|
المدينة الوديعة تحت أجنحة
دمشق- وامتداداً لتاريخ حافل وحكايتها موجودة على صفحات الإنجيل ـ
ا لكتاب المقدس ـ أنها مهدا لحضارات والأديان السماوية يؤمها
السياح من كل حدب وصوب ليشاهدوا معالمها الأثرية ومهارت الأيدي ا
لتي أستخدم في بنائها منذ آلاف ا لسنين ـ أجمل ما فيها خل ل فصل
الشتاء تساقط نداف الثلج بيضاء كحليب أمي, وكنيستها الأثرية
بأرتفاع نواقيسها تعانق زرقة ا لسماء وكأنها ملاك إلاهي جعل منها ا
لنظام السوري مركزاً لأعتى سجن عرفه التاريخ... داخلها مليئة
بسجناء ا لرأي والحرية اقساماً – وفروعاً - وغرف عمليات اجرامية
ومكاتب التحقيقات، وغرف ا لانتظار الطويلة لملاقاة المحققين الذ ين
لا يحملون من الشهادات سوى الأعدادية بل حصل على رتبهم كلها كنموذج
فخري من القيادة وعند الدخول يفاجئك المناظر المخيفة وكأنك تدخل
مركزاً للعمليات العسكرية في الجبهة أو على حدود الجولان المقابل
لإسرائيل كيف أشتهر أ سم صيدنايا...
أشتهر اسم صيدنايا ليس بأوابدها ومعالمها وكنائسها وجمال طبيعتها
أو محبة أهلها الكرام لكن نجمها برز في سماء سورية بعد بناء سجنها
ا لمعروف لدى كافة شرائح المجتمع ا لسوري حتى ا لشخص ا لعادي وا
لأمي في سوريا يعرف ما ذا تعني صيدنايا أي ا لسجن وا لخوف، والرعب
كانت الصحافة العالمية المسموعة و المقروئة و المرئية. جعلوا من
غوانتانامو معجزة العصر الحديث من حيث التعذيب الو حشي، وما يجري
بداخلها فصيدنايا حسب اعتقادي، و اعتقاد تسعة وتسعين بالمائة من
الشعب السوري هو غوا نتانامو سوريا - على شاكلة قصر النهاية في
بغداد - و سجون النازية ومعاقل الديكتاتورية و سجونها في قلب
كوسوفا كما أن هناك سجوناً على غرار سجن صيدنايا --- كسجن تدمر في
قلب ا لصحراء التدمرية والمنطقة المحاذية لها مليئاً بالأجساد التي
تم تصفيتهم تحت التعذيب على نمط المقابر ا لجماعية في العراق ثم
سجن عدرا، و غيرهم من السجون حتى جعلوا من سوريا بحدودها ا لجغرافي
سجناً كبيراً يعيش فيها هذا الشعب المغلوب على أمره أن جميع سجون
سوريا و بدون استثناء مسرح العمليات الاجرامية بحق الإنسان و
الإنسانية و كل من يشرفون على هذه السجون أتى بهم السلطة بمشاركة ا
لنظام المخابراتي من الشوارع، ومعدومي الضمير. كالعصابات الذين
يحملون شهادة عليا في الاجرام - وأصحاب الكفا ءات في عمليات ا
لتعذيب الوحشي بأصنافها المتعددة ومن هذه الأعمال على سبيل المثال
- الدولاب - و ا لكابل ا لرباعي ـ و الكرسي الكهربائي ـ وبساط
الريح ـ والكرسي الألماني ثم نوعية أخرى من التعذيب ا لجسدي ـ
كتعليق السجناء من أيديهم و أرجلهم لساعات طوال حتى يفقد الوعي و
الحركة و وضع سجناء الرأي في غرف أ نفرادية مظلمة مساحتها يسع لأن
يجلس السجين فيها فقط موصودةٍ بباباً حديدي حتى ملك الموت لا
يستطيع ا لدخول إلى الغرفة و لو حدد ساعة موتك بطريقة إلاهية، و
الشيء المضحك و المبكي أن الخروج من الغرفة الانفرادية إلى الحمام
لقضاء الحا جة يتطلب ساعا ت من الصياح و تكتكت طويلة على الباب ـ و
التوسل إلى عناصر السجن للسماح لهم بالدخول إلى بيت الحا جة --- أن
كان السجين محظوظاً يفتح له الباب أحد العناصر و يقضي حاجته وأن
كان سيء الحظ لا يجد من يساعده ـ فيعملها في غرفته ـ ويحاسب بعد
ذلك على فعلته ------
الكثيرون من سجناء ا لرأي أصيب بأ مراض القلب داخل ا لسجون دون أن
يقدم لهم أبسط الحقوق و الواجبات من معالجتهم لدى الأطباء حتى ولو
