23.09.06     المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر اصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

خواطر رمضانية
 تقديم علاء الدين عبد الرزاق جنكو.



 


الحلقة الأولى (1)

رمضان والاستقبال الحار



وأخيراً جاء رمضان ، وحل علينا ببركاته ، حل علينا هذا الضيف العزيز الذي طالت غيبته عن أحبته ، هذا الضيف الذي تنتظره الأسرة المسلمة في العالم منذ أن رحل عنها في السنة الماضية .

فعندما تشعر الأسرة بقدوم ضيف عزيز على أفرادها تحاول جاهدة ترتيب بيتها حتى يكون لائقا لمقام ضيفها الغالي ، فكيف بهذا الضيف عندما يكون عزيزاً على قلوب أكثر من ربع سكان المعمورة فالاستقبال يكون حاراً من قبل الجميع ولو اختلف من جهة أو مؤسسة لأخرى .

فالاستقبال على المستوى الرسمي الدولي يكون بتغيير بعض الدول لمواعيد العمل فيها بداية وانتهاء ، بل تعمد بعض الدول إلى جعل شهر رمضان المبارك عطلة رسمية حتى يتفرغ رعاياها للتمتع مع هذا الضيف الغالي .

وأجهزة الإعلام وخاصة المرئية منه.. قبل مجيء الشهر بأشهر تستعد للإعلان عن برامجها الرمضانية ( المحرمة منها والجائزة ) فتراها تخصص أفضل الأفلام ، وأحسن المناظرات ، وبعض المغريات الخطرة !! كل ذلك حسب ما تنتهجه سياسة من يمتلك تلك الوسائل والمؤسسات ، ومن يكون وراءها !!

وأما العائلة فتستقبل هذا الشهر المبارك بشرائها ما تحتاج إليه طيلة شهر رمضان من أكل وشرب وغيرها .. ناهيك عن جواز الاستقبال بهذا الشكل أم لا .. وبعض العائلات بل والكثير منها تستقبل هذا الشهر بوضع برامج تنظم حياتها في هذا الشهر ...


أما على المستوى الفردي :
فغير المسلم تراه يقف بإجلال أمام هذا الضيف العزيز على قلوب المسلمين احتراما لمشاعرهم ، وتقديسا لمبادئهم ، باستثناء أولئك الذين يريدون تخريب الأرض بتدمير المبادئ وعدم احترامها .

أما المسلم العاصي فيستقبل هذا الشهر وهو يراه خير فرصة للعودة إلى نفسه ومحاسبتها ، والاستفادة منها ليكفر عن الكثير مما ارتكبه من أعمال لا ترضي الله تعالى ، بل الكثيرين من غير الملتزمين يرون شهر رمضان خير فرصة لبداية جديدة وعهد جديد مع الله تعالى

أما المسلم العابد الذي طال انتظاره لهذا الشهر منذ أن رحل عنه رمضان الماضي فهو متلهف للدخول في روضة العبادة حتى يتزود بالشحنات الإيمانية ، فتراه يستقبل هذا الشهر بالتشمير عن ساعد الجد لينافس أقرانه في التقرب إلى الله تعالى ، ولم لا ؟ ففي ذلك فليتنافس المتنافسون

ندعو الله العلي القدير أن يجعلنا من أولئك الذين ينتظرون رمضان ليستقبلوه استقبالا يليق به ، ليكون فاتحة قبول لأعمالنا وعباداتنا وقيامنا عند الله في هذا الشهر العظيم ، فأهلاً به شهراً عزيزاَ على قلوبنا جميعاً...
 


