنه على وسائل الاعلام المختلفة ,قد يبدو
الامر مجرد حكايات حتى الان لكن المتتبع للشان السوري يمكنه ان يجد
اشياء مشابهة حول سوريا ايضا ,اذ يجري الحديث عن عودة رفعت الاسد
كبديل جاهز ,مثلما يجري الحديث عن صفقات معينة بين امريكا والقيادة
السورية حول ضرورة التضحية بقائمة مكونة من اثني عشر شخصا من
رجالات الاجهزة الامنية والحرس القديم , او
عرض تامين حياة بعض رجالات الحرس القديم في الخارج ان هم تخلوا عن
تمسكهم بالسلطة ,كما يجري الحديث عن صراعات جادة داخل المؤسسة
الحاكمة حيث يرفض البعض قبول ما تعرضوا ويتعرضون له من ممارسات من
اطراف اخرى في السلطة ,والسيناريوهات تزداد والمستقبل كفيل
بزيادتها اكثر .
بالتاكيد ان وضع الرئيس السوري يختلف عن وضع صدام لان الكثيرين
ينتظرون قدرته على التغيير باعتباره الشاب المنفتح اوربيا والمتعلم
والمثقف والذي يدرك تغيرات العصر .لكن الكل يتساءل بحق عن قدرته
على احداث التغيير وليس عن رغبته وكأن رغبته اكيدة ,اصحاب مثل هذا
الراي وهم كثر ينطلقون من خلفية الرئيس السوري وثقافته وشبابه
,ويجب ان لا ننسى ان التشكيك بقدراته ايضا تنبع من هذه النقاط
بالذات ,وهنا تتركز نقاط القوة والضعف معا
.
الوضع مرشح للالتهاب ولا بد ان تحصل تغيرات جادة ,لكن الاحتمالات
يمكن جمعها في سيناريوهات عديدة اهمها:
أولاّ :ان تنغلق السلطة السورية في اطارها القوموي الشمولي ,وتفشل
رغبات التغيير في تحقيق اية نتائج ايجابية تذكر ,فتصر على النهج
السابق ,محاولة تجاوز الازمة الراهنة ببعض الرتوشات والعمليات
التجميلية البسيطة التي تظن انها ستذر بها الرماد في العيون وبذلك
ستؤجل التغيير الى مرحلة تالية ,وكانها بذلك تكون قد انقذت يومها
,انسجاما مع المواقف الروتينية لاصحاب السلطات في مثل هذه الأوضاع
التي تفرض عليهم رغما عنهم ولا يستطيعون مواجهتها برفض كامل
فيريدون الالتفاف على الامر ,حينها ستكون النتائج هي الاكثر بشاعة
على ارض الواقع ,وعلى سوريا انذاك ان تدرك ان ملفاتها المطروحة على
طاولات العمليات الامريكية والاوربية ليست من البساطة ان تمنحها
امكانية المناورة والتنصل , وستفتح واحدة واحدة ,فالذرائع والحجج
جاهزة ويمكن ان تزداد اكثر وقد تفتح ملفات جديدة بشكل ساخن شخصية
وحكومية وعامة ليس بامكان سوريا ولا كل العرب ان يغلقوها حتى ان
ارادوا ذلك , هذا الموقف بمقدار ما سيطور من اصرار القوى الخارجية
على التدخل فانه سيخلق وضعا داخليا سلبيا على افضل تقدير من النظام
وستبتعد الجماهير الشعبية عن الدفاع ان لم تقع في مواقف اخرى داعمة
للتدخل الخارجي بعد ان تفقد امل التغيير الداخلي وهي التي عانت من
ممارسات السلطة كل شيء حتى اختنقت ,ليس هذا فحسب بل ان هذه اللوحة
ستهيء الارضية المثالية لتحريض القوى الداخلية ضد الدولة لخلق
ذريعة ساخنة للتدخل تحت شعارات معروفة من الديمقراطية الى حقوق
الانسان .يجب ان لا نتصور قط ان عدم نجاح امريكا في تحقيق
الاستقرار في العراق وافغانستان سيردعها عن التدخل في سوريا ,فهذه
الكلمات خداع للنفس سمعناها كثيرا قبل التدخل الامريكي في العراق
ايضا ,ويجب ان لا ننسى ان النظرية الامريكية في هذا الاطار لايهمها
خلق الاستقرار في البلد المعني خلال فترات قصيرة ,بل يهمها ان تخلط
الاوراق وفق نظرية الفوضى الاختلاقية ,اذلم يكن وضع افغانستان
مستقرا عندما هاجمت امريكا العراق ولا يزال كذلك حتى الان ,خصوصا
ان الموقف الاسرائيلي المباشر سيكون مختلفا هذه المرة عما كان عليه
في احتلال العراق .
