أقدم الرئيس الألماني هورست كوله ر يوم 21/7/2005 على حل
البرلمان الاتحادي (الدورة الخامسة عشرة منذ قيام جمهورية ألمانيا
الاتحادية) بناء على طلب التحالف الأحمر – الأخضر الحاكم الذي
يقوده المستشار الاشتراكي الديموقراطي غيرهارد شرودر في الأول من
شهر آب 2005، وتحديد يوم 18/9/2005 لاجراء انتخابات برلمانية جديدة
في البلاد، موضحا اقدامه على هذا القرار الرئاسي بالعديد من
المشاكل الكبيرة التي تواجه الحكومة ، منها البطالة المتفاقمة، قلة
الانجاب مقابل ازدياد عدد المسنين، الديون المتراكمة ، وعدم قدرة
الاقتصاد الألماني حاليا على منافسة اقتصاديات الدول الأخرى...
وتلقى رئيس البرلمان فولفغانغ تيرزه قرار رئيس البلاد بالاحترام
دون أي اعتراض ونفذه على الفور بتطبيقه واعتبار البرلمان في خبر
كان.
كما رحبت بالقرار سائر الأحزاب المشاركة في المعارضة والحاكمة
أيضا، واعتبرته فرصة سانحة لاعادة خلط الأوراق على أمل انتخاب
حكومة قوية وجديرة بقيادة البلاد صوب مستقبل أفضل للشعب الألماني.
إلا أن سكرتير حزب الخضر السيد شولتز الذي كان مشاركا في الحكومة
بعدد من الوزراء هدد برفع دعوى أمام المحكمة الدستورية ضد ما
اعتبره خرقا فاضحا للدستور، حيث لم تكن الحكومة في موضع الشك
بقدراتها، وهذا يعني تهربا من المسؤولية الوطنية وتقاعسا مقصودا من
الحزب الاشتراكي– الديموقراطي الذي كان يشكل العمود الفقري
للحكومة، وتخطيطا مدروسا في مواجهة المعارضة، أي استغلالا للسلطة
بطرق ملتوية.
وكما أن الشعب الألماني الذي يناهز تعداده (80) مليونا من البشر،
وكذلك البرلمان انتظرا بفارغ الصبر حوالي (3) أسابيع حتى يعلن
الرئيس قراره على الملأ، فإن هذا الشعب ومعه الرئيس نفسه سينتظران
أيضا بصدر رحب حتى تصدر المحكمة الدستورية رأيها بالموضوع وتبين هل
الرئيس كان على حق في قراره أم سكرتير حزب الخضر الذي يعد الآن ملف
الدعوى.
لم تتحرك دبابة ألمانية واحدة في شوارع العاصمة، ولم تسقط ورقة
شجرة واحدة أسفا لنزع الثقة عن الحكومة وبالتالي حل البرلمان الذي
يكلف اعادة انتخابه المواطنين مصاريف ضخمة حقا، بل إن الموضوع لم
يأخذ حجم اهتمام مباراة رياضية دولية على الرغم من أن قرار الرئيس
الألماني يعتبر حدثا تاريخيا مهما للغاية، فهو يعبر عن شعور
بمسؤولية عظيمة في مرحلة دقيقة من تاريخ الديموقراطية الألمانية.
مستشار ألمانيا غيرهارد شرودر، ابن الطبقة الفقيرة الناجح، الذي
ارتقى سلم الشهرة كحقوقي وكسياسي، وتسلم مهام رئيس وزراء في ولايته
لأكثر من دورة، والذي كان يحظى بغالبية في البرلمان الاتحادي ،
أقدم قبل ذلك على خطوة هامة أخرى بأن تنازل عن رئاسة حزبه
الاشتراكي – الديموقراطي ، ليتولاها السياسي المحنك مونتفيرينغ،
بعدما وجد غيره في الجمع بين المستشارية ورئاسة الحزب جمعا للسلطة
يضر بالديموقراطية... وحققت حكومته إصلاحات هامة في مجالي الصحة
والعمل والمعاش التقاعدي وحماية البيئة ، وثبتت مكانة ألمانيا
الريادية في الاتحاد الأوربي وفي العلاقات الثنائية الهامة مع
فرنسا وفي التقدم بثبات نحو نيل مقعد دائم في مجلس الأمن الدولي،
ووقفت في وجه سياسة جورج دبليو بوش بصدد الحرب على العراق... هذا
المستشار رأى كيف يخسر حزبه رغم هذه النجاحات الهامة انتخابات
الولايات الاتحادية، واحدة بعد الأخرى، حتى تمكن التحالف الأسود