الحلقة الثانية ( 2 )

فلسفة الصيام

علاء الدين عبد الرزاق جنكو

لا شك أن العبادات التي شرعها الله تعالى لعباده إنما هي لحكمة ربانية تصب في مصلحة العبد عاجلا أم آجلا ، فإذا ما تمكن الإنسان من معرفة الحكمة كانت تلك العبادة معقولة ومعللة ، وإذا لم يهتدي مع ما أوتي من الفعل إلى حكمة تلك العبادة كانت عبادة غير معللة وبالتالي الحكمة منها تعبدية ، على الأقل في فترة معينة ، لأنه قد يأتي فيما بعد من يفك رموز هذه الحكمة ويعرف معناها ويكشف أسرارها .
والصيام من العبادات المعقولة المعللة الواضحة المعالم والآثار على جميع المستويات سواء الفردية منها أو الجماعية ، أكثر تلك المعالم والآثار بينها الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم . فيا ترى لماذا نصوم ؟ أو ما هي الآثار والثمار التي نقطفها من رياض الصيام الوارفة الظلال ؟
الآثار كثيرة ومتعددة ، والمكان لا يتسع لذكرها مع تفاصيلها ، لذا نحاول أن نسرد بعضها مجردة عن الأدلة إلا القليل لأنها حقيقة عند الصائم أوضح من يذكر لها دليل !! فمن تلك الآثار :

1 - أنه يجلب التقوى : والتقوى كما عرفه علي بن أبي طالب رضي الله عنه ( هو العمل بالتنزيل ، والخوف من الجليل ، والاستعداد لما بعد الرحيل ) وبهذا المعنى يكون للصوم أثر على سلوك الفرد ظاهرا وباطنا ، وترتيب لحياة المسلم بشقيه الدنيوي والأخروي ، ولا شك أن الصيام وسيلة عظيمة لاكتساب ملكة التقوى .


2 - يذكر الإنسان فضل الله تعالى عليه وفضله : فندما يترك الإنسان الطعام والشراب وهما الأساس في استمرارية حياته ، يشعر بنعمة الله تعالى العظيمة عليه في إعطائه ما يحتاجه ، ويشكره على سلامة حواسه ، وخلوه من الأسقام التي تحول دونه والأكل ، وفي هذا الشهر يعرف الغني فضل الله تعالى عليه بإقداره على ما منعه على الكثيرين من الفقراء من فضول الطعام والشراب والنكاح ، ولابد والحالة هذه أن يشكر العبد ربه ، متمثلا في طاعته والعمل بما يأمر سواء كان في رمضان أو غيره .


3 - يعلم الإنسان على الصبر : وما أحوج الإنسان للصبر لذا سمي رمضان بشهر الصبر ، والصبر ثوابه الجنة ، وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن : ( الصوم نصف الصبر ) .

4 - تزكي الأنفس وتزرع الأخلاق : فنشر الأخلاق الإسلامية مقصد عظيم ، من مقاصد الإسلام ، وجميع العبادات تساعد في بناء ونشر هذا المقصد العظيم ، ومن بينها الصيام ، ففي الصيام يرجع الإنسان لنفسه ، ويجعل كل يوم من رمضان محطة محاسبة ، ثم أن الصوم رادع عن كثير من الأمور التي قد تكون داخلة في عادات بعض الناس ، لذا جاء الحديث النبوي مبينا لنا أن الصوم الحقيقي - بالإضافة إلى الإمساك عن الطعام والشراب - هو ترك الرذيلة والبعد عن كل ما يسيء إلى الفرد والمجتمع ، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( من لم يدع قول الزور العمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه ) .

5- بناء المجتمع المتراحم المتعاون : هذا البناء المتمثل في زوال الفوارق الطبقية بين الناس ، والمشاركة من قبل الجميع كل يسعى في إدخال البهجة والسرور في قلب أخيه ،كل يقبل من أخيه ما يصدر منه ، كل يتحمل ما يساء إليه امتثالاً لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم ( فليقل إني صائم ) ، وصلاة التراويح تجمع الأحبة كل ليلة ، والإفطار الجماعي المنتشر في أغلب البلدان الإسلامية ترسم أطياف الحب الممتدة بين قلب المنفق وقلب المحتاج !


بحق إنه المجتمع المثالي ... إنه المجتمع الذي يتطلع إليه أصحاب الفطر السليمة ..... فليت كل أيام السنة مثل شهر رمضان في حيويته وفلسفته .

