K.binxetê.23.10.05     المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر اصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع


سوريا بين "إعلان دمشق" و "تقرير ميليس"
.10.200523 جان كورد

خلال أربعة شهور من عمل اللجنة الدولية للتحقيق في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق الشهيد رفيق الحريري الذي كان بلا شك لبنانيا أصيلا ووطنيا كبيرا، رفض أن تخضع بلاده على الدوام لاملاءات خارجية، فأصبح ضحية لمواقفه الجريئة ولما قام به من أجل الحفاظ على سيادة واستقلال بلاده واقامة علاقات على أساس قاعدة الاحترام المتبادل بين بلاده وبين سوريا، راجعت اللجنة حسب ما ورد في "تقرير ميليس" 60000 وثيقة، واستمعت إلى أكثر من 400 شخص، وطلبت معلومات عن 2235 مشتركا بالهواتف الجوالة، كما حصلت على معلومات بشأن اتصالات هاتفية لحوالي 70195 شخصا... ولقد أصدرت اللجنة بينات ل244 شاهد وملاحظات 293 محقق معهم وبيانات 22 مشتبه فيهم، وأقامت 453 عرضا لمشاهد الجريمة، بحيث وصل عدد صفحات الوثائق التي شارك في انجازها 30 محقق من مختلف البلدان والاختصاصات، وخبراء في البحث والجريمة، هولنديون وبريطانيون وفرنسيون وايرلنديون وألمانيون ويابانيون ولبنانيون ... أي أنه كان عمل جبار بكل معنى الكلمة ، وليس مجرد زيارات مكوكية لميليس وعدد من أعوانه كما يظن البعض.
لقد قامت اللجنة بعمل خبراء يندر له مثيل، يذكرنا بما قام به القضاء الأمريكي بعد اغتيال رئيس الولايات المتحدة الأمريكية جون فيتزغرالد كينيدي، و"فضيحة ووترغيت" للرئيس نيكسون ، وكذلك "فضيحة السيدة ليفنسكي والرئيس بيل كلينتون " ، كما يذكرنا بالتحقيقات في اغتيال رئيس الوزراء السويدي أولوف بالمه... مع فارق أن لجنة القاضي الألماني ميليس لجنة دولية في حين أن اللجان الأخرى كانت وطنية تابعة لذات الحكومات التي جرت فيها تلك الاغتيالات أو الفضائح الشهيرة.
تركزت أعمال هذه الفرق الدولية المختصة على إعادة تركيب فعاليات ونشاطات وتحركات الشهيد الحريري قبل اغتياله، وجمع ودراسة مكتشفات موقع الجريمة والتمعن في تحقيقات السلطات اللبنانية التي قامت بالتحقيق بعد الجريمة، والأدلة التي تم التلاعب بها، وكذلك فحص أعمال الطرق قبل الانفجار، والشريط الذي يظهر فيه المدعو أحمد أبو عدس، وشاحنة الميتسوبيشي المسروقة من اليابان ، والتي حملت المتفجرات إلى مكان التفجير، تلك التي قتلت (22) شخصا آخر مع الحريري، ومراجعة لوائح الاتصالات الهاتفية على نطاق واسع، تلك التي تمت قبيل الاغتيال وبعده، وتحليل مختلف المواد الإعلامية والصور المتوفرة عن مكان الجريمة، قبل الانفجار وبعده، والتحويلات المالية المختلفة التي حدثت قبيل ذلك وفيما بعد... كما حقق الأستراليون مع (6) أشخاص في بلادهم... وهذا كله يبعث الطمأنينة في القلوب بأن اللجنة الدولية لم تكن لجنة لتسييس الموضوع وإنما للوصول إلى الحقيقة فعلا.
وهنا يجدر بالذكر أن القاضي الألماني ميليس ليس من ذلك النوع الذي يبيع سمعته وشهرته الدولية بوريقات معدودات خدمة لما قد تطلبه بعض الدول من مجلس الأمن أو منه، والألمان معروفون بأنهم إذا قاموا بعمل فإنهم ينفذونه باحتراف مشهود وبجرأة ويرفضون أن تملى عليهم من دولتهم أو من دول أخرى شروط أو أوامر، فالقضاة في ألمانيا لايخضعون للسلطة التنفيذية.. ومعلوم أيضا عن الألمان بأنهم في معظمهم كانوا ضد الحرب على العراق، والسبب في أن حكومة غيرهارد شرودر وقفت موقفا متصلبا ضد الموقف الأمريكي آنذاك هو أنها كانت على اطلاع دقيق بالشعور السائد في الوسط الألماني، وهو شعور غاضب وحانق على سياسات أمريكا، يعود في جذوره إلى أيام القصف المنظم والواسع والوحشي الذي قام به الطيران الأمريكي للمدن والمناطق التجارية والمراكز التاريخية الألمانية إبان الحرب العالمية الثانية، وقبيل سقوط النازية بشكل خاص. وعليه لا يمكن اتهام ميليس بأنه متحيز ضد سوريا أو موافق على أن يصبح أداة لتسييس موضوع اغتيال الشهيد الحريري بهدف ضرب أو محاصرة النظام السوري.
