30.10.04
هناك
علاقة جدلية وتكاملية بين الفرد والمجتمع عبر التاريخ, فهذين
المصطلحين يمكنهما أن يكمل بعضهما البعض إذا تم الاقتراب الصحيح
منهما, ويمكن أن يضعفا بعضهما البعض إذا تم الاقتراب الخاطئ منهما.
فالتعريف الصحيح لهما وتبيان دور كل منهما بشكل صحيح له أهمية
قصوى. إذا لم يعرف الفرد سبب انضمامه إلى المجتمع، وماذا يمكنه أن
يقوم به من واجبات ضمن هذا المجتمع أو أي مواقع يشغله ضمنها، لا
يستطيع أن يصبح صاحب دور منتج ومثمر فيها وبدلا من أن يحمل أعباءها
يصبح عبأ عليها، وربما يتحول إلى فرد متطفل ومستهلك على كاهل
المجتمع ويعيش على قيمه وبالتالي يصبح كابحا يعرقل تقدم وتطور
المجتمع بشكل مباشر أو غير مباشر. ليس فقط كابحا بل يعمل على تفتيت
المجتمع وتخريبه بمختلف الأشكال والأساليب. هذا من جانب ومن جانب
أخر إذا كان المجتمع لا يدرك قيمة الفرد المنضم إليه وبأنه بدون
الأفراد لا يمكنه تحقيق أي شيء، ولا معنى لوجوده وما هي واجباته
تجاه الفرد بصدد حرياته وحقوقه من جميع الصعد الحياتية والتنموية
والاجتماعية والثقافية الخ.، وبان المجتمع يتنور ويتطور بالأفراد
المتنورين والمتطورين فإنه سيقترب من الفرد بعادات وتقاليد مجحفة
دون مراعاة كل هذه الأمور، والحقائق وبمجرد كونه مسنن فقط لا غير
إلى درجة نسيانه وتهميشه وربط كل شيء بذاته كونه منبع التطور
والتقدم، وهذا ما سيفتح الطريق أمام فساد الفرد رويدا رويدا. بدلا
من ان يكمل الفرد المجتمع ويصبح فعالا في تطوره يتحول إلى مسنن
تعرقل هذا التطور وذلك بإبداء الضيق والضجر والحس بالظل والضعف و
الحبس لحرياته، وهذا ما يثير لديه روح التمرد والعصيان في وجه
المجتمع.
فنظرة عابرة إلى التاريخ يمكن إدراك هذه الحقيقة. إن أول ثورة
اجتماعية في التاريخ كانت ثورة اجتماعية الفرد ولكن بعدها وعند فرض
المجتمع لتقاليده وعاداته وبأسماء مختلفة محاولا سجن حرية الفرد
يبدأ الفرد بالعصيان والثورة في وجهه إما بالهروب منه أو بالتنظيم
ضده، والعمل على إفساده وتخريبه. أي أن الفرد الذي كان يرى في
المجتمع أحلامه وارتباطه بها كان يصل إلى درجة العشق يبدأ بخيبة
الأمل عندما ينقلب القبعة ويظهر القرعة.
إن الأزمات التاريخية وحتى أزمة الحضارات كلها مرتبطة بالدرجة
الأولى في الاقتراب الصحيح من هذه المعادلة. الحضارات العبودية
والإقطاعية والرأسمالية والاشتراكية المشيدة بأزماتها التي عاشتها
تبرهن على ذلك. فمن قام بحل الصحيح لهذه المعادلة نجح وحقق
التطورات والتقدم ومن لم يستطيع الحل الصحيح عاش الأزمات والفساد
والعصيان والانهيار.
هذه المعادلة تنطبق على الفرد والتنظيم, فإذا لم يستطيع تنظيم ما
تحليل هذه العلاقة ولم يعرف الفرد والتنظيم بشكل صحيح ومن هو الفرد
الذي يجب أن ينضم إلى التنظيم وبأي مواصفات وسمات يجب أن يكون وما
هي واجباتها تجاه الفرد من جميع النواحي. ترى أن هذا الفرد الذي
انضم بعشق ومن أجل أهداف سامية إلى التنظيم يتحول بعد فترة قصيرة
أو طويلة إلى فرد يضعف التنظيم بمختلف الأساليب. إما بشكل فوضوي أو
بإظهار المشاكل والقضايا لها، أو بخلق الفتن والدسائس ضمنها وإلى
ما هناك من أساليب. فكل هذا يعبر عن ثوران الفرد في وجه التنظيم.
