|
العنف يلعب دور مولدة المجتمع الجديد "، إنها المقولة الماركسية
المعبرة عن
منطق كل الفلسفات التي استندت وتستند إلى العنف
كأداة في حل المشاكل والاشكالات التي
تعترضها، بدءاً من الأنظمة الفاشية وانتهاءاً بالاشتراكية. ولم تنج
منها حركات التحرر الاجتماعي والوطني على
حد سواء, التي غلَّفتها بأغلفة برَّاقة،
وتحت مسميات عدة، أبرزها "العنف الثوري ". واعتبرته الوسيلة
الناجعة الوحيدة في مواجهة العنف الرجعي.
فكان هذا الطرح أو الشعار تعبيراً مطاطياً يُفسَّر وفق
رغبات مؤدلجة, نست أو تناست, جهلت أو تجاهلت، أن
كل مشاكل العالم الأساسية تنبع من العنف
المتجاوز حدود " الدفاع المشروع ". وأنه لا يمكن حل المشاكل بنفس
الوسيلة التي أدت إلى ظهورها، إلا في حال إن
اقتدينا بالأقوال البدائية وتصرفنا على
غرار، أو وفق مبدأ " وداوها بالتي كانت هي الداء ". فخدعت تلك
الحركات نفسها باختلاف التسميات المختلقة
التي ابتدعها للعنف، بعد أن أجرت لها عمليات
تجميل ذات منحى طبقي فظ_ بدأ يغادر عالمنا بعد ان
كان سيده _ في كلتا الجبهتين الرأسمالية
والاشتراكية
.يؤكد علم الاجتماع الحديث – الذي
يعاني رغم تطوره في
الآونة الأخيرة من تخلف كبير بالمقارنة مع
ما حققته العلوم الأخرى – أنه ما من حقيقة
اجتماعية مجتمعية يمكن أن تخلق وتحقق
استمراريتها بالعنف. ولا يمكن للعنف إلا أن
يلعب دوراً مؤثراً بعيداً عن الحسم, رغم
أنه كثيراً ما يعقِّد الأمور أكثر في
دوامات ثنائيات العنف والعنف المضاد. وفق
ما سلف، فإن المجموعات البشرية التي تشكل
أشكالاً ومراحل مختلفة التطور لحقيقة مجتمعية
واحدة، تتشابه إلى حد كبير. إذ لا
يمكن الفصل بين العائلة والقبيلة والحزب والدولة
بأسوار أشبه بسور الصين, على
العكس من ذلك، فالحزب عائلة كبيرة، والدولة تعادل
حزباً وصل إلى السلطة، ونظم
نفسه. لأن المنطق الذي تستند إليها كل هذه
المؤسسات، هو منطق طبقي يعتمد البنية
الهرمية بأشكالها الممكنة المنسجمة مع عصرها،
والهادفة للوصول إلى السلطة.
من هنا، فإن كل الحركات التي هدفت إلى الوصول
الى السلطة
كأسلوب أساسي لحل المشاكل السياسية
الاقتصادية، وقعت في نفس الدوامة_بهذا القدر
أو ذاك_ سواء كانت حركات
تحرر وطنية أو اجتماعية اشتراكية. لأنها تضع نفسها في
موقع القوى الحاكمة، أو
تجد نفسها بديلاً عنها, فتتجه _ مهما اختلفت منابعها
الطبقية_ إلى نفس الموقع
البعيد عن الديمقراطية.
رغم ادعاء حزب العمال
الكردستاني: إنه تجاوز الاشتراكية المشيدة
وكلاسيكية حركات التحرر الوطني, ونقد
ممارساتها وأساليبها بشدة، إلا أنه في الحقيقة لم
يتخلص من تلك النزعات
والمفاهيم, التي عانى منها أحيانا أكثر من الحركات
الأخرى، نظراً لفارق الزمن
والمتغيرات العالمية، وإذا بالحسبان حجم الاهتزازات
والانعطافات الحادة التي
مازال يتعرض لها.
بناء حزب طبقي، بهيكلية هرمية مركزية, يقود
حركة تحرر وطنية،
تهدف علناً أو
سراً إلى بناء دولة مستقلة, يستلم
فيها الحكم والسلطة, ويتخذ من
العنف أساساً لتحقيق
أهدافه، من خلال استراتيجية الحرب الشعبية طويلة الأمد,
وبناء الأدوات اللازمة
لممارسة هذا العنف، كقوات تحرير كردستان أو جيش
التحرير الشعبي الكردستاني, هذه
كانت انطلاقة الحركة الآبوجية التي احتوت بداخلها
مفارقة هامة تمثَّلت في
تبنيها لـ"الثورية العنفية" التقليدية التي كانت تحتضر،
في نهاية القرن العشرين.
فحققت إنجازات كثيرة, لكنها من الجانب الآخر، لم تنسجم
مع ملامح ومعطيات القرن
الحادي والعشرين بمنطلقاته وبراديغمائياته الجديدة التي
بدأت تظهر على السطح في
نهاية القرن العشرين. فعانت هذه الحركة الكثير من
الأزمات,
ولعل أهمها، تحولها إلى تكرار ذاتها،
في الكثير من جوانبها، ما دفع
قائد الحركة لأن يطلق
عليها " عصيان كردي " رغم اختلافاته الكثيرة مع العصيانات
القديمة.
