|
القرار الكوردي لدى بعض الأطراف الكوردية, لايزال, الى حد ما,
خاضعا لنفوذ بعض المتآمرين المستكردين المتواجدين بين الكورد
هل يتمكن بعض المتآمرين المتواجدين بين الكورد من افساد هذاالظرف
الذهبي الحالي أيضا على الكورد مرة أخرى ؟!
وهل حان الوقت المناسب ، للتخلص سياسيا من نفوذ بعض المتآمرين
المستكردين المموهين داخل صفوف بعض الفصائل والجمعيات والمؤسسات
السياسية والثقافية والاعلامية الكوردية، أولئك المتآمرون الذين
كانوا ولا يزالون, بدفع من السلطات الغاصبة أو بدافع الحقد والتآمر
الخاص لدى أولئك المتآمرين على الكورد المهددين ، يتسللون الى تلك
الصفوف واللفعاليات الكوردية ، منذ بدايات القرن الماضي، ومرورا
بزمن اشتداد الحرب الباردة السوداء والى الآن، وذلك بغية وضع
الحركة والفعاليات الكوردية تحت كونترول تلك السلطات الغاصبة بشكل
واضح ، والعمل على تشتيتها وتفتيتها لتتصارع عشوائيا سياسيا
وأحيانا عسكريا فيما بينها، ومقاومة كل جهد وحدوي بينها ، وكذلك
العمل على توجيه برامجها النظرية والعملية في المسارات الخاطئة
والضارة لمصالح الشعب الكوردي المضطهد والمهدد ، بحيث ان تكون
موجهة ضد مصالح القوى الدولية المهمة في العالم ؟!
طبعا، كما هو معلوم ، بأن المصيبة الكبيرة ، التي ألمت بالشعب
الكوردي على مدى قرون طويلة ، منذ بدايات الفتح الاسلامي عموما ،
ومرورا بالعهد العثماني خصوصا، وما رافق ذلك ، من تبدل وانعطاف
سلبيين كبيرين في جوانب الحياة القومية والاجتماعية والاقتصادية
لدى الكورد ، الى درجة , أنهم حتى في العصر الحديث القريب ، في
مرحلة تفكك الخلافة العثمانية ، وتشكيل دول عديدة في المنطقة من
قبل الحلفاء الأوروبيين على اثر ذلك التفكك ، وعدم تهيئة الكورد
أنفسهم آنذاك ، للترحيب وللتعاون مع الحلفاء، بغية تشكيل كيانهم
القومي المشروع كغيرهم ،ومن ثم تعرض الكورد ، وخصوصا خلال ظروف
الحرب الباردة السوداء, لشتى صنوف الاضهاد والتآمر من قبل السلطات
الدكتاتورية الشوفينية والبعض من العناصر المتنفذة المتآمرة
(المتواجدة بين الكورد) مع تلك السلطات ، كل ذلك شكل تراجيديا
تاريخية مفروضة ، تلقي بظلالها السلبية على مصير هذا الشعب ، وذلك
نتيجة بعض أخطاء ذاتية قاتلة, و ظروف موضوعية تاريخية طارئة قاهرة،
أودت, ولقرون طويلة ولا يزال بعض الشيء، الى مصادرة قراره الحقيقي
بخصوص ادارة وتنظيم ذاته في جغرافيته التاريخية.