أي أنه يتحول من فرد بان للقلعة وحامي لها ومدافع عنها تجاه
الهجمات إلى حصان طروادة يفتح القلعة من الداخل بدءا من إبداء
الشكوى وعدم الارتياح والضيق والضجر والكذب وكيفية الاستفادة من
التنظيم ووضعها في خدمة الذات إلى الوقوف في وجه التنظيم بأسماء
مختلفة. وهكذا تبدأ الأزمات في التنظيم حتى يسفر عن إنشقاقات أو
الانفصال أو الهروب وغيرها، وهنا ينحرف التنظيم عن هدفه الأساسي
ويدخل في صراعات داخلية وثانوية ويبدأ بفرض القوالب الصارمة على
الأفراد بحجة أمن التنظيم ووحدته حتى يصل إلى درجة الحد من
النقاشات وإبداء الآراء بحرية على مختلف المواضيع، والقضايا
المعاشة بدلا من الاقتراب الموضوعي وإعطاء الرد المناسب والبناء
على الأخطاء والنواقص، وهذا ما يعمق الأزمة بدلا من الخروج منها.
إن عدم توعية الفرد في التنظيم بشكل دائم يمكنه من مواكبة التطورات
المعاصرة سيتحول هذا الفرد من فرد إيجابي إلى فرد سلبي رغم نيته
الإيجابية، فالقضية لا تنحصر في النيات وإنما يتطلب رؤية حقائق
العصر ومتطلباته من جميع الصعد وإعطاء الرد المناسب لها.
يوجد
الكثير من التنظيمات يشكون أو ينتقدون أعضاءهم بعدم لعبهم للأدوار
والمهام المطلوبة منهم ,أو بقاءهم منكمشين ضعفاء لا يستطيعون تحقيق
أهداف تنظيماتهم ويبدؤون بتوجيه الانتقادات الكثيرة إليهم وربط ذلك
بأسباب غير موضوعية أحيانا. إن النقد له دور هام في عملية التطور،
ولكن إلى جانب النقد يوجد عملية النقد الذاتي، فلو قلبنا المعادلة
عكسا ألا يمكن استنتاج بعض الحلول والنتائج الصحيحة في حل القضية
وهي أنه لماذا لا يستطيع التنظيم تطوير أعضاءه وخلق عضو عقائدي
مخلص يحقق مهامه بنجاح، ألا يوجد نواقص وأخطاء في نظام هذا التنظيم
وإلا فلماذا يتأثر أعضاءه بأفكار، وأنظمة الغير. فبقدر ما تكون
الأهداف نظيفة، يجب أن يكون أدواتها ووسائلها نظيفة أيضا.
في التاريخ توجد حركات كثيرة لها أهداف إنسانية سليمة ولكن نتيجة
عدم إنشائها لتنظيمات تتناسب مع تلك الأهداف انهارت وأصبحت من
ذكريات التاريخ. في هذا الصدد فان التجربة القريبة في الدول
الاشتراكية والأحزاب الشيوعية خير برهان على هذا وتحولهم في
الأخير إلى أدوات في خدمة الأنظمة الرأسمالية رغم الجهود والتضحيات
العظيمة التي تجاوزت الملايين. إن كل هذه التجارب تقودنا إلى
مراجعة أشكال وأنظمة تنظيماتنا الموجودة منذ القرن الماضي وجعلها
تتناسب مع التطورات العلمية المتحققة في القرن الواحد والعشرين. أي
أنه يجب علينا الوصول إلى قناعة بأنه لا يمكن تحقيق الأهداف
السامية في الحرية والمساواة والعدالة بنفس التنظيمات الموجودة في
الأنظمة الحاكمة والمهيمنة. لأجل ذلك وحتى نتمكن من تحقيق النجاح
في الوظائف والمهام في هذا العصر ونتجنب الوقوع في الفخاخ يتطلب
منا بناء تنظيمات متطورة تتلائم مع متطلبات العصر والمرحلة.
إذا كان التنظيم هو اجتماع الأفراد على أساس
برنامج محدد من أجل تحقيق أهداف ومبادئ مشتركة، عندها لماذا يظهر
الخلاف بين هؤلاء الأفراد؟ أين تكمن العلة؟. هل من الخلاف على
البرنامج أم من الفهم الضيق وعدم الاستيعاب؟. أم من نواقص الفرد
نفسه؟. لذلك يتطلب إجراء التكافؤ الصحيح في معادلة الفرد والتنظيم.
عندها سنتمكن من تحقيق ما نصبو إليه من الأهداف ونكون قد أعطينا
الجواب الصحيح على سؤال لماذا توجد في كردستان تنظيمات كثيرة؟.