فمن غير المعقول القبول بأن تتسلح حركة تهدف
على الحرية والديمقراطية،
والتخلص من الظلم والقهر
والتسلط، بمنطق القوى المتسلطة. واعتقد بأن هذا ما
وقعت فيه الماركسية
اللينينية، وكل الحركات التي سارت على نفس النهج. لأنها في_
أفضل
الأحوال_ شكلَّت دولاً غابت فيها وعنها مقاييس
الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان, بتأثير
"دكتاتورية البروليتاريا". فكيف يمكن للدولة، بوصفها المؤسسة
التي رسَّخت الاستغلال والاضطهاد، أن تتحول إلى
أداة للحرية والقيم الإنسانية؟!. وهذا ما
ادعاه كل الثوريين "الماركسيين", في حين أن العلوم
الاجتماعية الحديثة تؤكد خلاف ذلك.
هذا لا يعني بالطبع معاداة وجود الدولة كشكل
تنظيمي، وفي مرحلة معينة، بشكل فج, إنما أقصد هنا
أن البراديغمائيات كانت تملك مفارقات
عجيبة, من حيث تتهم وتدين الدولة، وتحاول بناء أخرى!؟، وكأن الفرق
بين الحالتين كبير جداً.
الحزب السياسي، بمفهومه الكلاسيكي كمصطلح،
يرتبط تماماً
بمفهوم السلطة والحكم. ويزداد
الأمر حدةً وسوءاً وتعقيداً ووضوحاً، عندما يتمُّ
تبني ممارسة العنف كأسلوب
أساسي ووحيد للوصول إلى أهدافه, باستثناء الدفاع
المشروع. لذا، فكل
التنظيمات المتفقة أو المتشابهة في هذا الإطار، عانت وتعاني
من نفس أمراض الدولة، وإن
بمستويات متباينة ومتفاوتة، قد تزداد هنا، لتنقص
هناك. وهذا ما ساد القرن
العشرين وقبله, ولا يمكن إلقاء اللوم على أحد في ذلك
,لان المستوى العلمي
والاكتشافات التاريخية وقتها، كانت تسمح بهذا
القدر من المعرفة, خصوصا في
موضوعات الدولة والسلطة والحزب, وأهميتها التي رأى
فيها الاشتراكيون، إنها أداة
مناسبة لتحقيق الحرية والديمقراطية. بالرغم من ان
ماركس ولينين أشارا في أكثر
من مكان، إلى ضرورة زوال الدولة، وتطوير
الديمقراطية .هذه
التجربة أو المفارقة الآنفة، دخلتها الحركة الآبوجية من أوسع
أبوابها، وبشكل أكثر
عمقاً تجاوز الكثير من الحركات الثورية التي سبقتها والتي عاصرتها
في العالم. حققت من خلاله الكثير مما يمكن تحقيقه
بهذا الأسلوب الذي لم يعد قابلاً للنجاح
أصلاً. بعد أن كان عصر ثورات التحرر الوطني قد انتهى, أو أنها
شارفت على ذلك، أو كانت في المرحلة الانتقالية في أفضل الاحتمالات.
ونظراً لامتداد الحركة الآبوجية السريع
والواسع، انتظمت لتأخذ شكل دولة، فقد عانت من
الأمراضها عينها التي كانت تنتقدها في الشكل
التقليدي للدولة, والتي كادت مرات عديدة أن
تقضي عليها. ونظراً لخصوصيات الوضع الكردستاني المعرض لحرب إبادة
وإنكار شاملة, أعتقد كان ضرورياً استخدام العنف
كسبيل وحيد للدفاع المشروع عن النفس. وهنا،
حققت هذه الحركة تطورات وإنجازات لا بأس بها. لكنها أمعنت في
استخدامه إلى درجة التقديس والتأليه، فكانت
المصائب داخلياً على المستوى الايديولوجي
والسياسي والتنظيمي, وخارجياً على المستوى الكردستاني والعالمي
.وشعارات :" كل شيء من أجل الحرب "
و" يجب خلق مجتمع مقاتل "( على الرغم أن
مفهوم الشعب المقاتل مفهوم قبلي عشائري متوارث.
لأن العشيرة وحدها تقاتل بكل أفرادها،
بينما المجتمعات الحديثة، فتقاتل بالجيوش الحديثة)، وهذا ما يفسر
حجم سيطرة العنف في ذهنية الحركة، والتي
كثيراً ما اشتكى منها قائد الحركة نفسه،
ووصف ذلك" بالعنف الأعمى " و"العقدة الكأداء". فانصهرت أو خضعت كل
مؤسسات الحركة، بما فيها الحزب الذي أنيط
به مهمة القيام بدور التوجيه الفكري
والايديولوجي كدور قيادي طليعي للمؤسسة المكلفة باستخدام العنف، في
دوامة العنف. أي المؤسسة العسكرية التي
انتظمت كقوات تحرير كردستان أو جيش التحرير
الشعبي الكردستاني. فتوجهت الحركة نحو عسكرة أسلوب التنظيم والعمل
والإدارة، وهنا مكمن معاناة الحركة وطامتها
الكبرى باعتقادي.