فبعد تشكيل دول عديدة على أنقاض الخلافة العثمانية قبل وبعد الحرب
العالمية الأولى في البلقان، جنوب غرب قفقاس ، وفي الشرق الأوسط،
وذلك بمساعدة الحلفاء ( بريطانيا، فرنسا، ايطاليا، روسيا القيصرية
وغيرها) ، رغم ذلك، لم تتمكن الحلفاء من متابعة مسعاهم الكامل,
لتحرير مناطق الشعب الكوردي التاريخية المحتلة في تركيا، ولتحرير
المناطق الأرمنية واليونانية ـ البلغارية الأوروبية المتبقية
والمحتلة من قبل تركيا ، وذلك رغم فرض الحلفاء على القيادات
العثمانية بالتوقيع في معاهدة سيفر سنة 1920 على التنازل عن تلك
المناطق أيضا، ومن ثم الغاء ذلك ثانية اثناء ابرام الحلفاء اتفاقية
لوزان المشؤومة مع تلك القيادات سنة 1923 ، وذلك لاسباب عديدة،
منها طارئة اضطرارية متعلقة بظهور الاتحاد السوفيتي الشيوعي الذي
بدأ يمتد جنوبا حتى الى جنوب غرب قفقاس , وتمكن من عقد علاقات قوية
مع القيادات العثمانية بهدف تشكيل مقاومة مشتركة ضد الحلفاء وضد
مساعيهم المذكورة، وكذلك لكون تلك المناطق الكوردستانية والأرمنية
واليونانية ـ البلغارية الأوروبية المذكورة واقعة في نهاية سلسلة
المواقع التي كانت تبدأ الحلفاء عبرها بمقاومة العثمانيين وتداركهم
الوقت في اكمال سيرهم نحو تلك المناطق، وخصوصا كان ذلك وللأسف
الشديد في غياب تعاون الكورد مع الحلفاء ، بعكس الأرمن واليونانيين
الذين هبوا بتصميم قوي آنذاك بالتعاون مع الحلفاء ولمقاومة
العثمانيين ، بل وقد قاوم الكورد وللأسف الأشد قوات الحلفاء في
تركيا، سوريا وفي العراق خلال قدوم واستقرار قوات الحلفاء في تلك
المواقع المحررة، أي كان عمل الكورد تلك، كعمل الذي يقطع الشجرة من
تحت أرجله. حيث كان آنذاك ، حتى أن بعض القبائل العربية في صحراء
الجزيرة العربية ، كانت تتعاون مع الحلفاء في مقاومة العثمانيين ،
وذلك ، لأن بعض خبراء الحلفاء ( مثل : الانكليزي الملقب ب لورانس
العرب ) كانوا قد اتصلوا مسبقا مع تلك القبائل ، ليعلموهم ويحضوهم
على التعاون معهم من أجل مصالحهم أيضا كما كان أولئك الخبراء
يعلموا لتلك القبائل، بأن الخلفاء العثمانيين لا ينتمون لأهل البيت
من قريش، وكذلك ان مركز الخلافة يجب أن لايكون استنبول ، بل يجب ان
يكون لديكم العرب . وكذلك نظرا لتحرير الانكليز لمصر مسبقا من
النفوذ العثماني، كان خبرائهم يقومون بتوعية العديد من المثقفين
الوافدين من بلاد الشام الى هناك ، وحضهم على تخليص بلادهم من
النفوذ العثماني . حيث كان ذلك صعبا جدا آنذاك ، وفي غياب وسائل
الاتصال الحديثة، ان يقوم خبراء الحلفاء لأوروبيين بالتواصل مع
وجهاء ومثقفي الكورد بغية توعيتهم قوميا وحضهم على التعاون معهم في
مقاومة العثمانيين ، وذلك لبعد المناطق الكوردية من مراكز الاحتكاك
والتفاعل مع الحلفاء ، ولشدة مركزية الهيمنة التركية ومراقبتها على
تلك المناطق، بالمقارنة مع المناطق الغير كوردستانية. حيث كان
أحيانا فقط بعض خبراء الأرمن واليهود واليونانيين المتواجدين أو
المتجاورين بين ومع الكورد ، يقومون بصعوبة وبخوف شديد من السلطات
العثمانية التركية بمحاولة توعية الكورد قوميا وتحرريا، لكن ذلك لم
يكن يلقى آذانا صاغية بشكل جيد لدى الكورد، وذلك نظرا ، كان قد
تأثر الكورد ولقرون عديدة بالثقافة والعقلية العربيةـ العثمانيةـ
الاسلامية.