ومن هنا كانت الدساتير والقوانين الإلهية المنقوشة في نفوس المؤمنين المسلمين تفوق بكثير القوانين والفلسفات المادية والتي تسعى جاهدة لإنقاذ جيل من البشر ...... لكن مقابل تدمير وإبادة أجيال أخرى من أبناء البشر !!
 
.
الحلقة الثالثة (3)

واجب المسلم في شهر الصيام

علاء الدين عبد الرزاق جنكو

الأمر المتفق عليه جميع الناس أن شهر رمضان المبارك ليس كغيره من الشهور ، فغير المسلمين ينظرون إلى هذا الشهر نظرة التقديس احتراما لمشاعر المسلمين ، والمسلمون يرونها الفرصة الذهبية للاتصال مع ربهم وتجديد عهد العبودية له .
والإنسان المسلم يجب علي أن يتغير نحو الأفضل في شهر رمضان المبارك في جميع جوانبه النفسية والفكرية والجسدية والاقتصادية والاجتماعية لأن هذا التغير هو سر عظيم من أسرار شهر رمضان المبارك .

نقاط عدة يجب على المسلم مراعاتها طيلة أيام هذا الشهر الكريم هي :

1 - أن يحافظ على الصلاة ، فكثير من الصائمين يهملون الصلاة ، وهي من عماد الدين ، وتركها يضع المسلم في مرتبة خطيرة من الدين !!

2 - أن يكون حسن الأخلاق ، وأن يحذر من كل ما يسيء لدينه، من سب وشتم ، وما أكثر من يسب الدين في هذه الأيام من أبناء المسلمين ، وأن يحذر سوء معاملة الناس ، فالصوم يهذب النفوس ويصعد بالإنسان إلى معراج الكمال البشري .

3 - أن لا ينطق بالبذيء من الكلام ولو مازحا فيقلل من ثواب صومه ، وعلى المسلم دائما أن يستحضر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصحيحين : ( إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث يومئذ ولا يصخب ، فإن شاتمه أحد أو قاتله فليقل : إني صائم إني صائم ) .

4 - أن يكثر من الطاعة وخاصة الصدقات والهبات على الأقارب والمحتاجين وأن يصل الأرحام ويزورهم في هذا الشهر الكريم .

5 - أن يكثر من ذكر الله وتلاوة القرآن وسماعه وتدبير معانيه حتى يستعد للنطق بآخر كلام له في الدنيا ألا وهي لاإله إلا الله عندما يكون لسانه متعودا عليها ومرطبا بها طيلة حياته ، وخاصة في شهر رمضان المبارك !!

6 - أن لا يسهر كثيرا فيضيع على نفسه السحور وصلاة الفجر ، وعليه بالعمل في الصباح الباكر مصداقا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ( اللهم بارك لأمتي في بكورها ) .

7 - أن لا يسرف في الطعام حين الإفطار ، فيضيع فائدة الصوم وبالتالي يسيء إلى صحته .

8 - أن يتجنب أماكن اللهو كالسينمات والمقاهي المشبوهة والنوادي الليلية ، وأن لا يبالغ في مشاهدة ومتابعة التلفاز ، بل على المسلم مقاطعة التلفاز في حالة عرض ما يفسد الأخلاق وما يتنافى مع قيم الصوم 000 وما أكثرها !!

9 - أن يستفيد من الصوم في ترك الدخان المسبب للسرطان والقرحة ، وأن تكون إرادته قوية فيتركها مساء كما يتركها نهارا ،فتتحسن صحته ويوفر عليه ماله .

10 - أن يقرأ رسالة بسيطة عن الصيام ليتعلم أحكامها وما أكثر انتشارها في الأسواق والمكتبات العامة ، ويحاول أن يعلم غيره ما تعلمته من أحكام الصوم ، وإن كان بإمكانه طبع إحدى هذه الكتيبات البسيطة فنور على نور !!