وهنا لا بدَّ من الإشارة
إلى دور العنف _ للالتباس _ بالإشارة إلى ضرورته
ونجاعته وعدم التهرب منه، إذا
كان فقط في إطار الدفاع المشروع. إلا أن تأليهه
واستخدامه دون ضابط أو بشكل
يتجاوز حدود الدفاع المشروع، فهو الجنون بحد ذاته,
الذي سبب الكوارث والمآسي
لهذه الحركة. وليس سراً إن قلنا: إن العنف تحوَّل
إلى حالة يقينية أو إيمان. وأن الحرب
الوطنية تحوَّلت إلى ما هو أقدس من الوطن، كتعاطي
السلفيين مع فريضة الجهاد
وتقديسها أكثر من الإسلام نفسه، إن صحَّ التعبير.
في الحركة الآبوجية,
تسلط المنطق الدوغمائي بشدة, وتطورت
الحرب بشكل عشوائي
"سرطاني" دون ضابط أو ناظم يمنه تجاوزها
حدود الدفاع المشروع بكثير. واتجهت على نحو
آخر، يتناقض مع الأهداف التي بدأت على
أساسها. لكن، لنكن منصفين بالقول: إن ما
دفع بالحركة في هذا الاتجاه هي مجموعة
عوامل موضوعية وذاتية, أبقت مفاهيم العصر
المتغيرة ثابتة، وحوَّلتها إلى يقينيات
راسخة لحركات التحرر الوطنية والاجتماعية.
في رأس قائمة أسباب التوجه الذي اختيار
العنف منهجاً، والحرب الشعبية طويلة الامد
وسيلة أساسية للتحرير. على الرغم من التصريحات
الكثيرة حول أولوية الأسلوب
السياسي في حل المشكلة الكردية القائمة:
1. أن هذا الأسلوب كان قد حقق نوعا
من" النجاح " في بلدان كثيرة من جهة.
2. الواقع الكردستاني الذي كان
يعاني من تسلط وظلم
رهيب تمثَّل في حروب الانكار والابادة على
مرأى ومسمع العالم الذي صمت، صمت القبور
الذي منح الحركة حق استخدام العنف على أساس
حق الشعب في الدفاع المشروع عن نفسه.
3. إصرار الدولة على استخدام العنف
السافر بممارسات يعرفها كل
الناس وسط تجاهل دولي لما
يجري، دفع بالشعب أيضاً إلى الانخراط في دائرة العنف
كأسلوب وقائي.
4. رفض الدول المعنية وضع أية ضوابط
أو قبول أية حلول معقولة
لحل القضية الكردية بطرق
سلمية. كل هذه الأمور دفعت بالحركة الآبوجية إلى
الانغماس في العنف والحرب,
حتى وصلت الأمور لدرجة فقدان السيطرة عليها. فاتجهت
الحرب نحو مناح كادت أن
تنهي الحركة، وكبدتها خسائر فادحة على المستوى
الايديولوجي والسياسي
والتنظيمي والكادري والشعبي الجماهيري .
استخدام العنف
للدفاع عن الشعب ضد حرب الإبادة والإنكار التي
كانت تشنها الدولة التركية،
يعتبر دفاعاً مشروعاً. ولهذا، حققت هذه الحركة
انتصارات خاطفة وسريعة ومتلاحقة
زادت من وزنها السياسي واستقطابها الجماهيري في
زمن قياسي. لكن، زيادة الجرعة
العنفية والغرق في دوامة العنف لأسباب كثيرة، هو
الذي استنزف الحركة على نطاق
واسع. وتسبب في الحاق الأذى بالحركة والشعب معاً.
وهنا لا بدَّ من القول:
إن
البنية الاجتماعية التي استندت إليها الحركة
الآبوجية – pkk بما
تعانيه من حقيقة
اجتماعية ثقافية سياسية، لعبت دوراً هائلا في جموح العنف ضمنها
بهذا الشكل المخيف المريب. ممارسة
العنف لعب دوراً إيجابياً حتى بداية التسعينات, وبدأ يدخل مرحلة
التكرار والدوران في
حلقة مفرغة من العنف والعنف المضاد, مستندة إلى اتهامات كل
طرف _ الكردي والتركي _ للآخر في أنه السبب في
اندلاع العنف واستمراره. وهنا، كان العنف
الجنوني والذي تمسك به الطرفان، وأصرا فيه اسلوباً للخلاص أو
التخلص من الآخر. رغم بعض المحاولات غير
الجريئة والخجولة والفجة أحياناً التي لوحت من
الجانبين لوضع نهاية لهذه الحرب، بطرح بعض
المبادرات السلمية، كمبادرات السيد
أوجلان المتكررة التي أتت بعد مبادرة
الرئيس التركي الراحل تورغوت أوزال. وذلك
بطرح بعض الحلول السياسية لحل القضية الكردية في
تركيا. وبدأت الأمراض تستفحل في جسد الحركة
الآبوجية على كل الجبهات. وانتشرت الأوبئة الفكرية والسياسية
المعطلة لأية نقلة نوعية توَّد الحركة إجراءها، في
كل الاتجاهات. فغابت الكثير من الحقائق،
لتحل محلها "مبادئ" جديدة لا علاقة لها بالحرية والديمقراطية،
وتطور الحرب. باختصار، فقد اختزلت المؤسسات كافة
السياسية والايديولوجية والإعلامية عملياً
في منظمة الحركة العنفية. وبالتالي، ضياع بوصلة التوجه
السياسي الأساسي. وتطور المؤسسات بشكل كبير, أنعش
في النفس والشخصية الكردية المعروفة
حقيقتها وغرائزها التسلطية والقمعية. ونظرا ًلتخلفها، فقد ظهرت
بأكثر الأشكال فظاعة وهولاً. فتطورت أمراض
السلطة والدولة, وانعكست على العلاقات
الرفاقية ضمن صفوف الحركة. فظهرت المؤامرات الدنيئة التي راح
ضحيتها أفضل أبناء هذا الشعب بذرائع واهية.