وهكذا تكتفي الحلفاء بتشكيل ذلك التوازن في المنطقة وتزداد وتيرة
الصراع بين الغرب الرأسمالي والشرق الاشتراكي الشيوعي، خصوصا في
زمن الحرب الباردة السوداء المملة، ويتم تدليل السلطات الشوفينية
الدكتاتورية لتلك الدول الناشئة والقديمة المتبقية الغاصبة
لكوردستان ولبعض المناطق الأرمنية واليونانيةـ البلغارية
الأوروبية، من قبل المعسكرين المذكورين كليهما بسبب طبيعة تلك
الحرب.
ويبدأ الكورد ، متأخرين ، بالاستيقاظ خلال معمعان ذلك الظرف القاسي
، ويقومون رغم العوامل الذاتية والموضوعية الغير مهيئة بالنضال
السياسي والمسلح تبعا لطبيعة كل جزء كوردستاني للمطالبة بحقوقهم
القومية والاقتصادية والاجتماعية المشروعة، ويقدمون تضحيات مادية
ومعنوية كبيرة جدا، ولكن دون تحقيق مكاسب هامة تذكر. حيث كان
أحيانا قليلة يقوم كل من قطبي المعسكرين ولدوافع صرف تكتيكية عرضية
مؤقتة بتقديم بعض الدعم القليل لبعض أطراف حركة التحرر الوطني
الكوردستاني ، ولكن سرعان ما كانا يتخليان من ذلك، ومن ثم ليتعرض
ثانية الى المزيد من النكسات والتشرد من جراء ذلك ( كما دعم
السوفييت قيام جمهورية حكم الذاتي الكوردستاني في بعض مناطق
كوردستان الشرقية، ومن ثم تخلي السوفييت السريع عنها وبالتالي
سقوطها، وكذلك تقديم USA بعض الدعم عبر ايران الى حركة تحرر الوطني
الكورستاني الجنوبي في أوائل أو أواسط السبعينيات ، ومن ثم تخليها
السريع آيضا عنها وبالتالي حدوث النكسة والتشرد ) .
وكذلك ، خصوصا أن الأجزاء الأربعة لكوردستان هي مغلقة، أي لا تجاور
دول غير غاصبة لكوردستان سوي حدود أرمينيا في الجزء الكوردستاني
الشمالي ، تلك الحدود التي أيضا تتحكم بها بقوة, السلطات التركية
نفسها، وكذلك على أساس أن كردستان لا يطل على بحار مفتوحة خارجية،
خصوصا بعدما أختارت السلطات التركية , ضم لواء الاسكندرون اليها في
عام 1939 ، عندما خيرتها فرنسا بذلك، لقاء عدم مشاركة تركيا الى
جانب ألمانيا في الحرب العالمية الثانية ، ومن ثم قيام السلطات
التركية بنقل القسم الأكبر من الكورد وتشريدهم الى عمق المناطق
التركية ،وتشريد قسما آخر الى سوريا ، وكذلك تشريد الأرمن المتبقين
من الأبادة السابقة الى سوريا ولبنان وغيرها. وقد كان وقع اختيار
تركيا على تلك المناطق الساحلية ، لأنها كانت ذات أغلبية كوردية
علوية ناطقة بالكوردية والتركية والعربية ، وكذلك لأن فرنسا كانت
قد عرضت على ابراهيم هنانو ( الكوردي ) مسبقا، بأن يشكل حكومة
ادارة ذاتية أو شبه أقليم ذاتي تحت الانتداب الفرنسي ، يشمل تلك
المناطق الساحلية مع مناطق ادلب وأريحا وغرب حلب ، كونها
ديموكرافيا ، كانت ذات أغلبية كوردية ، وذلك على غرار أقليم أو
دويلة العلويين ، التي سمحت فرنسا لهم بانشائها ، عندما قدم بعض
وجهاء العلويين البارزين بطلبات الى سلطة الانتداب الفرنسي ، بأن
