|
في حوار أجرته معه إحدى الصحف
العربية قبل أشهر يقول المخرج الكردي هونر سليم: «ذاكرتي الكردية
بيضاء باستثناء لباس والدتي الأسود»، تكاد هذه الجملة الموجزة أن
تختزل تاريخاً طويلاً من الظلم، والقمع، والاضطهاد، عانى من قسوته
سليم الذي وجد نفسه ابناً لثقافة كردية محاصرة، مهمشة، منسية...
غير أن المبدعين الذين تجري في شرايينهم دماء المغامرين يرفضون
الاستكانة أو الاطمئنان إلى المصير المأسوي، فنبرة الحرمان
والانكسار تتحول لديهم إلى غنائية عذبة تفصح عن نفسها في السينما،
والشعر، والرسم، والغناء، والرواية... هكذا فعل هونر سليم مثلما
فعل أكراد آخرون: عمر حمدي (مالفا)، بشار عيسى، سليم بركات، شيرگو
بيكه س، شفان، يلماز غوني... وسواهم ممن ينتمون إلى كردستان (بلاد
الألف ثورة والألف حسرة)، بتعبير جوناثان راندل، أو «بلاد المهانة
والخوف» بتعبير محمد أبي سمرا. هذه البلاد التي لفظت ساكنيها الكرد،
فراح هؤلاء يغزلون من عذوبة الحنين، و»لوعة الغياب» والذكرى فناً
مملوءاً بالصدق، مفعماً بالأمل.
سينما الطفولة
هونر سليم الذي وصل إلى قمة الشهرة عبر مشاركة فيلمه الأخير
«الكيلومتر صفر» في المسابقة الرسمية في أهم مهرجان سينمائي في
العالم، مهرجان كان، هو واحد من أبطال هذه التراجيديا، ولد في بلدة
آكري في كردستان العراق عام 1964 وراح يقرأ بعيني الطفل صفحات
الألم، هذه الصفحات التي تزخر بكل شيء إلا السينما، يقول سليم:
«أعتقد بأن علاقتي بالسينما وُلِدت في الطفولة من دون ان أكون
واعياً لذلك. عندما هربنا، عائلتي وأنا، من الجيش العراقي من
مدينتنا آكري، استقرينا في الجبال وعشنا لبعض الوقت في الكهوف. كان
والدي مفتوناً بالشعر، فكان يقرأ لنا كل ليلة من الشعر الكردي
الكلاسيكي. لم أكن آبه كثيراً بذلك حينها إلى ان فتح أمامي ذات يوم
كتاب شعر يتضمن لوحات فنية وكانت تلك المرة الأولى التي أرى الرسم
فيها. وشرح لي والدي ان الشعر ألهم تلك الرسوم التي ما زلت أذكر
أنها لنساء جميلات بلباسهن الملون. بدأت أسمع الشعر بينما انظر إلى
الصور وأحفظ. وثم بعد عودتنا إلى المدينة، تعرّفت إلى التلفزيون
للمرة الأولى أيضاً في أوائل السبعينات. كانت كل الصور المبثوثة
تمجيداً لصدام حسين وأحمد حسن البكر مرفقة بأغاني القومية العربية.
عندما انتهت صدمة الصورة الأولى، صرت أسأل نفسي: لماذا هذا الجهاز
ينطق بالعربية فقط، بينما أنا في كردستان؟!».
هذا السؤال البسيط، والبريء والمرير في آن معاً، فتح جرحاً عميقاً،
ورسم في مخيلة الطفل وشماً أبدياً. سؤال صغير طُبع في وجدانه وأثار
في الذاكرة النضرة البيضاء، قلقاً أسود بحجم الكون، وزرع لديه فضول
البحث عن جواب لعله يجده في صقيع المنافي الأوروبية النائية. غادر
العراق مطلع ثمانينات القرن الفائت وذهب إلى إيطاليا، ومنها إلى
فرنسا حيث يقيم الآن. ترك البلاد، وهو يحلم بلغة كردية عبر
الشاشات، بمعلم يعطي الدروس بالكردية، بوطن كردي عصي على
الولادة... خرج حاملاً هذه الهواجس، ومعها الهموم، وشغب طفولة
معذبة، هاربة من صوت المدافع وأزيز الرصاص ورائحة النعوش... لكنه
لم يعثر على الجواب إلى الآن، ولعله يعمل ويبدع مدفوعاً بأمل
العثور على إجابة مقنعة لسؤاله ذاك: لماذا يسمع العربية من
التلفزيون بينما هو في كردستان؟!