وانعدمت الديمقراطية وحرية الراي، تحت ستار الوحدة، تغذيها نظرية
المؤامرة. وطال هذا التدهور والتخبط الجماهير الشعبية، فظهرت
عمليات الكونترا – التصفية، والتآمر ضد الشعب وصلت
في بعض الأحيان إلى حدود قمع الشعب باسم
الشعب. وظهر أغاوات الحرب وتجار الحروب، ضمن الحركة الآبوجية،
بالإضافة إلى تيارات منحرفة عصاباتية لا علاقة لها
بالمبادئ والقيم السامية التي تأسست عليها
هذه الحركة. واستمر العنف الجنوني فاعلاً مسيطراً في هذا
البناء الهرمي بامتياز, في وقت لم يعد أحد يفكر
بالتغيير الذي يطرحه قائد الحركة ويلح عليه
باستمرار، وحتى اللحظة.
العنف المجنون الأعمى, المستند إلى
مؤسسات قوية، التي تستنفر لها كل المؤسسات
الأخرى، وبل تتبارى في تقديم الولاء
لها، لدرجة اختصرت أو اختزلت الحركة
الآبوجية في مؤسستها العسكرية فقط.
وبالتالي، فقد تطورت البنية الهرمية
والنظام الهرمي لها
بشكل معقد استناداً لهذا التوجه العنفي.
والأنكى من ذلك، هو تبرير هذه التوجهات من
قبل المسؤولين على أنها ضرورة حياتية,
وفرضها على قواعد الحركة وكوادرها التي غدت
مسلوبة الإرادة في هذا النظام. فتحوَّلت
الكوادر تلقائياً وبشكل ميكانيكي إلى
الترويج لهذا المنطق، كأبرز أشكال اغترابها
عن ذاتها، وإن تحملت الإدارة أو القيادة
العليا المناطة بها إدارة الحركة قبل وبعد اعتقال
السيد أوجلان، مسؤولية هذا
التغريب. ففتحت هذه القيادة الأبواب على مصارعها
أمام الأخطاء الفظيعة تجاه
الشعب، علاوة على التي ارتكبت داخل التنظيم. فبدات
العلاقات الرفاقية تتداعى
لتصل إلى تصفية من يرى فيهم المسؤول خطراً، وبأكثر
الأشكال انحطاطاً وفظاعةً
وجهلاً. ما أدى إلى تفشَّي مرض إلقاء التهم المجانية
كالخيانة والعمالة أو
التخابر مع جهة أجنبية معادية، بين شرائح لا بأس بها من
الحركة. وأخذ الصراع
على السلطة يأخذ أبعاداً أخرى خطرة مستندة إلى
لعبة التوازنات والسياسات
الداخلية التي اختلفت أشكالها بين مرحلة ما قبل
اعتقال السيد أوجلان وبعدها.
فبعد أن كانت مستندة إلى تحقيق توازن
وهمي مصطنع ومزعوم مع
السيد أوجلان، بدأت بعد اعتقاله تسير نحو
تحقيق توازنات بين كتل مختلفة، بداعي أو
بحجة مجابهة الخطر الأكبر المزعوم القادم
من الكوادر التي ترفض هذا المنطق جوهرياً.
وما عقَّد الأمور أكثر، إن السلطة
الاوليغارشية المتحكمة بالحركة، وبدلاً من
أن تعود إلى رشدها، وتغيّر من ممارساتها,
تصورت_ وفق منطقها السلطوي _ أن الخلل
يكمن في ضعف المركزية والانضباط ـ. لذا، رأت ضرورة
تقوية البنية الهرمية
التسلسلية بكل السبل والوسائل, فهي التي في يدها
مقاليد الأمور, فكانت
المصيبة والكارثة التي
أهم معالمها وتجلياتها هي فقدان الإرادة الحرة
للكوادر التي كانت الحركة
تدعوا على خلقها وتفعيلها، لأنها تحطمت أو حُطِمَت
بأساليب مختلفة.
فقدان الثقة بالمستقبل, تطور الانغلاق, انتشار
الوصولية بأشكال خطيرة
مستندة إلى التوازنات
المشابهة بما يجري في حكومات شمولية توافقية مكونة من قوى
مختلفة الاتجاهات. فحب
المناصب, ضعف العلاقات التنظيمية الجوهرية التي كانت
تتميز بها هذه الحركة عن
غيرها، لدرجة ظهور نوع من العداء غير الضمني، وبأشكال
تنظيمية بين قسم من
الكوادر، وبالآليات التنظيمية الخانقة التي يقودها أزلام
هذه التوازنات، هو المسؤول
عن ظهور انهيار معايير الحياة الآبوجية القائمة على
نكران الذات والإخلاص والتضحية الواعية...الخ. مما
أتاح المجال لانتشار روح اللامبالة إزاء ما
يجري ضمن الحركة وخارجها من تطورات، من قبل كوادرها. فنمت وانتعشت
ثقافة الأرابسكقدرية اليائسة المُيئَّسة, حتى أوصلت بالبعض إلى حد
التهكم بمبادئ وقيم الحركة التي دفعته للانضمام
إليها. ابتعاد
القاعدة عن
القمة، وابتعاد الحركة عن الجماهير, فضلاً عن الصراع على
القمة, هو الذي وصل في
نماذج منه إلى اتحاد الكثير من الإداريين على أساس
توازنات مختلقة باتجاه
تهديدات الكوادر القاعدة الضعيفة أصلاً. مما خلق هوَّة
كبيرة بين قائد الحركة
وإدارتها من جهة، وبين الإدارة والكوادر من جهة أخرى.