العلويين ليسوا عربا وليسوا مسلمين سنة أيضا، وقد ظلت تلك الدويلة
حتى سنة 1936 ، حيث عرض بعض وجهاء العلويين ، من بينهم كان أيضا
المرحوم سليمان أسد ، جد الرئيس بشار الأسد ، طلبا آنذاك الى
الفرنسيين ، يطلبون فيه الانضمام ثانية الى الدولة السورية
المركزية ، وذلك خوفهم من تهديد السنة الناطقين بالعربية والحكومة
السورية المركزية لهم بعد رحيل القوات الفرنسية المرتقب من سوريا،
لأنه كانت سلطة الانتداب الفرنسي كانت قد أعلنت في تلك السنة عن
رحيل مرتقب آنذاك . غير أن ابراهيم هنانوا كان وللأسف الشديد ،
بدافع من الأتراك ، وكذلك بدافع الغباوة والعقلية الأوسمانلية ،
يرفض ذلك العرض الجميل من فرنسا, ويستمر في المقاومة ضد القوات
الفرنسية ، التي حررت هي وبريطانيا معا سورية والعراق وغيرهما من
النفوذ العثماني .
كما كانت السلطات الغاصبة لكوردستان تقوم خلال ظروف حرب الباردة
تلك ، والى الأن ، بدفع بعض القيادات الكوردية والكوردستانية الى
تبني برامج نظرية وعملية معادية للغرب الديموكراتي أيضا, لأن
السلطات التركية المتعاقبة , ذات الخبرة القديمة التي حصلت عليها
منذ الحرب العالمية الأولى ومن بعدها اتفاقية سيفر المشرفة مؤقتا
1920 ، ومن ثم اتفاقية لوزان المشؤومة لاحقا 1923 ، بخصوص اللعب
على هاجس الغرب من التوسع السوفيتي الشيوعي آنذاك وحتى انتهاء
الحرب الباردة السوداء , والتي كانت قد أعطت تلك الخبرة التقليدية
الى السلطات الغاصبة الأخرى أيضا ، كانت ولايزال تلك السلطات
الآربعة, تعلم جيدا ، بأنه مهما وكيفما كافح الكورد من أجل حقوقهم
في غياب دعم ومساندة الغرب لنضالهم ، لايمكن أن يوفق الكورد في
مسعاهم ذلك . لذلك رأت تلك السلطات ، على أساس أن الكورد على كل
أحوال, قد استيقظوا بوجودهم كشعب خاص ومضطهد، وطبعا, أنه سوف يحاول
دوما المطالبة بالتحرر، وأن الغرب أيضا سوف يقوم حتما, وفق سياسة
مصالحه, بتحريك المسألة الكوردية متى ما سمحت له الظروف ودعت حاجته
الى ذلك . لذلك فضلت وعمدت تلك السلطات المتعاقبة الغاصبة دوما في
ظروف حرب الباردة ، أن يكون ذلك النضال في أي جزء كوردستاني, كفاحا
مسلحا ضاريا متهورا ، وببرامج قومية متطرفة خيالية في بداية نشوئه
في تلك الظروف الغير ملائمة دوليا وأقليميا وحتى ذاتيا أيضا ،
وكذلك ليكون ذلك النضال في نفس الوقت موجها في جوانب نظرية وعملية
معينة موجها ضد مصالح وتوجهات القوى الدولية المهمة عالميا، بدلا
من نضال سياسي هادئ ودقيق وهادف مناسب لتلك الظروف الصعبة، وذلك
لكي يتسنى قانونيا مزعوما, وسط صمت دولي وداخلي, لتلك السلطات
الغاصبة بشكل أكثر ، أن يعيقوا ويدمروا البنية التحتية والفوقية
للكورد ويشردوهم ، ويغيروا أوضاعهم الديموغرافية ، بحيث لا يتمكنوا
من الاستقرار والتعلم والتطور الاجتماعي والاقتصادي .