(المسيحيون الديموقراطيون، الاشتراكيون المسيحيون والليبراليون
الأحرار) من انتزاع الحكم من أيدي الحزب الاشتراكي – الديموقراطي
في أهم وأكبر ولاية ألمانية، ألا وهي ولاية نورد راين فستفالن التي
عاصمتها مدينة دوسلدورف الصناعية والتجارية الهامة جدا، وذلك بعد
أربعين سنة من حكم الاشتراكيين الديموقراطيين المستمر. ورأى كيف
يزداد عدد العاطلين عن العمل بصورة مفزعة رغم كل وعوده بحل هذه
المشكلة التي ربط مصيره السياسي بمدى حلها... ومن ناحية أخرى رأى
المستشار كيف فشل وزير ماليته العبقري في إيقاف استدانة الحكومة
رغم كل مشاريعه المالية وخططه المتنوعة.. فقرر أن يطرح حكومته لنيل
الثقة، وهذا يعني التخلي بطريقة غير مألوفة عن الحكم لافساح المجال
أمام الناخب الألماني لينتخب من يشاء... ويبدو أن تنامي الخطر
القادم من طرف اليسار، حيث يعمل رئيس الحزب الاشتراكي –
الديموقراطي الأسبق أوسكار لافونتين ، المعروف بلقب نابليون السار،
يحاول بناء حزب يساري ، قد ساهم في اتخاذ المستشار لقراره بالتخلي
عن الحكم حاليا لأن هذا الزعيم اليساري يعتبر المستشار غيرهارد
شرودر سببا مباشرا من أسباب الأزمات الكبيرة في ألمانيا.. هذا وقد
أكد رئيس حزبه الحالي مونتفيرنغ أثناء المناقشة حول نزع الثقة في
البرلمان على أن المستشار غيرهارد شرودر يحظى بتأييد مطلق من حزبه
على كافة المستويات، مما دفع الآخرين للتساؤل: فإن كانت الحكومة
لاتزال تحظى بالثقة فلماذا إصرار حزبه على طرح موضوع الثقة؟ وهذه
نقطة ضعف استغلتها المعارضة بشكل جيد، كما استغلها سكرتير حزب
الخضر واعتبرها سببا هاما لرفع دعوى ضد حجب الثقة إلى المحكمة
الدستورية...
ما حدث في ألمانيا خلال هذا الشهر درس في الديموقراطية لكل الناس،
فالمستشار يرجو الرئيس أن يعفيه من منصبه الذي يعتبر أهم منصب في
هذه البلاد، وبيده السلطة الحقيقية... في حين يتشبث رؤساء وحكام
بلادنا بمقاعدهم حتى وهم على أسرة الموت ، وإذا ماتوا تنتقل السلطة
إلى ورثتهم...
بقيت نقطة هامة يجب أن لا ننساها هنا، ألا وهي أن للمستشار
الألماني المتخلي عن السلطة بمحض إرادته شقيق من أبيه وأمه، يعمل
صحافيا بعض الأحيان ويعيش براتب العطالة عن العمل، لا يكاد أحد
يعلم عنه كثيرا، فهو ليس جزءا من السلطة، وليست له قصور أو عربات
مدرعة أو حسابات بالملايين في البنوك، أو مخابرات تأتمر بأمره،
تقتل وتسحل وتغتصب وتعذب من يشاء، وإذا ما أراد يوما الوصول إلى
قصر لزيارة شقيقه المستشارية كان عليه أن يثبت للحراس بأنه مواطن
ألماني له علاقة قرابة مع المستشار... وكانت زياراته إلى قصر أخيه
نوعا من الحدث الصحافي المؤثر لأنه كان في الوقت ذاته ناقدا لاذعا
لسياسة الحكومة على الرغم من احترامه وحبه لشخص أخيه...
علينا في الشرق الأوسط أن نتعلم من هذا الدرس الكبير، مستشار يقود
أمة عظيمة يرجو رئيس بلاده أن يعفيه من منصبه وهو لا يزال يتمتع
بأكثرية في البرلمان... وشعب ينتظر بفارغ الصبر قرار رئيس البلاد
الذي أعلن بأنه سيعطي قراره بتأني وعدم تحيز... وينتظر الجميع الآن
ماذا ستقول المحكمة الدستورية لأن شخصا ألمانيا واحدا أعلن عدم
قبوله بسحب الثقة هذه، معتمدا على حقه الدستوري ... أم أننا سننسى
ذلك بسرعة ونحيي الرئيس وابن الرئيس ونجل الرئيس وأنجال النجل حتى
يوم القيامة، ثم نقول : ديموقراطية الغرب تافهة وغير ملائمة
لمجتمعاتنا!!!