وتطورت هذه الحالة لحد
ظهور محاولات تقسيمية, لولا التزام قسم كبير من
الكوادر وارتباط بالقيم
المعنوية_" الوطن، الشهداء، قائد الحركة"_ وإن على
أسس إقطاعية أو ريفية. لولا
ذلك، لنجحت هذه المحاولات وأدت إلى انقسام جدي
وحاد في الحركة الآبوجية منذ
أمد. وتطورت وازادات عمليات ترك الحركة أو الفرار
من بين صفوفها_ كمَّاً
ونوعاً_ كنوع من الهروب من هذا الواقع الكارثي،
نتيجة انعدام الحل لديها.
أما على الصعيد الجماهيري والشعبي،
فإن العنف توجَّه نحو الشعب
أيضاً, وممارسات "الكونترا
– كريلا" خير دليل على ذلك. وتحوَّلت قطاعات كبيرة
من الجماهير الكردية في
تركيا إلى الجبهة المضادة، نتيجة منطق تحكمي تسلطي
يستند إلى استخدام العنف
"الثوري " ضد الشعب لإعادته إلى جادة الصواب التي اتجه
نحوها بسبب عنف الدولة
الممارس ضدها. طبعاً، وفق زعم الكثير من قيادات الحركة.
لكن،
"أغاوات الحرب الصغار" ضمن الحركة, ظنوا أنه
بالعنف وحده يمكن كسب الجماهير،
فحولوا الحركة إلى فعل منعكس مقلَّد للدولة
الاستبدادية التي ناهضوها وحاربوها.
فاغتالت وقتلت وتآمرت على
الشعب. وكانت النتائج واضحة
ووخيمة, وصلت إلى درجة
غياب المتعاطفين والمؤيدين للحركة،
وتخليهم عن خنادقهم،
وتحولهم إلى الجبهة المعادية المضادة
للحركة، في الكثير من المناطق التي كانت
مركز ثقل للحركة.
وهنا لا بدَّ من الإشارة إلى أن
الدولة التركية كانت تراقب
هذه الأمور عن كثب.
وأدلت بدلوها في تأجيج وتأزيم الوضع أكثر, عبر
مخططات مدروسة
خاصة لذلك. ورفضت أي مسعى سلمي طرحته
الحركة الآبوجية لحل القضية الكردية,
فتأزمت الأوضاع أكثر كما ذكرنا. وبغياب
الحلول, وصلت الأمور هذه إلى ذرورتها مع
اعتقال قائد الحركة
السيد عبد الله أوجلان. فكان ذلك
مؤشرًا لبداية حرب
انتقامية أخطر وأكثر فظاعة وخطورة. وتطورت
عقيدة العنف أو ثقافة العنف في الحركة
الآبوجية لدرجة إحراق مبان بمن فيها،
وإحراق الذات أيضاً. من هنا تاتي
ألمعية السيد أوجلان كقائد
للحركة في بحثه الجاد عن مخرج من المجزرة القادمة،
ومن الحالة التي وصلت إليها
الحركة، والمهددة بإهتراء وتآكل داخلي مزمن قد
يودي بها. وذلك بتوجه السيد
أوجلان إلى سبل ينقذ بها الحركة، ويبعدها شبح
الانهيار، فلا تغدو جزءاً من
التاريخ المأساوي للكرد. واعتقد أن السيد أوجلان
نجح _ إلى حد ما_ في مسعاه
بعدم جعل الحركة الآبوجية: حزب
العمال الكردستاني – pkk
رقماً هامشياًَ يضاف
لقائمة "العصيانات" الانتفاضات الكردية
الكلاسيكية. ومن هذا المنطلق، يمكن
تفسير التفاف كوادر الحركة حول السيد أوجلان حتى
الآن، بأنها تجد فيه جهود
إنقاذها من أزمتها. وهنا بقي أن أشير ألى حقيقة
يجهلها أو يتجاهلها الكثيرون من
مدعي النقد السياسي، وخاصة منهم الذين تطرقوا
لتجربة الحركة الآبوجية "نقداً"،
مفادها، إن حالة اللا حل وتراكم الأخطاء المذكورة
هي التي سببت الفرار والخيانات
المنظمة، وتراجع مستويات الالتزام، وليس العكس.