وفي هذا الاطار كانت تستغل تلك السلطات وضع الكورد المتعطشين
ببراءة للنضال المشروع من أجل نيل حريتهم ، بأن تحرض بعض القيادات
الكوردية الوطنية البريئة ذات النضوج الثقافي والسياسي المتواضع ,
لتعتمد تلك الحركات على الأغلب خلال تلك المرحلة والبعض منها حتى
لوقت قريب على السلطات الغاصبة، على أساس تناقضاتها المزعومة، ولم
يكن يجلب ذلك سوى الدمار والتشرد والحرمان من التطور الاقتصادي
والاجتماعي والعلمي بشكل أكثر ودون تحقيق نتائج مهمة تذكر . وهذا ،
ماحدث في الأجزاء الكوردستانية الثلاثة ( العراق، تركيا ، ايران )
في تلك المراحل الصعبة. وكذلك تمت محاولة جر كوردستان سوريا أيضا
في أواسط ونهايات الخمسينيات من القرن الماضي ، الى تلك الحالات
المؤلمة ، والعديمة الجدوى ، عندما تمكن بعض المتآمرين المتواجدين
بين الكورد ، والمتفاعلين سياسيا وأمنيا منذ ذلك الوقت مع بعض
فصائل حركة القومية العربية البعثية والناصرية ، وبتحريض من
السلطات السورية, بدفع بعض الأخوة من وجهاء الكورد البريئين
الوطنيين ذوي النضوج الثقافي والسياسي المتواضع ، بسن برنامج قومي
خيالي متطرف لحزب ديموكراتي كوردستاني سوريا ، خصوصا بالنسبة الى
ذلك الظرف الدولي والأقليمي وحتى الذاتي الغير مهيء اطلاقا . وفعلا
، كما كان مخططا مسبقا، فقد قامت أجهزة الأمن السورية بحجة ذلك
آنذاك من جهة, باعتقال وتعذيب العديد من قادة الحزب الوطنيين لعدة
سنوات ، وملاحقة أعداد آخرين من كوادر واعضائه، الأمر الذي أدى الى
تخلخل الحزب وتشتته في مهده , مع ملاحقة أو اعتقال رمزي محدود
مصطنع في السجن أو في مراكز ترفيه وتدريب لأولئك المتآمرين، الذين
ما لبثوا (هم أنفسهم ) بعد ذلك ، مستغلين حملة السلطات تلك، ووفق
ما كانوا مخططين ذلك مسبقا مع السلطات ، بأن يروجوا ويحرضوا هذه
المرة الكورد البريئين أيضا، بوضع برنامج متطرف آخر في منتهى
الخطورة لبنيان الوجود القومي للشعب الكوردي في مناطقه التاريخية ،
ألا وهو كان محاولة ازالة الصفة القانونية الطبيعية، التي تمثل
الكورد كشعب يقيم هناك . أي بأن يتم اعتبار الكورد , كأقلية مهاجرة
متناثرة هنا وهناك في سوريا كالأخوة الشركس وغيرهم. ولكن ، ولله
الحمد، قد تمكن هذه المرة وقتئذ بعض الأخوة الكورد الوطنيين
الناضجين ثقافيا وسياسيا من مواجهة مشاريع أولئك المتآمرين
وافشالها، وبالتالي اختيار برامج قومية وسياسية معتدلة متواضعة
متناسبة لتلك الظروف الدولية والمحلية والذاتية الصعبة الغير
ملائمة , وذلك عبر نضال سياسي محدد, ودون التناذل عن حقوق الكورد
كشعب يقيم على أرضه التاريخية . كذلك أدى ذلك البرنامج القومي
المتطرف , بأن تصعد السلطات السورية من احراءاتها ومشاريعها
العنصرية اتجاه الشعب الكوردي ، تجريد عشرات الآلاف من الكورد من
الجنسية, وحرمانهم من الانتفاع بالأراضي الزراعية, ومن العمل لدى
الشركات العامة ، اجراءات التعريب ... وغيرها.
