K.binxetê.28.07.05  

يوسفيّات إبراهيم اليوسف
فنجان قهوة....! إليك

منذئذ لم أشرب القهوة…!
إبراهيم اليوسف


ثمّة مقولة ، يتناقلها أفراد أسرتي - دائماً – وهي أن هناك دعاءً "علينا"، من قبل أحد جدودي كي نظلّ على الدوام لا نملك أكثر من ثمن الرغيف اليوميّ....!
ولعلي ، حاولت ذات مرة أن أبين زيف هذا الإدّعاء،حيث خضت إحدى مسابقات المدرسين إلى بلد نفطي،بعد أن فوتّ عشرات الفرص الذهبية على نفسي قبلها،منطلقاً من قناعة مفادها عدم العمل،أوالكتابة في صحافة" البترودولار" ،قائلاً :لو صفّوا لي الريالات من هنا إلى الرياض أو دبي أو...، لن أغادر مدينتي ،وهو ما أقوله الآن ، أيضاً ،كلما عرض علي السفر إلى بلد أوربي!
أجل ، خضت تلك المسابقة ، ونجحت فيها بتفوق ،حيث كنت قد حصلت على أعلى درجة في الامتحان الكتابيّ،ونلت رضا وإعجاب اللّجنة في الامتحان الشفاهيّ،وأعلن عن اسمي بين عداد المقبولين في ذلك البلد،وبدأت أتابع إجراءات الّسفر،من فحوص طبيّة ، وشؤون وشجون جواز السفر،وسوى ذلك، ومن ثم وقّعت على عقد سفر،وطلب منّي المسؤول أن أزوره في صباح اليوم التالي في أحد الشقق الفخمة،من" حي الفحّامة" في دمشق ،حيث كان يقيم...!
صباحاً،تأخّرت – نصف ساعة – عن موعدي على عادتي،وأنا أفكّر بإعداد اعتذار أقدّمه لهذا الرجل النفطي ، وحين وصولي وجدت صالون الانتظار مليئاً بالمدرّسين الذين حظيوا معي بالقبول ، ومنهم بعض زملائي من قامشلي....
سألتهم عن الرجل النفطيّ،فقالوا لي : إنّه ، لا يزال غارقاً في سباته الكهفيّ ، وأنّ هناك فلسطينيّاً وأردنيّاً يعاونانه، لمّا يزالا بدورهما نائمين.،وآثار سهرة عامرة ، خاضوها ليلة البارحة، تفضحها زجاجات و كؤوس الويسكي، المتروكة في الصالون الكبير والتي تكذّب مزاعم " الرجل" وهو يتركنا مع موعد كلّ صلاة، معتذرا ًمنّا لأداء الفريضة...!
بعد مرور حوالي ساعة ، من الزّمان،فتحت ثلاثة أبواب-دفعةً واحدةً تقريبا ً- لتخرج منها ثلاث حسناوات ،كلّ منهن من غرفة ، كي أتفاجأ بصاحبي ، يناديني باسمي ، أدخل غرفته،وهو يطرد النوم العالق بعينيه ، تدخل خادمة فائقة الجمال ، تبادر بالتحية وهي تقول :
ماذا تأمر أستاذ؟
-قهوة –!
قالها دون أن ينظر في وجهها،كي تخرج، بينما- المعلّم وهو من جيل أحد أولادي – يدقّق باستعلاء أوراقي، لتعود بعد قليل- تسبقها رائحة القهوة الممتعة التي أدمنت احتساءها مع أغاني شفان ومرسيل وقصائد النواب ،والكتب السرية التي كنا نتبادل قراءتها- وهي تحمل طبقاً فيه فنجانان من القهوة ،تضعهما أمامنا بكلّ أدب ولطف دمشقيين، كي يطلب مضيفي منها أن تعيد أحد الفنجانين ، فتتلقّفه على الفور، ثم تضعه على الطّبق ،مرتبكة، وهي تنصرف مرّة أخرى ،،وأنا أقول: كم الرّجل لبق !، لقد طلب لي القهوة دون أن يشتهيها، ودون أن يكون من هواة شربها، مخمنا ًحبي الجنوني لها ...
فجأةً ، تمتدّ أصابع الأستاذ عادل إلى فنجان القهوة، يهمّ بارتشافها، فأحسّ في أعماقي ، بغضب هائل، بل ،لأسأله: ترى لمن أبقيت الفنجان يا أستاذ؟!
- لي..
يقولها دون أدنى إحساس متوخى بالخجل في مثل هذا الموقف الرّهيب..
- وأنا?
- أستاذ إبراهيم ، لا أريدك تكسر الحاجز بيننا منذ الآن...
يتحوّل هذا الغضب في أعماقي إلى بركان ينفجّر، بغتةً ،فأقول له: أتهينني وأنا في بلدي ؟،
ولم أترك شتيمةً سوقية ً – من خارج معجمي الشّخصي، إلا وأوجهها إليه بدءاً من"ه "وانتهاء بمن أخاف من الإقرار بذكر اسمه، هنا ، ثم- سرعان - مامزّقت عقدي الموقّع ورميته في وجهه مشفوعاً بالبصاق ، كي أحسّ أنني – فعلاً –ثأرت لكرامتي...
ثم انتزعت جواز سفري ، وشهادتي الجامعية من بين يديه، وهو يرتبك كفأر مذعور، كي يؤنّبني أصدقائي : فهد وحسن - ممّن أتذكرهم الآن ، قائلين لي : كان عليك أن تتحمل ، غير أنني انصرفت خارج الشقة ، رافعاً رأسي، سائرا ًبزهو وكبرياء كبيرين، أحسّ بأنني أمتلك كل العالم الآن ، وبعد مرور عدة سنوات على تلك المعركة الكبرى التي انتصرت فيها ، لا يزال أقراني هؤلاء قائمين على رأس عملهم هناك، وهم يأتون - صيفاً – إلى مسقط رأسهم ، بسياراتهم الفارهة ، والجميلة ،يمرون من قربي ، في عزّ حرّ الظهيرة ، دون أن يتكرموا بإلقاء التحية عليّ، بعد أن اشترى كل منهم بيوتاً فخمة ،في أكثر من مدينة ، وأمنوا أرصدةً ماليةً لأحفاد أحفادهم ، ليموت في صدري حلم قديم، في أن أشتري" استراحة" على طريق حسكة – قامشلي – متأكّداً من (لعنة ) جدّي على سلالته لئلا تبطر ونكون أوفياء لقناعاتنا....!_
 

 
 

جميع حقوق الطبع محفوظة لدى كردستانا بنخَتي     ©      Çapkirin ji Hiqûqê Kurdistanabinxeteye 

  

 

 Kurdistana Binxetê

 كردستان سوريا

 Kurdistan Syrien