ثانيا : ان تنقسم السلطات الحاكمة على نفسها كفرقاء بين تيارين
متصارعين لا يحسم احدهما الموقف تجاه الاخر ,حينها سيتطور الصراع
الداخلي الذي سيكشف اوراقا وملفات جديدة ,ونظرا للبنية الشمولية
فان صراعا بهذا الشكل سيكون مدمرا للسلطة كلها وسينجح في هذا
الصراع قوى التغيير ان تمكنت من قراءة صحيحة للتوازنات الداخلية
والخارجية ورغبات هذه القوى واتجاهاتها ,لكن قد يتجاوز الصراع هذا
الاطار ليصل الى الجيش والدوائر الامنية التي تشكل القوى الحقيقية
التي تستند اليها الدولة السورية الحديثة ,والتي تضم في صفوفها كل
العناصر القوية في السلطة ومن كل الاتجاهين ان امنا فعلا بوجود
اتجاه تغييري حقيقي داخل السلطة وهو ما تؤكده كل الدراسات الجارية
,ربما ان محاولات التغيير في هذه الاجهزة لم تصل الى مستوى انقاذها
تماما من الحرس القديم وتاثيراته وارتباطاته ,هذا سيخلق بالتاكيد
فوضى من نوع اخر توازي ما ذكرناه اولا او تزيد ,الصراع داخل
المكونات الاساسية للدولة سيقوضها ,وسيمهد السبيل امام اصطفافات
واستقطابات داخلية خطرة الى حد ما لكنها رغم الخسائر ستهيء ارضية
التغيير من خلال ما سيصيب القوى التسلطية الراغبة بالحفاظ على
الوضع الراهن بعد المعركة الداخلية من ضعف ,حينها ستتمكن القوى
الديمقراطية الشعبية من الانطلاق بعد تحررها من القوى المتسلطة
.
ثالثا :ان تتمكن قوى التغيير من فرض نفسها بقواها ,وتقرر السلطة
نفسها القيام باصلاحات شاملة وجادة, مستفيدة من الرغبات الداخلية
للجماهير الشعبية في التغيير وكذلك من ضغط القوى الخارجية في هذا
الاتجاه, للقضاء على الحرس القديم وشل تاثيره وقتل دوره في استمرار
وبقاء ودعم النظام القديم بكل ممارساته المعهودة, لكن ذلك يحتاج
بالتاكيد الى تحضيرات جادة تؤمن القوة الفعلية للمجددين او
المصلحين, مثلما تمنع القوة عن المحافظين او الحرس القديم وفق
العبير الخاص بسوريا ,هذا الحل بالتاكيد سيلقى الدعم الداخلي
والخارجي ان تحرك بصدق وجراة ,لانه يمثل مصالح البلد الحقيقية ,لكن
يتبادر الى الذهن السؤال التالي هل ان راس الهرم في السلطة السورية
يمتلك هذه العقلية ويمتلك قدرة المواجهة والجرأة في التطبيق ؟ هل
ان من يسمي نفسه تيارا مجددا يملك جديه القرار وصلابته ومستعد
لتقديم التضحية في هذا الاطار حتى وان كان على حساب تقليص سلطاته
حيث سيحص في النظام الديمقراطي وهو الذي ورث السلطة والبلد كله
فكان حاكما مطلقا لسنوات ,لانه يعني جوهريا تحولا اشيه بالثورة
الديمقراطية ,
اجوبة كثيرة تتوقعها مختلف القوى باختلاف مواقعها ووجهات نظرها
تندرج من الاشد تشاؤما الى الاكثر تفاؤلا وكلها جديرة بالاهتمام