إذا على العبد الصالح أن يستقبل شهر رمضان المبارك بالتوبة النصوح ، والعزيمة الصادقة على اغتنامه وعمارة وقته في هذا الشهر البارك بالأعمال الصالحة سائلا الله عز وجل الإعانة على حسن العبادة 00 ليس هذا فحسب .. بل وأن يسأل المولى وبكل تواضع قبول العبادة ‍‍!! في زمن يتفاخر الكثير من الصائمين بصومهم .. والله المستعان ..
 

الخاطر الرمضانية الرابعبة ( 4 )

رمضان والقرآن

علاء الدين عبد الرزاق جنكو

كلما حضر ذكر رمضان ، أو خطر في بال أحد من المسلمين رافقة في الحضور ذكر القرآن ... وكلما اقترب شهر رمضان استعد الناس للدخول في رحاب القرآن .
فما هو سر هذا الرباط المتين بينهما ؟

أول ما يلفت نظر المسلم عندما يتأمل في تلك العلاقة يذكر قول الله تعالى : ﴿ شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ﴾ ، فرمضان شهر عظيم والقرآن عظيم ... بل وأجزم أنه أعظم !!
رفع الله من شأن رمضان ، فكان شرف لرمضان أن نزل فيه القرآن دون سائر الشهور ، فكان ذلك اختصاص وفضل له وحده . ولاشك أن تشريف رمضان بالقرآن شريف عظيم ، لاسيما والقرآن كلام الله تبارك وتعالى ، وبه يمتلئ الشهر المبارك عبادة وطاعة وشكرا لله عز وجل ،كيف لا وهو الكتاب الذي قال فيه منزله :- ﴿ أن هذا القرآن يهدى للتي هي أقوم ﴾ .
وتظهر العلافة بينهما أكثر عندما تعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعرض القرآن على جبريل في رمضان كل عام مرة ، وفي عامه الأخير عرض عليه القرآن مرتين .
وقبل الخوض في بيان مكانة القرآن وفضله في هذا الشهر أود التنبية على ملاحظة في قوله تعالى :- ﴿ شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ﴾ ، فالمراد منه أن القرآن نزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ ، ومن ثم إلى بيت العزة في السماء الدنيا ، إذا القرآن له نزولان ، لأن القرآن نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاث وعشرين سنة ، وتناول الكثير من الأحداث والمناسبات التي كانت في غير شهر رمضان .
لنعد إلى القرآن ، فلا أحد يجهل فضله ومنزلته ، وهو كلام الله تعالى المعجز بلفظه المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم بواسطة جبريل المنقول إلينا بالتواتر والمتعبد بتلاوته ، الموجود بين دفتي المصحف المبدوء بسورة الفاتحة والمختوم بسورة الناس .

وهو الكتاب الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم : ( كتاب الله تعالى فيه نبأ من قبلكم ، وخبر من بعدكم ، وحكم ما بينكم ، هو الفصل ليس بالهزل ، من تركه من جبار قصمه الله ، ومن ابتغى الهدى بغيره أضله الله ، هو حبل الله المتين ، ونوره المبين ، والذكر الحكيم ، وهو الصراط المستقيم ، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ، ولا تلتبس به الألسنة ، ولا تتشعب معه الآراء ولا شبع منه العلماء ولا يمله الأتقياء ، ولا يخلق على كثرة الرد ، ولا تنقضي عجائبه ، وهو الذي لم تنته الجن إذ سمعته أن قالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا ، من علم علمه سبق ، ومن قال به صدق ، ومن حكم به عدل ، ومن عمل به أجر ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم .
ودراسة القرآن وفهمه والعمل به مطلوب من المسلمين قال رسول الله عليه وسلم ( خيركم من تعلم القرآن وعلمه ) وقال عليه الصلاة والسلام : ( الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة ، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه ، وهو عليه شاق له أجران ) ، وخاصة عندما تكون التلاوة والقراءة في شهر رمضان فيزداد الثواب ويعظم الأجر ويؤكد لنا على ذلك أدلة منها :

1 - أن شهر الصوم شهر الطاعة والعبادة ، ولا يوجد عبادة غير الفرائض أفضل من قراءة القران تلاوة ودراسة ومدارسة

2 - عرض النبي صلى الله عليه وسلم القرآن على جبريل في كل عام مرة وفي عامه الأخير مرتين تعليم لنا كونه القدوة والمعلم والمربي أن القرآن لابد أن يتلوه المسلم في رمضان .

