K.binxetê - 18.07.05

أوراق اعتماد الكاتب( الكاتب الكردي نموذجاً) 1/3   
 
ما الذي يميّز الكاتب عموماً والكاتب الكردي خصوصاً؟
إبراهيم محمود

 
ثمة ما يفصح عنه، ما يجعله أو يحيله أو يبقيه كاتباً، لأن ثمة ما يعبر عنه، ليكون معروفاً به.
يتقدم الكاتب اسمه، حيث ليس في وسع أي كان، التقدم بنص قد يُستغل، أو يكون مثار تساؤلات، دون أن يتقدمه اسمه، بوصفه تأكيداً لملكية ما يدوّنه. وليس تخلي الكاتب عن اسمه، إلا التعبير الأمثل عن رغبته الطفروية أحياناً، في أن يكون المجرد من الاسم، أن يكون كائن اللااسمية، فرداً، أي التخلي عن شرط وجوده الانساني، طبعاً في الحالات التي لا تستوجب التقدم باسم حركي، خشية تربص خطر معين به، أو كإجراء احترازي، ولكنه حين يتقدم باسم حركي، وسط أسماء أخرى حقيقية، وتُشتمُّ من كتابته رائحة عنف، أو حدة معينة، ومنافسة للكتابات الخاصة بأسماء فعلية، فإنما يمارس نفاقاً وخداعاً لا يتجاوز حتى محيطه الذاتي، إنه في الحالة هذه، يكون الكائن المنقسم على نفسه، خارج نطاق حرفته الذاتية ككاتب.

في الحديث عن الكاتب، يكون أو يأتي التنوع في الممارسة الكتابية: من الأدب في مجمل أنواعه وتفرعات الأنواع هذه، إلى الفلسفة أو التفلسف كنتاج معايشة فكرية وجهد ذهني مستديم.
الكاتب هو بداهته الذاتية، حين يتلمس في حقيقة ما يكتب، حقيقة كونه كاتباً، إنه آخره الذي يريد تعزيز نفسه في وسط لا يمكن تجاهل القيمة المعطاة استثناء له، مثلما هو أوله حين يبصر عالمه الخاص من حوله ويريد تسميته بأسماء تجلوه قيمة ومرتبة، لأن الكتابة استثناء ذاتي: موهبة أو ممارسة جهود مضنية، خلاف جملة الوظائف الأخرى في المجتمع . والكاتب هو حقيقته المضاعفة طالما أنه يريد تجاوز ذاته الفردية، إنه لم يعد حمَّال وجهه الشخصي وما إذا كان ثمة علامة فارقة للتعرف عليه في حالات خاصة، ربيب اسمه( اسم العلم المميّز له في البطاقة الشخصية)، ثمة اسم آخر، لقب، يحيله من دائرة اليومي، الحدثي، ليقيمه في دائرة الآتي، في الفضاء الرحب للذين لم يلتق بهم، سواء بلغته أو بغير لغته عبر الترجمة، من خلال ما يكتب طبعاً، وهنا يبدو الكاتب مؤثراً. إن خطورة دوره تتمثل في كونه أولاً وأخيراً فاعلاً اجتماعياً رمزي المدى، وناقلاً لمؤثرات اجتماعية
على طريقته، ومعبَراً لها بالمقابل، إنه هنا قد يكون للآخر الذي يتعرف على مجتمعه الذي يتحدث عنه بالرمز، كما لو أنه تاجر(بزنس) يتقدم ما يكتبه سوقياً، مهرب بضائع، مهرب ممنوعات، أو موسع حدود ببضاعته التي تتكرر بقدر ما تتنوع في نصوصها، فيكون المقروء كما لو أنه خلاصة مجتمع بكامله، الضمير الناطق باسمه.
قيمة الكاتب تتأصل في طريقة تعامله مع متغيرات مجتمعه، وكيفية انوجاده في مجتمعه هذا.
هنا يتفاوت الكتاب، بتفاوت مجتمعاتهم، تتفاوت مجتمعاتهم المتخيلة والكتابية ذاتها داخل المجتمع الواحد نفسه،، تتفاوت طرق تعبيرهم، طرق تواصلهم مع بعضهم بعضاً، سبل توضع مجتمعاتهم في نصوصهم.لا أتحدث عن الكاتب بوصفه صاحب مهام رسولية، أو مبشراً فيما يعتقده أو يتفكره، وإنما باعتباره رسالة لها لغتها الخاصة، كل قارىء يقرأها حسب مستواه الثقافي.لكن ما لا يمكن الاختلاف عليه، هو مدى صلة الكاتب بمجتمعه، حيث الاختلاف هنا مرتبط بعمق أصالته.
تتجلى قيمة الكاتب، وفي حالة الندرة خصوصاً، بالنظرة التي يوليها ذاته، وما إذا كانت ذاته تتضمنها أم لا، وذات الكاتب ليست طلسماً، لتتنوع الردود، إن حضور الكاتب الفعلي كمؤثر وكمؤشر ثقافي مجتمعياً محدّدُ قيمته.
كيف يمكن للكاتب الكردي أن يتحدد بحضوره الرمزي؟ ما أكثر الكتاب الكرد، ما أقل حضور الكاتب الكردي!
في الحالة الأولى يكون الاستعراض القيمي الاتباعي، وفي الحالة الثانية يكون الاستنهاض القيمي الابداعي!
يعيش الكاتب الكردي تحولات مجتمعه، في الحالة الأولى ينخرط في التحولات بعض أثر منها، وفي الحالة الأخرى يعايش التحولات ويكون فاعلاً فيها، أو على الأقل مختلفاً عما يجري بمتحوله الابداعي المعرّف به.
هل من أصالة مميّزة للكاتب الكردي، وأين هو موقعها؟أعني بالأصالة مدى انخراط الكاتب في قضايا مجتمعه، بعيداً عن منبريات حزبية أو تحزبية، أي بوصفه الكاتب الذي يتقدم صوتاً يفجّر صمتاً، باعتباره ذاتاً تتحدى
دنيويتها أو فنائيتها تعبيراً عن أبدية انسانية مرجعها، عن مرجعها الرئيس:
العام، والخاص ككردي، فالأصالة هنا تحيل المفهوم إلى بداية جلية بأبعادها القيمية الباذخة، لأنها تمتح وجودها من ذات منمذجة، ذات أضحوية في النهاية، لا يبقى منها سوى الاسم.
ما الذي يؤكد هذه الأصالة؟