وكان هناك أيضا خطرا كبيرا مهددا ومكملا لما كان مخططا مسبقا من
قبل السلطات التركية والسورية , لتشريد الكورد شبه كليا من مناطقهم
في كوردستان سوريا نحو المجمهول في ذلك الظرف الأسود, كاد أن ينشب
، بعدما طبقت السلطات البعثية الشوفينية تلك المشاريع العنصرية في
أواخر الستينات ، كانشاء مزارع الدولة ، حزام العربوي الأسود ،
تجريد الكثير من فلاحين الكورد من أراضيهم الزراعية الخصبة ...
وغيرها ، ومن ثم على اثر ذلك, محاولة بعض قادة الوطنيين من الحركة
الكوردية, المتواضعي النضوج الثقافي والسياسي آنذاك ، بالقيام
بعمليات مسلحة ازاء تلك التطبيقات العنصرية ، وذلك كما لمح آنذاك ،
بالاعتماد على بعض امدادات الأسلحة المفترضة من السلطة التركية
الغاصبة الأخرى ، وفي ذلك الظرف الصعب, دوليا ، الذي لم تهتم فيه
القوي الدولية الكبرى المتنافسة بما كان يجري في سوريا وتركيا
والعراق وايران وغيرها من اضطهاد ودكتاتورية وتمييز عنصري ضد
الكورد وغيرهم، بقدر ما كان يهم تلك القوى الدولية بشكل أساسي
آنذاك، التنافس فيما بينها ، فقط بارضاء وكسب تلك السلطات الغاصبة
ومثيلاتها الأخرى الى جانبها في مواجهة منافسيها الآخرين ،
بالاضافة الى أن الوضع الذاتي والديموكرافي والجغرافي للشعب
الكوردي ولطبيعة كوردستان سوريا ، هو غير مناسب للقيام بكفاح
وعمليات مسلحة هناك. حيث كما هو معلوم ، أن السلطات التركية
المتعاقبة كانت ولازالت ، تقلق ازاء الوجود الكوردي السكاني
والجغرافي في سوريا بشكل أكبر منه في الأجزاء الكوردستانية الأخرى
، وذلك نظرا الى امتداد كوردستان سوريا نحوى مشارف ساحل البحر
المتوسط ، وهذا يزعج ويقلق تلك السلطات منذ عقود والى الآن بشكل
أكثر بسبب الظرف الذهبي الحالي. لأن السلطات التركية وحسب خبرتها
التقليدية, ورغم مدها المستمر التقليدي بتلك الخبرة للسلطات
السورية المتعاقبة، كانت تشكك دوما بقابلية السلطات السورية،
باحتواء وبالتحكم القوي والمضمون على الوجود وعلى مسار الحركة
والفعاليات السياسية والثقافية والاعلامية الكوردية في سوريا . ومن
هذه المنطلقات كانت السلطات التركية في سنة 1939, قد أختارت لدى
فرنسا المنتدبة على سوريا آنذاك ، كما أسلفت سابقا، بأن تنضم مناطق
اسكندرون الساحلية, وذات الأغلبية الكوردية العلوية والأرمنية
آنذاك, ثانية الى تركيا، لقاء عدم مشاركتها الى جانب ألمانيا في
الحرب العالمية الثانية ، وكذلك بعد أن تخلت مقابل ذلك, حتى عن
مطالباتها الكثيرة لدى بريطانية بصدد لواء موصل الغني ، وذلك لكي
تتحكم هي بنفسها على تلك المناطق الساحلية، وتقوم بنقل وبتشريد
سكانها من الكورد والأرمن، ولكي تشكل بذلك سدا مانعا بين الكورد
والساحل البحري، لئلا تحاول , حسب هاجسها المخيف الدائم ، القوى
الدولية الغربية مستقبلا, التواصل والدخول عبر تلك المناطق الى عمق
كوردستان. آي كانت السلطات السورية تستفز الكورد بتلك التطبيقات