3 - إذا ما كان رمضان أقبل السلف الصالح على القرآن الكريم تاركين كل شيء إليه .

ويكفينا مؤنة إظهار أدلة أخرى ما كان عليه إجماع الأمة وما يزال ، بأن مجاهدة القرآن في شهر رمضان أكثر من غيره من الشهور ، والذي يبحث في حال السلف سيرى ذلك واضح في حياتهم .
فكان منهم من يختم القرآن في ثلاث ليال ، ومنهم في سبع ، ومنهم في عشر كأبي رجاء بن تميم والنخعي وقتادة والشافعي وأبو حنيفة ، وكان ازهري رضي الله عنه إذا دخل رمضان قال : إنما هو تلاوة القرآن وإطعام الطعام ، وكان مالك رضي الله عنه يترك في رمضان قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم ويقبل على تلاوة القرآن في المصحف ، وكان الثوري يقبل في رمضان على قراءة القرآن .
مع كل ذلك ، يبقى السؤال الذي يطرح نفسه هل آن الأوان لإزالة الغبار عن أنفسنا حتى نطير في فضاء القرآن الواسع الرحيب ؟! وهل قراءتها يؤثر في المسلمين كما كان يؤثر القرآن على جيل الصحابة والتابعين ؟!
إذا كنا جميعا نأمل ذلك ... فلنبدأ إحياءهما معا ... رمضان والقرآن .
 

الخاطرة الررمضانية الخامسة ( 5 )

للصائم فرحتان

علاء الدين عبد الرزاق جنكو

يقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه ﴿ أن الله تبارك وتعالى يقول : الصوم لي وأنا أجزي به ، وللصائم فرحتان ، حين يفطر وحين يلقى ربه ، والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك.
وقد أوضح علماء الحديث هاتين الفرحتين ، فالأولى : حين يفطر : من الإفطار أي يفرح حينئذ طبعا وإن لم يأكل ؛ لما في طبع النفس من محبة الإرسال وكراهية التقييد ، والثانية : حين يلقى ربه : أي ثوابه على الصوم وترتيب الجزاء الوافر عليه .
نعم .... يفرح الصائم لأنه بصومه قمع النفس ، وما تدعوا إليه ، وهذَّبها بالجوع والظمأ ؛ كي تكون أبعد عن الخضوع لهواها ، والانقياد لشهواتها ليسعد بجنة الخلد مصداقا لقوله تعالى : ﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى النازعات / 40 /

يفرح إذ انتصر على النفس المنتصر عليه أغلب أحيانه في غير رمضان .

يفرح الصائم لأنه يشعر بأن إرادته بدأت تعمل ، وحقق بذلك ما كان عجز عن فعله في غير رمضان .

يفرح الصائم لأن من حوله يشاركونه في صومه وصبره وفرحه وحزنه وتعبه وسعادته .

يفرح عندما يقبل على الطعام والشراب بعد أن تركه من الصباح إلى المساء ، يأكل بعد جهد جزاؤه رضا الله تعالى ، يأكل وهو يرفع يده داعيا مولاه العلي القدير أن يقبل منه صومه وطاعته .

يفرح الصائم لأنه يرى الغني يرحم الفقير عندما يتصدق عليه من مال الله تبارك وتعالى ، وبها تعم الفرحة قلوب الفقراء .

يفرح لأن لون الحياة تتغير في هذا الشهر الكريم ، حيث يزداد الجد والنشاط في العادة والعبادة وإن كان الجد في العبادة هو المطلوب .