أشير هنا إلى حدث 12آذار كمقياس رئيس، لا يمكن تجاهل مصداقيته التاريخية! إنه الإمضاءة الأكثر فصاحة ووضوحاً ونبلاً، لإبراز خاصية الأصالة تلك. إن من ينفي هذه الخاصة كمرجعية قيمية لا تُدحض، إنما يريد إلغاء تاريخ كان يراد منه مشروعاً ربما متعدد المراحل تنفيذاً، لتذرير واستئصال شعب بكامله، أعني الكرد
هنا، وفي الوقت نفسه يريد تجاهل البعد البطولي والاستبسالي لشعب برز نضوجاً تلاحمياً في مختلف أعماره، وهو يؤكد حضوره الكمي والنوعي، في الوقت الذي كان يتم تبخيسه عدداً ومدداً وقيمةً.
هنا، بوسعي القول، إن كل الذين عرَّفوا بأنفسهم كتاباً كرداً، كما لو أنهم ممثلو غيرهم، بوصفهم متجاوزين سن الرشد، وظلوا بعيدين عن الحدث، وكأنه لا يعنيهم في شيء، إنما أفصحوا عن كردية مضادة في ذواتهم، كردية لا يراد لها دخول التاريخ الحي، تاريخ الفعل الاجتماعي المأثور، طالما أن المجتمع المكوَّن من جموع أفراده، يكون في الحيّز الثقافي المتجدد والناهض، محمولاً معرفياً بذوات بضعة أفراد من هؤلاء.
أعني هنا كل الذين تميزوا بفراسة القلم وانسيابية مداده هنا وهناك، وما كانوا يدخرون جهداً لتأكيد هذه الخصلة الاعتبارية، ثم كان سباتهم، أو تيههم الأربعيني الصحراوي، ثم صحوتهم وهديهم، وكأن ما جرى لا يشكل تاريخاً فارقياً يمكن التوقف عنده، بقدر ما برز هذا التاريخ نعززاً لسلوكات كتابية مقحمة على التاريخ ذاك ومشوشة عليه، في مناح كثيرة.
بوسعي القول، إن هناك حاجة ماسة لوضع صنافة اعتبارية تاريخية لمجمل ما كُتب آذارياً، وفي المجالات كافة، وعلاقة المكتوب بصلب الحدث كردياً، لأن التاريخ اللاحق لا تقوم له قائمة فعلية إلا اتكاء على تاريخ سابق، أعني التاريخ الحدثي الآذاري، الذي لازال في انتظار مؤرخيه ونقاده التاريخيين، للتمييز بين مادة وأخرى من جهة فاعليتها، وحقيقة الاسم المتصدر لكل مادة، لا بل وتدوين قائمة أسماء الذين مارسوا عملاً بطولياً ذوداً عن مجتمعهم العام، وضمناً عن مجتمعهم الخاص ككرد. لا بد من سلم معياري لفهرسة مستجدات الأحداث والذين برزت أسماؤهم الشخصية كتاباً ومعايشة حية لها، ليتشكل المرجع التاريخي الفعلي قبل التلاعب
بما حدث.