التقرير يذكر بأن أجهزة الاستخبارات السورية واللبنانية في لبنان كانت تظهر تأثيرها العميق والواسع في الحياة اللبنانية، ويتساءل: كيف لم تتمكن مثل هذا التواجد الكثيف من اكتشاف مؤامرة اغتيال بهذا الحجم الرهيب وبهذا التنظيم الواسع؟ وكيف تسربت كمية تزيد عن 1000 كغ من المتفجرات إلى قلب بيروت دون علمها؟
ويورد التقرير مسلسلا دراميا سبق عملية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، فيذكر عدة اغتيالات وتفجيرات حدثت في لبنان، وبخاصة في بيروت قبل ذلك.
ينقل التقرير عن شهود لبنانيين بمن فيهم وزراء وزعماء أحزاب أن رئيس الوزراء اللبناني الشهيد رفيق الحريري كان قد تلقى تهديديات مباشرة من النظام السوري وأن الرئيس السوري قد هدده وهدد الزعيم وليد جنبلاط عن طريقه بتكسير لبنان، إذا لم يوافقا على دعم تمديد ولاية الرئيس لحود، الذي اعتبره الرئيس الأسد ممثله في لبنان ، وأنه سيفجر الحريري وعائلته إن حاول الرئيس الفرنسي جاك شيراك طرده من لبنان، كما أن رفيق الحريري صار مشكلة كبيرة لسورية وسيحدث "زلزال" عن طريق مجانين محترفين من شأنه أن يعيد كتابة تاريخ لبنان إن لم يتراجع الحريري عن مواقفه، بل إن الديبلوماسي السوري وليد المعلم قد صارح الشهيد قبل اغتياله بأنه قد تم حصره في الزاوية من قبل الأجهزة الأمنية ومن قبل سوريا، وما عليه سوى الخنوع، وأن الموضوع جدي وليس مجرد مزاح.
التقرير يتحدث عن محاولات سورية مستمرة لعرقلة التحقيق أو تقزيمه أو دفعه في اتجاه آخر، كما أن رسالة وزير الخارجية السورية فاروق الشرع إلى لجنة التحقيق تضمنت معلومات خاطئة ومشوشة .. إضافة إلى أن شاهدا أكد قيامه بجولة في منطقة سان جورج برفقة ضابط سوري كبير " لانهاء المراجعة لمنطقة العملية التي جرت فيها الاغتيال..."
كما أن شاهدا آخر، أصبح مشتبها به، قد أعطى اللجنة معلومات تفصيلية عن الجريمة وعن مهام كل فرد من القائمين بها... ويتساءل التقرير بناء على اشارات السلطات اللبنانية: كيف لم يعتقل مشتبهون بهم يدخلون سوريا ويخرجون منها، بل يعتبر ذلك حدثا غير عادي في بلد مثل سوريا.. وكيف لاتكتشف الاستخبارات السورية المهيمنة خالد طه ، الشخص الغريب في هذه اللوحة، يستخدم البريد الالكتروني من أراضيها في حين يوهم العالم بأنه يرسل رسائله من تركيا؟ ويرى التقرير أن كثيرا من إجابات المسؤولين السوريين تتعارض تماما مع مسار ونتائج التحقيق.
ويؤكد التقرير أن ليس هناك أثر للحمض النووي في مسرح الجريمة لأحمد أبو عدس المتهم بالقيام بالتفجير، وليس هناك أي شاهد أو دليل على وجوده على مسرح الجريمة وقت حدوثها، في حين يظهر شريط فيديو في قناة "الجزيرة" يعطي فيه هذا الشخص معلومات عن قيامه بإسم جماعة "النصرة والجهاد في بلاد الشام"، بتلك الجريمة، وكل الذين يعرفونه يؤكدون بأنه لايعقل أن يكون مثل هذا الشخص عضوا في مثل تلك المنظمات الإرهابية. بل إن هذه الجماعة لم تكن موجودة من قبل، لا في سوريا ولا في لبنان، حسب ما يذكره التقرير. وادعاء رئيس مكتب قناة الجزيرة غسان أبو جدو في بيروت حول وصول الشريط إليه من على شجرة بعد اتصال هاتفي لم يثبت، حيث يذكر التقرير بأنه في كل الأحوال لم يلاحظ حراس الأمن المستجوبين حيث توجد تلك الشجرة أي حركة غير اعتيادية بشأن وضع الشريط على الشجرة أمام الاسكوا أو أخذه من قبل أشخاص...