رحلة حافلة بالأمل والخيبة حقق خلالها هونر سليم أفلاماً عدة نالت
استحسان النقاد، ورضا الجمهور فأنجز منذ مطلع التسعينات والى الآن
أربعة أفلام، هي، إضافة إلى «الكيلومتر صفر»، «فودكا ليمون»، و»ما
وراء الأحلام»، و»شيرو»، وحصل على جوائز عالمية عدة عن أفلامه، كما
صدرت له عدة مؤلفات، من أهمها «بندقية أبي» التي يروي فيها حكاياته
مع بندقية أبيه، والجبال، وقصص الحب الفاشلة، والأبجدية، والأسماء،
والصور... سيرة نموذجية لطفل كردي وجد نفسه في ظلام قاتم وحزين، في
الغرف الطينية الفقيرة، المظلمة، الواطئة وسط طبيعة كردستان
وجبالها الخلابة التي لا تمنح لساكنيها سوى الألم والانتظار.
مع هونر سليم تصح المقولة البائسة: «المعاناة تولد الإبداع»، فقد
استطاع أن يعمل، على رغم الإمكانيات الضئيلة، إلى أن وصل إلى محطة
يتطلع إليها الكثير من المخرجين. أن تصل إلى مهرجان كان السينمائي
العالمي الذائع الصيت، وتشارك في المسابقة الرسمية، بصرف النظر عن
الجوائز، ذلك إنجاز كبير، وتتضاعف قيمة الإنجاز حين يكون المشارك
كردياً ينتمي إلى أرض الخيبات، هذه سابقة أن يشارك فيلم كردي،
بتمويل كردي، ولغة كردية، وبحضور وفد رسمي كردي في مهرجان كان، ذلك
أن مشاركة المخرج السينمائي الكردي الراحل يلماز غوني في هذا
المهرجان بفيلمه «يول» مطلع الثمانينات حيث قطف السعفة الذهبية
مناصفة مع فيلم المفقود لكوستا كافراس، سجلت باسم تركيا، على رغم
مواقف غوني المناهضة لسياساتها ضد الأكراد.
تدور أحداث فيلم «الكيلومتر صفر» الذي أسندت البطولة فيه إلى
الممثلة الكردية التركية بلسيم يلجين، والممثل الكردي نظمي كيريك،
في كردستان العراق خلال الحرب العراقية - الإيرانية في عقد
الثمانينات، ويروي قصة شاب كردي يجبر على دخول الجيش ويرسل إلى
الجبهة في المرحلة التي سبقت نهاية تلك الحرب. وحين يكلف الشاب
الكردي آكو مرافقة جثمان شهيد، والعودة به إلى أهله مع إذن بعبور
ما يزيد على سبعمائة كيلومتر، يكون عليه ان يصاحب سائقاً عربياً
لساعات طويلة على طرق العراق وبين الجبال في منطقة كردستان.
إعادة ترتيب العالم
أشاد النقاد بروح الفكاهة السوداء التي تسيطر على أجواء الفيلم،
غير أن الأهم من ذلك هو مشاركة الفيلم في مهرجان كان بالنظر إلى
هوية مخرجه الذي أعلن بوضوح ـ رداً على بعض المقالات الصحافية التي
تشير الى أن الفيلم عراقي ـ إلى أن فيلمه يشارك في المسابقة
الرسمية باسم كردستان، وهذه رسالة سياسية نسمع في سطورها جواباً
لذاك السؤال البعيد الذي طرحه الطفل. ولا نعتقد بأن التحليلات التي
ذهبت إلى ان الفيلم يحمل الشعب العراقي، لا نظامه، مسؤولية المآسي
التي تعرض لها الأكراد في السنوات الماضية، صحيحة، ذلك ان المخرج
هو ضحية ذلك النظام القمعي، وليس من الجائز ان يدافع الضحية عن
الجلاد، فسليم يعي قسوة الألم، ويدرك أن الشعب العراقي بأسره عانى
من النظام السابق، وإذا كانت مشاركة فيلمه في مهرجان كان لا تخلو
من موقف سياسي أراد منظمو المهرجان تكريسه، غير أن ذلك لن ينقص من
فرحته، ولن يقلل من شأنه كشاب خرج من وسط الخراب والفوضى، وها هو
يعيد ترتيب هذا العالم على نحو أجمل بكاميراته التي تصور تلك
الحياة المشتهاة التي حرم منها طويلاً
|