بوسعي القول، إن الكثيرين من كتابنا الكرد الذين انكفؤوا مهزومين لائذين بالصمت المثير للتساؤلات، صمت لا يتطلب تأويلاً، وإنما يحتاج موقعة حسابية قيمية، بتدوين بقائمة رموزه، حتى لا يكون لاستعراضهم أمام ملأ معين، ذلك الصدى المرغوب فيه، بوصفهم شركاء في تفعيل قيمة الحدث كردياً، وربما يبزون في مشهديات استعراضياتهم داخلاً وخارجاً، أولئك الذين سعوا إلى تقديم الفعل على القول فيما كتبوه.
أتحدث هنا عن تلك المواقع الكردية الانترنتية، وظاهرة تزكية أسماء مُبروَزة بصورها، عن القيافة المولَّفة كردياً للصور والكتابات منابرياً، للذين سعوا إلى توجيه الحدث كما لو أنه لا يُدرك إلا من قبلهم هم فقط، والإطار التاريخي لما كتبوه، والصلات الممسرحة تغطيةَ على قصور لا يُستدرك، لأن الحدث لا يتكرر هنا.
وفي الحالة هذه، لا بد من التوقف عند أولئك الكتاب العرب الذين أفصحوا عن مدى حرصهم على مجتمعهم، وعن تضامنهم مع الكرد شعباً وقضية وجدانياً، مقارنة وتوضيحاً بما أفصحنا فيه.
يمكن أن يقال أن هؤلاء، وكان للبعض منهم حضور لافت ومتكرر كقيمة أخلاقية ومجتمعية، في أكثر من  موقع أو منبر كردي، وأن الذين كتبوا بوصفهم عرباً، يضيئون خانتهم الانتمائية، ويقوون الصلات الطرفينية، ويكونون بما كتبوه متقدمين على جملة الكتاب الكرد الذين كان عليهم أن يؤكدوا مصداقية الكلمة لديهم، ولم يجرؤوا على الكتابة، بالقدر الذي كان لصمتهم المريب التأثير السلبي على الذين منحوا كتابتهم مصداقية القول تلك، بوصفهم قلة، ولهذا يبرز الفارق الكبير بين المفهومين : الكمي والنوعي للكتاب، والتأثير السلبي على مجتمعهم، لأن ثمة كثيرين تتحدد مواقف حدية لهم، من خلال تنوع الأصوات الكتابية، وهو ما لم يتم.

لا أقول هنا، إن ما أصَّله كتاب عرب من مواقف مجتمعية وأخلاقية، يُفتخَر بها، يجعلهم أكثر كردية من جملة الكتاب الكرد الذين استسهلوا الصمت إلى أجل غير مسمى، في عمل بطولي معكوس ، وإنما يبقيهم أكثر تمايزاً انسانياً عربياً، ليكونوا بالتالي فعل قيمة اجتماعياً ومدخلاً حوارياً أكثر نجاعة لمواجهة الخطر المشترك.
أقول أيضاً، إن الذين بخسوا الكتابة حقها من كتابنا الكرد، واستحضضوا ذواتهم( من الحضيض)، وأوجدوا المبررات التي تزيد الحضيض حضيضية، لم يستجيبوا البتة للحد الأدنى للصوت المجتمعي، وللكردي المهدور دمه، أو على الأقل، المنزوع الاعتبار الانساني، فكانوا استعراضيين بالقدر الذي أفصحوا عن ثبات مواقفهم، دفاعاً عن كردية خاصة، تضيق بكينونتها بين جنبيهم، وهي تُمتهن خارجاً بصور شتى.
إنها أوراق اعتماد الكاتب الكردي، ذاك الذي يعزز حضوره القيمي في التاريخ بما يتعزز به خارجاً، وذاك الذي يعزز تاريخاً في ذاته، بوصفها ذات التاريخ، بما يتعزز به وهمياً داخلاً.
 

 

 

 

 

جميع حقوق الطبع محفوظة لدى كردستانا بنخَتي                      ©  ***     ©                       Çapkirin ji Hiqûqê Kurdistanabinxeteye

 

الرجوع×××

الأرشيف

 Kurdistana Binxetê

    كردستان سوريا  

 Kurdistan Syrien