إنه
منطق السلطة والحكم والدولة من ولَّد كل هذه
الأمور, فاضمحلَّت وانهارت أمامه
القيم والأخلاق الأبوجية الثورية. وبدأت قوانين
اللعبة السياسية والحكم تفرض
نفسها ضمن الأوساط الآبوجية الفاعلة، وتلق بظلالها
على طبيعة العلاقات ضمن
الحركة من جهة، وعلاقات الحركة
بمحيطها من جهة أخرى. ومخطئ من يظن أو ينطلق في
تحليلاته من أن الحركة الأبوجية كانت حركة رهبان
أو دراويش متصوفة جهلة مجذوبين لا حول لهم
ولا قوة, على الرغم من كل ما تقدم، بالعكس تماماً من ذلك. بل إنها
حركة سياسية علمية بامتياز, تشترك في هذا الإطار
عملياً وبفعالية مشهودة ومعروفة، ولازالت
كذلك، مع ما يشبهها من تنظيمات، رغم خصوصياتها المعروفة في
هذا الإطار.
وبالتأكيد، لا يمكن فصل ما جرى في
الحركة عن الأرضية المجتمعية
الكردية، والمحيط الإقليمي
والعالمي التي استند إليها بكل أبعادها، وهي التي
وجهتها بهذا الاتجاه
خصوصاً مع تطور حركات الانضمام غير النوعية وشبه العشوائية
إليها، والمستندة فقط إلى
منطق تطوير العنف, بما فيه قانون التجنيد الإجباري
الذي
سنته الحركة في بداية التسعينات.
فالبنى الفكرية والاجتماعية الموجودة
فيها ، بالإضافة إلى الظورف التي مرت بها،
هي التي فعلت فعلها فيها. وفي أفضل
الأحوال، عملت هذه البنى والظروف، وبشكل
ذاتي وموضوعي، لأن تسيّر هذه الحركة
وفق ثقافاتها. لذا، ظهرت اختلافات سياسية
فكرية جادة، على أسس بنيوية وطبقية
عميقة الجذور ضمنها. وصلت إلى النظرة لتاريخ
المنطقة والشعب، وما يتعلق بتشكل
الإنسان الكردي والشرق أوسطي. فهذه البنى
أبعدت الحركة عن مسارها، وبات من
الصعوبة بمكان التعرف عليها, مما حدا بمؤسس
وقائد الحزب لأن يعلن، وفي مناسبات
عدة عن نيته في الاستقالة من الحزب. ما
يؤكد أن هذه الأخطاء غدت نهجاً متبعاً
للحركة رغماً عنه وعنها. ولم تفد كل
محاولاته في التصدي لها، إلا بشكل جزئي.
ويلخص السيد أوجلان هذه الحالة
المتأزمة بقوله: " ظهرت ممارسات متوحشة مريعة
داخل الحركة، وفي مواقفها من
الشعب. وأن التلاعب بالمبادئ للوصول إلى السلطة
وممارستها ضد الخصوم، لتثبيت
أركان حكمه الذي يخدع بها نفسه, غدا لعبة
المسؤولين الإداريين المفضلة ,دخلوا
فيها دون رادع أو وازع من ضمير ". ليقول في
مكان آخر حول نفس الموضوع: " إن بعض
رفاقنا من الإداريين قد تملكتهم روح فاشية
تجاه رفاقه، وتجاه الشعب. وبعضهم بات
أشبه بالغجري الذي اعدم أباه في اليوم الأول لتنصيبه ملكا ". ليوجز
المشكلة في مكان آخر
بقوله : " إن حركة كهذه، ولدت في أجواء
المجازر، و من هذه البنية الاجتماعية
المتخلفة, سيقوم كوادرها _ إن هي أقحمت في
علاقات القوة والسياسة والسلاح _ بتدمير كل
شيء حتى نفسها. وسيتحولون الى سلاطين صغار
أو كبار وفقاً لأحجامهم. فكان من الطبيعي
أن يتحول الكوادر ذات المنشأ القروي إلى
اغاوات الحرب المتوحشين، ويتحول أنصاف
المثقفين ( ؟ ) إن صحَّ التعبير، إلى
موظفين
متسلطين ومُسلَّطين على رقاب رفاقهم
والشعب. وهو ما يمكن
مشاهدته بدءاً من اللجنة المركزية وباتجاه
الأسفل نحو القواعد ".طبعاً،
دون فهم ذلك، لا يمكن فهم وتحليل الأحداث التي جرت بشكل سليم, سواء
ما يخصُّ منها بالحرب
والدولة والسلطة، أو امتداداتها في العنف الداخلي المتعدد
الاتجاهات, المخالف والمعادي للنهج الأساسي
للحركة وجوهرها. وشكلت هذه الحالة معاناة
حقيقية جدية متفشية ومنتشرة أكثر من وباء ضمن الحركة الآبوجية.
بالمحصلة أو النتيجة، دفعت الحركة إلى حافة الانهيار والإفلاس.
أعتقد أن
تحليل الوقائع من هذه الزاوية، او وفق هذا
الاتجاه، هو أكثر دقة وتفصيل
وموضوعية ومسؤولية من التحليلات المستندة إلى ذكر
وقائع فردية، أو أخذ مجرد بعض
أحداث بانتقائية وبنية مبيتة. لأن الأسلوب الأخير
لا يوضح السبب الأساسي
المتمثل في المنطق الذي خلق الممارسات التي يجري
التحدث عنها، وكثرة الضحايا،
وما حدث من تجاوزات لا علاقة لها بالهدف الأساسي
للحركة, ولا بطبيعتها وجوهرها.
ويمكن اعتبارها نتاج المنطق المستند
إلى السلطة والتددول. وكما يقول
احد الفلاسفة: " كل الفنون
تصنع آثاراً وأعمالاً جميلة. لكن، فن الساسة، قد
يخلق متوحشين.
