|
|
|
28.11.2006 |
قطاف قبل الأوان:.. قصة قصيرة
إلى روح الصحافي والشاعر : فرهاد جلبي
ماهين شيخاني
الجميع غادروا ، تلاشوا رويدا رويدا كالسراب ، تبخر ذاك التجمهر
الاحتفالي، تناثروا كذرات الغبار المتجمع فوق ذاك القبر الجماعي في
بداية تعبئته بالتراب ، لم يعد وشوشاتهم مسموعة ولم تعد الكلمات
والبرقيات تتلى ، خيم الليل وساد الصمت والسكون ، بقي وحيدا بين
القبور ، يختبئ وراء شاهدة كتب عليها ، الفاتحة على روح الشهيد (
.....) مواليد 1948 حريق سينما عامودا 1960 .تفاجئت الملائكة و
النجوم همست لبعضها : ماذا يفعل هذا المعتوه هنا ...؟
تسلل إلى القبر حاملا رفشا وبدأ بنبشه بسرعة البرق ، أخرج أحد
الجثث من التابوت ، وحملها بكل قوته ، سمع هفيف الكتب و المجلات
المتساقطة من الجثة ، حملها على ظهره وخطى بسرعة العتال الذي يحمل
كيسا ووضعها في سيارة مغلقة ، خلف مقعد السائق ، ثم توجه إلى مقعده
، وضع رأسه قليلا على المقود ، التقط أنفاسه ، شغل المحرك وأخذ
مساره .
بعد خروجه من المدينة ، سمع صوت ينادي باسمه ، نظر من خلال مرآة
السيارة بهلع إلى الجثة المكفنة وقد عدلت من جلوسها كإنسان سليم ،
صاح ، حي بعد أن كان ممدودا على المقعد ، ارتبك قليلا ثم سيطر على
مقود السيارة وتلى في سره آية قرآنية ، يستصيخ السمع إلى الجثة وهي
تقول :
- يا أبا آزاد لم هذه المجازفة ؟ لماذا تعرض حياتك للخطر والمسائلة
، عرفتك مسالما ، راضيا بحكم الله وقدره ، ما أنا إلا جثة ، ماذا
ستستفيد من جراء ذلك .
- ردَ وهو يهز رأسه يمنة ويسرة بحركة عفوية : لا أعلم ....؟ ولكنني
لا أتخيل الصحافة الكردية ، والمهرجانات والأمسيات الثقافية يدونك
؟.
- الأمة التي أنجبتني ، أنجبت الكثير من أمثالي وهذا هو عزائي ، قل
لي أين عظمائنا ، كتابنا وشعرائنا ، هذه حال الدنيا ، وأنا العبد
الفقير لا امثل نقطة من بحرهم ، استحلفك بالله عد الىرشدك ، وعد بي
الىشرمولا .
- كم أنت عظيم ، عظيم حتى في ....؟
- مماتك ؟! أليس كذلك ....؟
- لا أحبذ هذه الكلمة ، ارفضها ، ها أنت تتكلم معي وتجادلني ، أنت
حي ، حي يا أبا لوران .
- بالله عليك ، لماذا سرقتني ، عفوك _ أخذتني _ كنت مرتاحا وقد
انزاح عن كاهلي كل المسؤوليات ، أحس بأنني غادرتكم على طائرة نوم
هادئة ، إنها استراحتي الأخيرة ، لما عدت بي .ثم هل تعلم من كانوا
في استقبالي ، لن تصدق إن قلت لك بان من بين المستقبلين جكرخوين
ومحمد شيخو ، وهل تعلم بأننا كنا نراكم عن كثب ، وكم كانوا فخورين
بكم وبتضامنكم في السراء و الضراء .
صدرت منه تنهيدة وقال : آه شرمولا....؟ زرتك كثيرا وسمعت هتافات
شهداءك مخترقا أذني وأنفاسي ( الحياة صراع ضد الموت والشر ، ندعوكم
لدخول مقبرتنا ، فهي الملجأ الآمن من أوحال الظلم والشر ) . لم
اعلم بأنني سأكون ضيفك مع أعزائي ، وسأتشرف بنيل أقامة في ملاذك .
كانت مشاركاتي وأمسياتي في منزل الشاعر الكبير جكرخوين ، أحياننا
كنت أتخيل نفسي بأنني سأرقد بجانبه ، وسيتلو لي قصائده ، وسأراكم
تتلون القصائد والأشعار في زياراتكم لنا....ولكن هذا ما كتبه لي
القدر .
- وقد كتب لك بأنني سأخرجك من القبر ولن أتركك بين الأموات أبدا ،
أنت حي ، حي في المهرجانات ، حي في المناسبات ، حي في الصحافة .
- أنت طيب القلب جدا ، أشكرك لعواطفك نحوي _ وربت على كتفه _
- استدار إليه وقال : نعم . ثم غمغم بصوت متحشرج ...؟
ناداه سائق السيارة وقد صاحبه مسحة حزن كانت مرتسمة على عينيه
ووجهه :
- أخي العزيز ، لم يبق أحد في المقبرة ، قد رحل الجميع ، علينا
اللحاق بالرفاق ، أنهم ينتظرونك في السيارة منذ مدة .
انسالت دمعة دافئة ، لتحفر على خده ذكرى صديق عزيز لن ينساه طوال
حياته .
ماهين شيخاني قصة قصيرة
5 \11\2004
|
|
. |
|
|