يذكر التقرير أن انتقالات وتحركات واتصالات الشهيد الحريري كانت موضع مراقبة دقيقة ومستديمة للأجهزة الأمنية السورية واللبنانية، وكانت هناك تداخلات هوائية قوية على أجهزة التشويش المرافقة في عربة الشهيد الحريري المكلفة بمنع تشغيل أجهزة التفجير من بعد، ومع ذلك عرقلت الأجهزة السورية التحقيق بشكل جيد ومناسب لحجم الجريمة في هذه النقطة الهامة من نقاط التحقيق.
إن الاتصالات التي جرت بين (6) هواتف مشتبه بتنظيمها ومتابعتها لعملية الاغتيال، قد تمت قبيل العملية وبعدها، فيما بينها، وفيما بين الشيخ عبد العال، الشخصية الهامة في حركة الأحباش الخطيرة في لبنان والتي لها علاقات حميمة بالمخابرات السورية حسب ما يذكره التقرير، وتم شراء الأجهزة الهاتفية تلك من قبل أناس يشتبه في أن لهم علاقات حميمة مع الأجهزة الأمنية اللبنانية والسورية.
وتمت اتصالات مكثفة بين هذا الزعيم الأحباشي وجهاز أمن الدولة اللبناني في يوم التفجير، كما تمت الاتصالات بين أحد هذه الأجهزة وضابط المخابرات السوري جامع جامع، ومع هاتف مصطفى حمدان من الحرس الجمهوري اللبناني، وتلقى الشيخ عبد العال هذا مكالمة في 11 فبراير 2005 من غرفة الهاتف ذاتها التي خرجت منها المكالمة إلى "قناة الجزيرة" بعد قليل من التفجير في 14 فبراير. كما أن لهذا الشيخ علاقات غريبة بمخزن سلاح مهم تم اكتشافه في جنوب بيروت في تموز 2005.
وفي الوقت الذي يشير فيه التقرير إلى عدم وجود دليل على أن هناك تسريبات أو متآمرون من داخل الفريق المرافق للحريري، فإنه يتهم كبار الضباط اللبنانيين الأمنيين ومنهم ( اللواء جميل السيد، مصطفى حمدان، ريمون عازار، علي الحاج وناصر قنديل...) والضابط السوري الأمني رستم أبو غزالة والسيد أحمد جبريل الزعيم الفلسطيني، بأنهم "قدموا تجهيزات لوجستية لدعم العملية، وبخاصة المال ووسائل الاتصالات، والعربات، وأجهزة التنصت والأسلحة والبطاقات الشخصية المزورة... وكان على علم بالجريمة قبل وقوعها...
ويقول التقرير بأن ناصر قنديل هو الذي اقترح في نهاية الأمر التخلص من الحريري، وطلب من الأوساط الدينية اللبنانية القيام بحملة لتشويه سمعة الحرير، وشاركه في ذلك تنظيم حزب البعث في لبنان بهدف " التخلص منه نهائيا وانهاء حياته السياسية وتجميل صورة الرئيس اللبناني لحود."
وعليه فاللجنة تستخلص أن خيوطا عديدة تتجه مباشرة إلى "مسؤولي الأمن السوريين كونهم متورطون في عملية الاغتيال." و"مطلوب من سوريا أن تجيب عن أسئلة كثيرة وملحة لاتزال مطروحة، وتستمر في التعاون مع لجنة التحقيق الدولية بجدية بعد أن حاول مسؤولون كبار في سوريا تضليل اللجنة من خلال اعطائها تصريحات خاطئة أو غير صحيحة." وعلى قاعدة الأدلة الحسية والوثائق المجمعة والدلائل التي تم التوصل إليها فإن هناك – حسب التقرير- "دليل متكون يشير إلى تورط سوري ولبناني في هذا العمل الإرهابي."