".ربما إن قلنا: إن فن الساسة
المستندة إلى مبادئ التددول، ولعبة
السلطة، كفيلة أحياناً
لخلق وحوش الحرب والسياسة، قد يكون أصح وأشمل وأدق
تعبيراً.
وإن عرَّجنا قليلاً على واقع وتجارب الأطراف
الأخرى في الحركة الكردية،
وربما قد يكون أفضل لو
قسمناها في هذا الإطار إلى قسمين، دون اعتبار ذلك
تصنيفات أيديولوجية, ودون
التمسك بها، لأننا فقط نهدف من وراء ذلك الإيضاح، لا
غير. فالأحزاب
الكردية الرئيسة أو الكبيرة_ إن شئنا تسميتها_ أو لنحددها بأسمائها
الصريحة، ربما كان أفضل، لتحاشي الدخول في نقاشات
غير مقصودة أو متقصِّدة.
فالحزب الديمقراطي الكردستاني،
والحركة البرزانية، بالإضافة إلى الاتحاد الوطني
الكردستاني. الأول، وفي مرحلة سابقة, عانى من كل
ما عانته الحركة الآبوجية. وبل بجرعات أشد
وأكثر خطورة. لأن بنيتها الاجتماعية والكادرية كانت أكثر تخلفاً
وبدائية. لاعتمادها على بنى عشائرية متخلفة،
انعكست سلباً إلى داخل التنظيم
كنوع من الإماراتية القبلية، بدل
التحول الدولتي، كون الحزب هو نموذج مصغر
للدولة التي يود الحزب تأسيسها. وعاشت وعششت
بداخلها كل الأعيب الإقطاعية العشائرية.
ولست الآن بمعرض البحث فيها، بقدر ما أود الإشارة إلى أنها عانت
وتعاني وستعاني من هذه الأمراض ما دامت مستمرة في
منطقها اللاديمقراطي، مهما كان اسمها
ديمقراطياً وإعلامها يروج لديمقراطية الحزب الديمقراطي "أصلاً
وفعلاً". والمتتبع أو الباحث لتاريخ هذه الحركات
يمكنه أن يرى، إن حجم هذه الممارسات يفوق
ما ظهر في الحركة الآبوجية بعشرات الأضعاف، وبما فيه الاحتراب
والاقتتال الداخلي الحزبي، والكردي
الكردي، وصولاً إلى أمراض السلطة والتسلط
داخل الحزب. ومراجعة عامة لملفات "باراستن
– parastin ، وزانياري –
zanyari "(
تنظيمات الاستخبارات الحزبية ) سيتضح له حجم
الوحشية والمؤامرات والتصفيات الداخلية
الموجودة فيها. أي، إن حجم ومدى فظاعة العنف الموجه داخلياً في هذه
التنظيمات. أما الأحزاب الأخرى، فعانت بمقدار
تحولها إلى قوى فعلية على أرض الواقع.
لكنها، من حيث النزعات والمفاهيم، فهي تمتلك كل البذور التي ستولد
هذه الظواهر. لأنها تستند إلى نفس المنطق
في تعريفه للحزب ودوره في المجتمع. أي أن
غياب مشاكل كهذه، وبهذا القدر من الحدة الشدة العنفية
حالياً_قياساً بماضيها_
غير ناجم من كونها محصنة ضد هذه
الأساليب فكرياً وأيديولوجياً. بل لأنها لم تصل
بعد إلى الحجم الذي يمكنها من الدخول في لعبة
القوة والسلطة من بابها الأوسع.
لكنها_ أي الأحزاب الصغيرة_ رغم ذلك
فلها ما تعانيه من تسلط الأشخاص والأفراد
الذين حولوها إلى أدوات أو حجارة نرد أو شطرنج في
لعبة التوازنات الكردستانية والإقليمية،
لصالح هذا الطرف أو ذاك, ما أدى إلى بقائها ولسنوات طويلة في نفس
الحجم، وتلعب نفس الدور. ودائرة وذائبة في فلك
القوة الكردستانية الكبرى، تقدم فروض
الطاعة والولاء لهذا الطرف أو ذاك، ما فقدها شخصيتها وخصوصيتها على
عتبة القوى الكبرى، فأضحت أشباح أو أشباه
أحزاب. وظهر في
أمثلة كثيرة وحالات عدة,
ما يثبت بوضح عمق المشكلة النابعة من
أنها لم تتخلص بعد من
هذه المفاهيم, وجل همها أن تكبر لتقول
للاحزاب الأخرى ما معناه :
"قم، لأقعد مكانك".
الحركة
الآبوجية بهذا الشكل، وصلت إلى وضع مهدد وخطر.
وبات التغيير والإصلاح حاجة
ذاتية داخلية ضرورية ملحة، مثلما هو ضرورة دولية
تفرضها معطيات عصر الثورة العلمية التقنية،
وانتصار الديمقراطية. لكن، ليس سرَّاً إن قلنا: إن هذا
التاريخ الممتد إلى عشرات السنوات من العنف،
والبنية المجتمعية لكوادر هذه الحركة،
والمناخ الذي ظهر للكوادر خلال هذه السنوات، تشكل عراقيل جادة أمام
التغيير والإصلاح الذي يطالب بها زعيم الحركة
رفاقه وحركته. فإن ظهرت شخصية تعاني من
نواقص تقف حجر عثرة في طريق تحولها، حتى إن توفرت نوايا التغيير،
فها
ليس كافياً. فقضية الإصلاح بحاجة
ذهنية وعقلية دناميكية حيوية منفتحة إلى جانب
الإرادة والنية الجماعية ضمن هذه الحركة.