كان على نفقة أهلهم
وذويهم ـ ومن ا لغرابة في الأمر يعذبون السجناء بأدوات حادة ـ ولا
يخلى الأمر من التعذيب المستورث من الدولة العثمانية عند أحتلالها
للوطن العربي إلا وهي ـ الخازوق ـ كأبشع أنواع ا لتعذيب في غياهب
تلك السجون ـ كل ذلك لم يشف غليلهم بل أفرغوا حقدهم الدفين
وعنصريتهم اللعينة عندما أقدموا على حرق مهجعين في سجن الحسكة
المركزي بعد أجراء تعديلات فيها بنقل سجناء العرب من هذين ا
لمهجعين وجلب سجناء أكراد من المهاجع الأخرى و رشرشٌ المهجعين
بمادة سريعة الأشتعال وأضرموا النيران فيهم وهم خلف قضباناً مقفلة
ـ تحترق أجسادهم لتصبح رماداً أسوداً كوجه حزب البعث و تحت أنظار
محافظ الحسكة اللقيط و قيادة المحافظة ـ هناك الكثيرون من السجناء
منذ عشرات السنين مختفياً عن الأنظار رغم محاولات أهلهم للعثور
عليهم - على الرغم من أن كلمتين أو جملتين من مسؤولي هذه السجون
يضع لهذه المشكلة حلاً جذرياً - أما ميتاً ـ أو موجوداً هنا وهو
على قيد الحياة ـ أن الزيارات في السجون السور ية أما ممنوعاً أو
أيجاد و سيط مقابل مبالغ طائلة من المال بحيث لا يتعدى المواجهة
أكثر من خمسة عشرة دقيقة فقط كما لا يفرج عن السجناء السياسين إلا
بكتابة تصريح خطي موقعاً عليه من قبل السجين بأنه لا ينضم إلى أي
تنظم سياسي محظور في سوريا و يوافق على التعامل معهم بصفة عميل
مخفي لنقل المعلومات إليهم سراً عن أوضاع منطقته و ما يجري فيها ـ
ومن هنا نستطيع القول بنبذة عن الأبتسامات ا لضائعة السجن أهلك
قواهم على مقاومة التحدي عدا أرباب ا لسوابق الذين لا يعانون من
عذابها كما يعاني سجين الرأ ي بل كان يبد ولهم أحياناً مثل بيوتهم
وواحة راحتهم المفضل لكن مأسا ة السجون لا يشعر بها إلا ذاك ا لشخص
الذي أعتقل من فراشه في ساعة متأخرة من الليل بتهمة خطر على أمن ا
لدولة فيهتز أطرافه و تتساقط دموعه ليس خوفاً بل غضباً و تشتعل
أحزانه رغم قسوة السجن وقيودها هناك من يضحك حتى
و لوكان في عيونه الدموع ـ إما سجين الرأي ـ يجلس في زنزانته
وحيداً مهموماً ـ جدراناً صماء و أبواب محصنة لا يستطيع أي إنسان
الخلاص منها مهما كان مراوغاً وتمضي الأيام و الشهور وهو في عزلة
عن العالم و المجتمع و العائلة والوطن يصبح شعره أشعث طويل ولحية
متدلية مشبعة بالبيا ض رغم صغر سنه ـ
أيتها البسمة الضائعة ـ لما لا تتكشرين في وجه الظلم والاستبداد ـ
لما لا تقاتلين قوانين الإضطهاد ـ إليس الأمل هو الحصول على الحرية
الغائبة الضائعة ـ لما لا تبحثين عنها بين دفا ترى التاريخ القديمة
أو في أزقة المدن الخاوية والمهاجرة مع الطو فان أو بين أنقاضها
التي تفوح منها رائحة الموت و الد مار ـ لما لا تبحثين عن جثتي بين
قوافل الذباب الذي يحط الرحال على أشلاءٍ ممزقة متفسخة على شكل
مقابر جماعية ـ ضاع كل شيئاً خلف أ سوارك أيها السجن المظلم
والكئيب ـ لقد أسقطوه الناس من ذاكرتهم بموجب قانو ن صادر من
الرئاسة تحت اسم ـ المنسي ـ ويطبقها محاكمهم التي لا تغلق أبوابها
بل كان العمل فيها على قدم وساق ـ رحل الليل كله دون أن يحس فيها
إلا عندما سمع صوت المؤذن في مسجد السجن ـ ا لله أ كبر - الله أ
كبر -- فأنهمر الدموع من عيونه ورفع بيديه إلى ا لسما ء يدعو الله
أن يكتب له مخرجاً ثم يقو م إلى ا لصلاة بدون وضوء مصافحاً جدران
زنزانته على أمل الخلاص ـ لكنه ـ ما كان يعلم بأن القانو ن في
بلاده أخذت إجازة مفتو حة
|