توجد في كردستان الجنوبية الغربية عدد كثير من التنظيمات الكردية.
حيث يتم إبداء الشكوى من هذا الواقع المرثي في الكثير من التحليلات
والتقييمات عبر الجرائد والصفحات الإنترنيتية. ربما قد يكون هذا
صحيح من ناحية المشاعر والعواطف وبأنه لا حاجة إلى هذا العدد
الزائد من التنظيمات في هذا الجزء الصغير وكل يوم يظهر تنظيم جديد
وباسم جديد وحتى أحيانا تكون الأسماء متشابهة ولا تلاحظ فروقات
كبيرة من حيث الأهداف والمبادئ، فإذا تم تناول القضية من جانب وحيد
لا يمكن لنا الوصول إلى النتيجة في هذا الصدد ولن تقف عملية
التكاثر هذه بل ستزداد أكثر مثل تكاثر الفطور في فصل الربيع. ولذلك
لا بد من تناول القضية من جانب العلاقة بين الفرد والتنظيم على
جميع الصعد. في الحقيقة حتى ولو لم تظهر تنظيمات أخرى فهذا لا
يعني أن عملية التكاثر قد توقفت وعادت المياه إلى مجراه الصحيح.
فإذا قمنا بتحليل حقيقة كل تنظيم نرى بأنه توجد العشرات من
التنظيمات المخفية والغير المعلنة ضمن تنظيم واحد حسب كبر وصغر ذلك
التنظيم. فعندما يتحدث كل فرد بما يعرفه ويطبق ما يهواه ويتحرك
ويتصرف وفق أسلوبه، فهل يستطيع هذا التنظيم أن يدعي وجود وحدة
الفكر والروح والحياة والممارسة ضمنه ؟. هذا إذا كنا نريد الاقتراب
من القضية من حيث الجوهر، وإلا فانه توجد توحد في الشكليات، فإذا
لم يتم توحيد الشكل مع الجوهر فإن النتائج ستكون مؤقتة لا غير.
في البداية لا يمكن رؤية الأزمات حتى ولو بالمجهر، فهي تنمو رويدا
رويدا حتى تصل إلى درجة تهدد التنظيم، وعند النظر إلى الصفحات
الانترنيتية والجرائد ترى آراء مختلفة سواء أكان من شخصيات مستقلة
أو من شخصيات حزبية فهي في المحصلة تعبر عن الفروقات بينهم وبين
تنظيماتهم، وتؤكد في النتيجة بوجود الفاصل والشرخ بين الفرد
والتنظيم. أي أن التنظيم غير قادر على بناء الفرد بشكل صحيح جاعلا
منه شخصية قادرة على استيعاب وهضم أفكار ومبادئ الحزب وبالتالي
يكون الاقتراب من ناحية التأثير على جوانبه العاطفية دون تناول
الشخصية بشكل شامل وجذري وهذا ما يترك الجوانب الأخرى شاغرة تتعرض
للتأثيرات الخارجية ويسفر عن إبعاد الفرد من فكر وروح تنظيمه إلى
درجة التضاد والوقوف في وجهها. لذلك بدلا من النقاش على عدد
التنظيمات الموجودة وذلك بوضع الحصان خلف العربة وقيادته يتطلب
القيام بالتكافؤ الصحيح بين الفرد والمجتمع ووضع الحصان في مقدمة
العربة لكي يستطيع السير السليم والصحيح في الطريق المحفوف
بالمخاطر.
إن هذه العلاقة لها أهمية كبيرة وخاصة في مرحلة الثورة العلمية
التقنية، حيث تستطيع الأنظمة البعيدة بآلاف الكيلومترات من أن تؤثر
بأفكارها ونمط حياتها على الأفراد عبر الفضائيات والانترنيت
وغيرها من وسائل التقنية، لذلك إذا لم يتم التحليل الصحيح للعصر
والمرحلة التي نعيشها، وإذا لم يكن هناك تنظيم قادر على الرد على
جميع الأسئلة التي يمكن أن تظهر في العصر على جميع الصعد السياسية
والفكرية والفلسفية والاجتماعية والثقافية لن يستطيع التخلص من
الأزمات والاشقاقات والهزائم. فالتحليل الصحيح لهذه الثنائية بعيدة
عن البرغماتية التنظيمية الضيقة، والأنانية، والمركزية الحزبية
والأحكام المسبقة سيمكن التنظيم من النجاح والانتصار في جميع
الأهداف التي يصبو إليها.
ذوهات