العنصرية من جهة، ولتقوم السلطات التركية باستغلال ذلك ، بأن تحرض
بعض قادة الحركة الكوردية في سورية آنذاك ، على الدعوة الى استخدام
العمل المسلح ازاء تلك التطبيقات البعثية العنصرية ، وذلك بموجب
تفاهم السلطات التركية والسورية معا حول ذلك التآمر ضد الكورد،
وذلك لكي يتسنى الحجج للسلطات السورية بشكل أكثر ، باستخدام القوة
العسكرية الكبيرة ضد الكورد ، بقصد ابادة البعض منهم، وتشريد البعض
الآخر منهم نهائيا من كوردستان سوريا ، وبالتالي ليتم, كما كان
مخططا، تغيير الوضع الديموكرافي لكوردستان سوريا كليا. غير أنه ،
من حسن الشنص أيضا، لم يكن آنذاك العديد من القادة الوطنيين
الكورد، والناضجين سياسيا وثقافيا، يوافقون على ذلك الطرح المسلح ،
بل كانوا يدعون حسب الامكانيات المتواضعة, ووفق طبيعة ذلك الظرف
الصعبة آنذاك، الى فضح واستنكار تلك التطبيقات البعثية العنصرية،
فقط عبر النضال السياسي السلمي ، وذلك عن طريق نشر بيانات
الاستنكار ، والدعوة الى القيام ببعض المسيرات والتجمعات
الاحتجاجية ضد تلك الاجراءات العنصرية،
وذلك لكي لا يتم تقديم تلك الحجج، التي كانت السلطات التركية
والسورية يخططون لها ، بابادة وتشريد الشعب الكوردي الى المجهول .
وهكذا كانت ولا تزال تلك السلطات توجه بعض العناصر المتآمرة(
المتواجدة بين الكورد )أو العميلة المدربة سياسيا بالتسلل الى داخل
الحركات السياسية والجمعيات الثقافية والاعلامية الكوردية
والكوردستانية, لكي يكون أولئك المتآمرون عيونا ساهرة للأعداء داخل
الحركة والفعاليات الكوردية، لتكون تلك الحركة تحت كونترول
أسيادهم، ولكي يوجهوا البرامج القومية والسياسية النظرية والعملية
لتلك الحركات والفعاليات الكوردية الى المسارات الخاطئة الضارة
للكورد. وحتى أصبحت تلك العناصر المتآمرة بفضل اسناد السلطات
الغاصبة لهم ، هي الغالبة والنافذة في ادارات البعض من تلك الحركات
والفعاليات السياسية والاجتماعية والاعلامية الكوردية
والكوردستانية. بينما كان الكثير من النخب الكوردية الوطنية
الناضجة سياسيا، منهم من كانوا يغادرون, بسبب ذلك يائسين, تلك
الحركات والفعاليات الكوردية، ومنهم من لم يكونوا، لتلك الأسباب
أيضا، يتحمسون بالانضمام والمساهمة فيها، وكذلك منهم، من كانوا
ينضمون ويساهمون ويستمرون بالبقاء في صفوفها (التيار الأكثر صوابا
في رؤيتهم )، رغم معرفتهم بتسلل أولئك المتآمرين الى داخل صفوف تلك
الحركات والفعاليات الكوردية, وذلك حسب رؤيتهم ، بأنه يجب المساهمة
والاستمرار بعملهم السياسي والتنظيمي وفق الامكانيات المتاحة في
تلك الظروف الصعبة، للقيام ، على الأقل ، بزيادة نشر الوعي القومي
والتنظيمي بين الجماهير الكوردية، ريثما وعلى أمل أن تأتي ظروف
محلية ودولية مناسبة، وبالتالي سوف يصبح تأثير أولئك المتآمرين
وأسيادهم ضعيفا وخاويا، و حتى أن تطهير تلك الحركات والفعاليات
الكوردية منهم عندئذ، سيصبح سهلا ودون مضاعفات ومخلفات سلبية تذكر.