يفرح ... بل يتعدى فرحته للغير ، وهنا تكمن سر العبادة ، فزرع البهجة والفرح في قلوب العباد من أهم مقاصد العبادات .

ويتوج الصائم فرحته العظمى حين يلقى ربه ، وإذا به يدخل الجنة من غير حساب من باب الريان 00 باب الصائمين 00 لأن الله تعالى يقول الصوم لي وأنا أجزي به .
فرحة الدنيا نعيشها كل ليلة ونلمسها في رمضان بحواسنا ، وما أروعها ، فما بالكم أيها الأخوة بفرحة الآخرة حينما يلقى العبد ربه ؟!
 

الخاطرة الرمضانية السادسة ( 6 )

مصير المُوَسْوِسين في رمضان

علاء الدين جنكو

روى الترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفّدت الشياطين ومرد الجن ، وغلقت أبواب النار ولم يفتح منها باب ، وفتحت أبواب الجنة ولم يغلق منها باب ، ويناد مناد : يا باغي الخير أقبل ويا باغي اشر أقصر )
ما حقيقة التصفيد ، والربط ، والقيد ؟. أمور غيبية لا يعلمها إلا الله ..... ولكن هذا لا يمنعنا أن نعمل فكرنا وندلوا بدلونا ضمن حدود بشريتنا وفكرنا الإنساني .

تلك هي فضيلة عظيمة من فضائل هذا الشهر الكريم .... تصفد الشياطين ... يعني تغل بالأغلال وتسجن لئلا تتمكن من إغواء المؤمنين الصائمين ووسوستهم ، وذلك لإراحة بالهم وأفكارهم ونفوسهم من وساوس الشيطان ، حتى يقوم بالصيام والقيام وسائر العبادات في هذا الشهر دون أن يكون للشيطان عليهم سلطان .

لكن إذا كانت الشياطين تصفّد في هذا الشهر ، فلم يقدم الإنسان على المعصية ؟ ولماذا نرى الكثيرين من المسلمين بعيدين عن مبادئ هذا الشهر الكريم ؟!
أقول : السبب في ذلك يعود للإنسان نفسه لأن ما يصدر منه إنما هو بتأثير إرادته هو ، ولا يكون من تأثير شيطان عليه ، بل يكون ذلك لاستسلامهم لأهوائهم وشهواتهم ، فتحولوا إلى شياطين إنس ، ولم يصفدوا حتى تبقى إلا ادة الإنسان مصانة مثل ذلك الذي أقبل على الطاعة من غير سرق إليه .
وتصفيد الشياطين ومرد الجن في هذا الشهر المبارك مساعد للمؤمنين الصائمين على الطاعة ، بل ومساعد لعصاة هذه الأمة للإبتعاد عن المعاصي ، وليس قاطعا لكل دوافع الإنسان ورغباته إلى المعصية .... نعم ذلك ليس إلا مجرد مساعدة ..

والشيطان مع الإنسان ليس له أي تأثير عليه ، بل تأثيره لا يتعدى الوسوسة في قلبه ، وفي ذلك يقول الله تعالى منبها الإنسان من تلك الوسوسة :
﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ، مَلِكِ النَّاسِ ، إِلَهِ النَّاسِ ، مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ ، الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ، مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ سورة الناس .
كما يزين له ارتكاب الخطيئة والمعصية ويهون من شأنها ، ثم يبقى الإنسان حراً في اتباعه أو عدم اتباعه... ويبقى في النهاية هو المسؤول عن كل ما يختاره !! وكثير من الآيات القرآنية تدل على ذلك ، منها :

1 - قوله تعالى :
﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْغَاوِينَ الحجر (42)
إلا من اتبعك .... عبارة خطيرة توحي بأن الإنسان يتبع الشيطان بمحض إرادته ، وبالتالي له العقاب الشديد والجزاء الأليم ...فيقول الله تعالى :
﴿ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ  الحجر (43) ويؤكد هذا المعنى أيضاً
2 - قوله تعالى :
﴿ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ  النحل (100)