بعد هذا كله لابد وأن يسأل المرء نفسه: " ماذا سيكون مصير نظام كهذا إن توصل الخبراء الدوليون إلى نتيجة مفادها أن النظام السوري متورط فعلا في عملية اغتيال دولية كبيرة ؟ "
طبعا هناك اغتيالات قديمة أخرى، مثل اغتيال رئيس الوزراء السوري الأسبق صلاح الدين البيطار ، ومن بعده يوسف زعين ، والزعيم اللبناني كمال جنبلاط ... والصحافي الفلسطيني سليم قصير، ومحاولات اغتيال مروان حماده والصحافية اللبنانية مي شدياق مؤخرا وغيرها من المحاولات والجرائم ستكون مثار نقاش وسؤال عما إذا كان النظام السوري هو الذي قام بها... وهذا منحى خطير سيؤدي إلى اسقاط النظام البعثي حكما، سواء عن طريق فرض عقوبات دولية وحصار اقتصادي عن طريق مجلس الأمن وجر مسؤولي البلاد إلى المحاكم الدولية كمجرمين وإرهابيين.. أو عن طريق ضربة عسكرية قاصمة كما حدث لنظام البعث التوأم في العراق عام 2003...
هنا تأتي أهمية دور المعارضة الديموقراطية والوطنية السورية لانقاذ البلاد من كارثة محققة ، ويجب الإسراع بعمل جدي وحاسم، كما يفعله الطبيب الذي يرى أمامه مريضا لابد وأن تجري له عملية جراحية خطيرة وإلا فإنه سيفقد الحياة.. ولكن هل من مهام المعارضة انقاذ النظام واعادة الحياة إليه أم انقاذ البلاد؟ طبعا إن مهمة المعارضة هي انقاذ البلاد من شرور هذا النظام لا التورط في حبائله الإعلامية التي تريد إظهاره بريئا جنت عليه الأقدار والدول والمصالح الكبرى في العالم. وإن كان حقا بريئا فلماذا قدم وزير الخارجية السورية معلومات خاطئة وعرقل بعض المسؤولين التحقيق أو لماذا انتحر غازي كنعان الذي كان الآمر الناهي في لبنان قبل اغتيال الحريري.
وحقيقة فإن إعلان دمشق قد جاء في وقته، ولكنه إعلان لايلبي طموحات مختلف تيارات وقوى ومكونات الشعب السوري ويحتاج إلى تصليح وتصحيح وتعديل وتوضيحات.. ولن يكون له أي تأثير حقيقي ما لم يدخل بعد القيام بما يلزم لكسب الذين لم يؤيدوه بعد ، حيز التنفيذ بسرعة قصوى، ليرى العالم أجمع أن السوريين من مختلف الفئات والطوائف والمذاهب والقوميات والآيديولوجيات، قادرون على تجنيب بلادهم كارثة اقتصادية أو سياسية، وأنهم يرفضون الإرهاب في الداخل والخارج ولا يدعمونه ، ويعلنون بأنهم أبرياء من سفك دماء اللبنانيين والعراقيين الأشقاء، بل لايقبلون أن يحكمهم نظام يشير إليه تقرير اللجنة الدولية للتحقيق بأصابع الاتهام...
 

 

 

جميع حقوق الطبع محفوظة لدى كردستانا بنخَتي     ©      Çapkirin ji Hiqûqê Kurdistanabinxeteye 

   

 

 Kurdistana Binxetê

 كردستان سوريا

 Kurdistan Syrien