أعتقد أن أهم الأسباب الكامنة وراء
الممانعة الواضحة في الحركة الآبوجية
لدمقرطة أو عملية الإصلاح الأوجلاني لها،
يمكن في العقلية المتصلبة الدوغمائية
ذات الجذور التاريخية الكردية منها والشرق
أوسطية التي روتها سنوات العنف
الأعمى، ودوامات العنف والعنف المضاد, وتوجه
الحركة "التصوفي" الأشبه بالأصولية السياسية نحو
ممارسة العنف. و
أما خوف الإدارة
من أن التغييرات قد تطال مواقعها، فلا تتوانى في الدفاع
عنها، بعد إيجاد المبررات
الواهية التي تقنع بها نفسها فقط، وصلت إلى حد إعلان
البعض منها "اننا
محافظون بدراية ", وأنه علينا في هذه المرحلة أن نكون
محافظين لحماية قيمنا، رغم
إصرار قائد الحركة نفسه على إن التغيير وحده كفيل
بحماية قيم الحركة ومثلها,
هذا الخوف الدائم والمزعزم غالباً من الخارج، كان
يضخم من قلبهم كأداة
رادعة لمنع التغييرات والإصلاحات التي يطالب بها
السيد أوجلان، بحجة الظروف
الاستثنائية، والمخاطر الخارجية المحدقة بالحركة.
كما إن غياب الإرادة الحرة
الفاعلة للكوادر، نتيجة سنوات طويلة من البنية
الهرمية المعقدة التي جعلت من
محاولاتها التعييرية_ في أفضل الأحوال_ باهتة، لا
تكتسب أبعاداً جادة, وتقمع
بسهولة، إن أصرَّت. ومن الضرورة والأهمية بمكان ان
نشير إلى وجود هجمة شاملة
كانت ومازلت موجهة ضد الحركة الأبوجية، بغية
إنهائها وإزالتها من الوجود، من
منطلقات متعددة المنابع والأسباب. هذه الهجمة لم
تكن تسمح للحركة أن تلتقط
أنفاسها بعد تخلصها من موجة لتواجه أخرى، كي تعمل
على إيجاد الحلول المناسبة
لإشكالاتها وأزماتها. ويجب أن لا ننسى أن حرب
الإبادة لا زالت مستمرة, وهذا ما
يولد الحاجة إلى الدفاع المشروع عن النفس،
والاحتفاظ بأدوات العنف، وحتى
ممارسته، في هذا الإطار. لأن القضية الكردية لم
تدخل بعد في إطار أو طور الحل
السلمي الأكيد. وهذا ناتج تعنت الدولة التركية،
وتجاهل الأطراف الدولية الأخرى
ذات الصلة. لكن الأهم من كل ما سبق باعتقادي، هو
انه لا مناص أمام هذه الحركة
من التغيير والإصلاح، ولا يجوز تأجيل التحولات
التنظيمية والسياسية المنسجمة مع
الفهم الجديد للبراديغمائيات الجديدة لفترة زمنية
أخرى، قد لا تكون في صالح
الحركة. لأنها تشكل الخطوة الأهم نحو الحل. وفي
هذا الإطار، تظهر أهمية
الالتزام بالقيم الوجدانية والاخلاقية المعاصرة,
وتلاقحها مع قيم الحركة
الآبوجية، على أساس متين ممتلك لإرادة التغيير،
يمكن أن نصطلح عليه:
بـ"الانقلاب الثوري العصري في العقلية والوجدان الأبوجي".فالتغيير
بات حاجة لا تقبل
التأجيل حتى إن كانت بعض القوى ضمن هذه الحركة التي
ادعت وزعمت بأنها "تطالب
بالتغيير" قد استغلتها لتوجهاتها الانقسامية
الاستسلامية. ووظفت شعار
المطالبة بالتغيير كنوع من تقليعات الموضا أو الترف
السياسي أو الفنتازيا
السياسية. أعتقد
أن ممانعة او تأجيل الإصلاح والتغيير قد أدى إلى بعثرة دول
كبيرة وعملاقة كالاتحاد
السوفياتي. ولنتذكر دائما أنه مع الاحتفاظ بالقديم كله،
لا يمكن بناء
الجديد.
فالعلة تكمن في الفكر والذهنية المستندة إلى
منطق تقديس
العنف والدولة والسلطة والحزب, وليس في
مجرد أشخاص يقفون حجر عثرة أمام التغيير.
ولا أظن أن تفسرها أحداث بعينها.
وما أود قوله هما: إن النقد يجب
ان ينطلق من تحديد جذور المشكلة وأسبابها, لا
أن يركز على ذكر النتائج فقط.
لأننها حينها سنتحول من ممارسة النقد
ضمن دائرة العقل، إلى
توجيه الاتهامات والإدانات ضمن دائرة
العاطفة. فالنقد باعتقادي، قضية علمية
حقوقية وأخلاقية. واظن
أن حل أغلب المشاكل يمرُّ من خلال التخلص من
هذه العقلية، وبالاعتماد على
شعار "ديمقراطية أكثر، تعني تدول أقل
"
13 ايار 2005
|