,والقوى التي تدعي التغيير والتجديد ,وتدعي انها تعرف كيف تتعامل
مع المعطيات الدولية وانها لن تكون ذات مواقف صدامية ,هي المكلفة
والمعنية بالاجابة عن كل التساؤلات قبل الجميع ,ويجب ان لا ننسى ان
هناك تركة تقيلة من التراكمات الايديولوجية والتسلطية والشمولية
تمنع المرء من ان يتفاءل بتغيير حقيقي مرن ينطلق من داخل النظام
نفسه ,فصلابة النظام الى حد فقدان المرونة تدفع المرء ان لا يتفاءل
بقدوم حلول سهلة, فهل يمكن انجاح ثورة داخلية ان صح التعبير في
بنية النظام السوري تتجاوز مجرد اصلاحات بسيطة او شكلية نحو تغيير
جذري راديكالي شامل يتناول بنية النظام والدولة ككل ؟ بالتاكيد
انتظار ذلك في واقع سوريا سيكون افراطا في التفاؤل لا مبرر له
احيانا وقد يدفع الانسان الى الغفلة .
يجب ان لا ندخل دائرة الحتميات ونقول ان سوريا مجبرة على التغيير
لذا ستتغير دون شك ,ماذا لو لم تتغير ؟ ما اكثر من لم يتغير في
تاريخ البشرية وضحى بنفسه وشعبه في اتون معركة خاسرة مع العصر
,فنيرون احرق روما ولم يغير نفسه ,بالطبع لا بد من دعم التغيير
الداخلي الذاتي ودفع عملية التغيير بكل السبل والوسائل الى الامام
,لكن ودون الدخول في اتهامات فان الحركة الديمقراطية في سوريا
مهمشة لاسباب كثيرة لسنا بصددها لدرجة انها ليست قادرة لاعلى
مساندة التغيير بشكل جدي ولا بالضغط على القوى الاساسية في هذه
العملية لفرض التغيير ,وهنا تكمن احدى اهم مشاكل سوريا التي خنقت
قواها الذاتية ,فتكون الاحزاب والحركات والمنظمات الديمقراطية بما
فيها منظمات المجتمع المدني ,والحركة السياسية الكردية مدعوة
للتحضير لهذه المرحلة بتاكيد مواقفها واتمام جاهزيتها اكثر من حزب
البعث كيلا تبقى دون بديل عندما تحين الساعة ,وحقيقة لا يمكن قط
فهم اللامبالاة في هذا الاطار وكانها غير معنية بالامر او انها
تختار الانتظار في افضل الاحوال .
اذا هناك مشكلة جادة تتمثل في ان كل السناريوهات ترتكز على فرضية
وجود قوة تغييرية جادة في بنية السلطة السورية ,ولا تراهن على اية
قوة جماهيرية منظمة تقوم او تكون مؤهلة للقيام بدور الطليعة ,اي ان
البديل الديمقراطي المهيا غير موجود ,وهذا ما يعقد القضية اكثر
,وان كانت المستجدات ستخلق معها بدائلها .
سيناريوهات عديدة يمكن رسمها لتطور الاحداث ,لكنها جميعا ستؤدي الى
تحولات جادة ,ويبدو ان اوامر التاريخ بالتغيير قد صدرت ,لا اقصد
هنا اوامر امريكا واوروبا بل رغبات وطموحات وامال وحق الشعب السوري
في الوصول الى العصر ,لكن شكله واسلوبه وجرعته ستحددها القوى
الفاعلة في الساحة ,وستكون الكلمة الاخيرة للحرية والديمقراطية
والقيم الانسانية الكونية .
زردشت صابر
18
نيسان / 2005 |