إذا تصفيد الشياطين إنما يكون بالنسبة للصائم العابد المبتغي في صومه وجه الله تبارك وتعالى ، وذلك لأن الصيام الصحيح يساعد المؤمن الصائم على الطاعة وعلى الابتعاد عن المعاصي وكبائر الإثم
فإذا دخل الإنسان المسلم في رياض الصوم وجد فيها الجو الروحاني الشامل ، ويستنشق فيها من عبق الطاعة وعبير العبادة ، وهنا تقوى إرادته على شهواته بعد انكسارها وقهرها عندئذ يتعثر الشيطان ويصطدم بموانع تحول دونه ودون العبد الصائم عندما يحاول الاقتراب منه ليوسوسه ، بل الصوم يصبح قيداً يربط الشيطان حتى لا يتعدى حدود وسوسته ويصبح سداً عاليا بينه وبين الصائم .

ويبقى السؤال الذي يطرح نفسه ، كيف تكون الأغلال والسلاسل التي يصفّد بها الشياطين إذا كان المراد حقيقة ، يبقى العلم عند الله وحده الذي لا يعلم الغيب إلا هو ... جل شأنه .
 

الخاطر الرمضانية السابعة (7)

صغارنا ... وصوم العصافير

علاء الدين جنكو

منذ نعومة أظفاري وأنا أحفظ هذا المصطلح الذي يرافق الصغار حتى يصبحوا في مصاف الكبار ... صوم العصافير .... كان والدي يصف صومي بها ، عندما كنت صغيرا كالعصافير

كنت أستيقظ قبل الجميع في السحور وأجلس قبل الجميع على المائدة ، كان الناظر إليّ يحسبني سأصوم وأصبر أكثر من الكبار من شدة اندماجي مع الأكل !! ولكن في الصباح كنت أدور حول والدتي لأقنعها أني لم أعد أتحمل الجوع .... فإني ما زلت صغيراً ، والدي لم يكن يمنعني من ذلك ، بل كان يشجعني ويقول لي : صم يا بني ... صم مثل العصافير !!
الصوم عبادة روحية جسدية ، يتعلم منها الطفل الصغير الإخلاص الحقيقي لله تعالى ، ومراقبته في السر والعلن ، وتتربى إرادة الطفل بالبعد عن الطعام رغم الجوع ، والبعد عن الماء رغم العطش . كما أنه يقوى على كبح جماح رغباته ، ويتعود فيه الطفل على الصبر والجلد ، ومنعهم من الصوم أمر خطأ ، وعلى الوالدين أن لا يلجئا إلى ذلك بحجة أن ابنهم سيتأثر بترك الطعام والشراب ، لأنه متى ما وصل إلى حالة تعب فيها سمح له بالأكل والشرب ، في أي وقت من النهار كان .

بل تشجيعهم على الصوم يعودهم على تحملها ، ويشعرهم بالمسؤولية منذ بداية نشأتهم ، وهنا تكمن أهمية تربية الأبوين ، وصدق من قال :
و ينشأ ناشئ الفتيان منا على ما كان عوده أبوه
وما دان الفتى بحجاً و لكن يعلمه التدين أقربوه
حتى قال الإمام الشافعي رحمه الله : أنهم يؤمرون به للتمرين عليه .

وقد اهتم النبي صلى الله عليه وسلم بتربية الأطفال ، وتعويدهم على تحمل المسؤولية والعبادة منذ صغرهم ، وإشعارهم بأهميتهم ، وأمثلة ذلك كثير منها :
روى أبو داود والحاكم عن عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله عنهما قال : قال رسول الله عليه وسلم : ( مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع ، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر ، وفرقوا بينهم في المضاجع ) .
وفي الصحيحين عن أنس رضي الله عنه أنه مر على صبيان فسلم عليهم ، وقال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله .


وقد ربى الصحابة الكرام أطفالهم وصغارهم على عبادة الصيام ، حتى أن البخاري رحمه الله عنون في صحيحة باب صوم الصبيان ، ومن اهتمام الصحابة بصيام أطفالهم أنهم يهيئون لهم اللعب أثناء الصوم ليتسلوا بها فلا يشعروا بطول النهار ...
وفي الصحيحين عن الربيع بنت معوذ قالت : أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم صبيحة يوم عاشوراء إلى قرى الأنصار : من كان أصبح صائماً فليتم صومه ، ومن كان أصبح مفطراً فليصم بقية يومه ، فكنا نصوم بعد ذلك ، ونصوّم صبياننا الصغار منهم ، ونذهب إلى المسجد فنجعل لهم اللعبة من العهن ( إي الصوف ) فإذا بكى أحدهم من الطعام أعطيناه إياه حتى يكون عند الإفطار .
وكان الصحابة رضوان عليهم يجمعن أطفالهم ويدعون الله عز وجل لحظة الإفطار رجاء استجابة الدعاء في تلك اللحظة المباركة ، فعبد الله بن عمر رضي الله عنها كان إذا أفطر دعا أهله وولده ودعا .

نعم .. هكذا لابد أن نتعامل مع براعمنا وما أجمل ما قال فيهم محمد الخضر حسين : لا يدري كثير من الناس أن الطفل واحد من رجال الأمة إلا أنه مستتر بثياب الصبا ، فلو كشف لنا عنه وهو كائن تحتها لرأيناه واقفاً في مصاف الرجال القوامين ، لكن جرت سنة الله أن لا يتفق زوال تلك الأستار إلا بالتربية شيئاً فشيئاً ، ولا تؤخذ إلا بالسياسات الجيدة على وجه التدرج .

مهما تحدثت عن أهمية الصغير وتربيته لن أوفيه حقه ، ولأن الصغار في نظر الأمم كبار ، أقول لكم ما وصى به أحد الملوك رجاله : من أحسن أدب ولده أرغم أنف عدوه !!
 

الخاطرة الرمضانية الثامنة ( 8 )

ميدان الرحمة

علاء الدين جنكو

الرحمة صفة عظيمة تجعل المرء يرقّ لآلام الخلق وشعر وكأنها آلامه ، ويسعى جاهداً لإزالتها وهي العاطفة الحية النابضة بالحب والرأفة ، والرحمة في أفقها الأعلى وامتدادها المطلق صفة من صفات المولى تبارك وتعالى ، فإن رحمته وسعت كل شيء شملت الوجود ،وعمت الملكوت ، فحيثما أشرق شعاع من علمه جل وعلا المحيط بكل شيء أشرق معه شعاع للرحمة الغامرة .
وشهر رمضان المبارك ميدان عظيم من ميادين الرحمة ، بل كثير ما يطلق على شهر رمضان بأنه شهر الرحمة ، لأنها تتحقق فيه .

وأرى أن للرحمة نوعان :
رحمة الله تعالى بخلقه وعباده.
ورحمة العباد على العباد.

فرحمة الله عز وجل بخلقه وعباده يدل عليه ما أخرجه ابن خزيمة في صحيحة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( أن شهر رمضان أوله رحمة ، وأوسطه مغفرة ، وآخره عتق من النار ).
ويدل عليه أيضاً ما ورد في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
( إذا كان رمضان فتحت أبواب الرحمة ، وغلقت أبواب جهنم ) .
وهذه الرحمة هي ما يصبوا إليها المسلمون ، وهي الغاية القصوى التي يسعون للحصول عليها ، وهي التي تجعل من حياة المسلم سعيدة في الدنيا سعيدة في الآخرة

وقد حث الله تعالى عباده على طلب الرحمة منه كما في قوله تعالى :
﴿ وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ ﴾ المؤمنون (118) ، كما بين أنه يتجاوز عن خطايا عباده ويغفر لهم فقد جاء في الحديث القدسي ( إن رحمتي تغلب غضبي ) .