طبعا في هذا الصدد ، تعلم القوى الدولية الديموكراتية EU-USA-RUS
جيدا آيضا بتلك الأمور السلبية التي خططتها السلطات الغاصبة في
مواجهة حركة التحرر الكوردية والكوردستانية , وبضرورة الحذر منها ,
اثناء التحاور مع بعض الوفود الكوردية أحيانا, بغرض محاولة التفاهم
والتنسيق بين تلك القوى الدولية وبين الكورد من أجل المصالح
المشتركة.
فبعد انتهاء الحرب لباردة تلك بدأ الغرب الديموكراتي الى حد ما
بالاهتمام النسبي الاستراتيجي بالقضية الكوردية وخصوصا في الجزء
الجنوبي، فدافع بقوة لاصدار قرار دولي لمجلس الأمن سنة 1991 بعد
الانتفاضة والهجرة المليونية ( وهنا تأتي أهمية النضال في الظروف
الدولية المهيئة) بانشاء بعض المناطق الآمنة هناك، ومن ثم مواصلة
الغرب الديموكراتي حماية تلك المناطق ( بشكل أقوى USA- بريطانيا )
حتى تحرير العراق سنة 2003 ، وذلك رغم تكاليفها ورغم معارضة
السلطات الغاصبة المجاورة وحتى الغير المجاورة لتلك الحماية.
وحتى ، ان أحداث 11.09.2001 الارهابية في USA ، جاءت من قبل
المجموعات الارهابية المدعومة والمحرضة من قبل السلطات الغاصبة
لكوردستان ، ومن قبل بعض السلطات العروبية النفطية في الخليج
والسودان واليمن وغيرها ، وكذلك جاءت زيادة دعوة تلك السلطات الى
التحريض على معاداة الغرب
، كانتقام ضد الغرب ، على حمايته لأولئك الكورد المضطهدين
والمهددين ، وعلى مساعيه الجدية بدعم قوى الحرية والديموكراتية في
الشرق الأوسط .
غير أنه، رغم ذلك ، استمر الغرب بتلك الحماية ، وم ثم حرر العراق
من همجية البعث ، ولايزال يصعد الضغوط المباركة على سلطة البعث
الشوفيني الهمجي الآخر في سوريا ، بغية تحرير الشعوب السورية منها
أيضا.
ففي هذا الظرف الذهبي الحالي في السنوات الأخيرة ، الذي بدأ خلاله
تلوح في الأفق , آمال قوية على امكانية حصول الكورد على حقوقهم
القومية والاقتصادية ,الى حد ما, بشكل واسع في مناطقهم التاريخية ،
يقوم أولئك المتآمرون المتواجدون بين الكورد بالتواطؤ مع السلطات
الغاصبة بشكل أكثر تآمرا من قبل ، والعديد منهم، كما ذكر سابقا،
أصبحوا في مراكز قيادية وادارية نافذة لدى بعض الأطراف السياسية
والجمعيات والمؤسسات الثقافية والاعلامية الكوردية ، ليوجهوا
سياسات وبرامج تلك الأطراف والفعاليات الكوردية نحو المسار المضر
لمصالح و لأماني الشعب الكوردي المضطهد. فهم يقاومون أي توجه وحدوي
كوردي جاد، ويعملون بشتى الطرق والأدوار والحجج المزعومة على اعادة
تجزئة أية وحدة سياسية كوردية منجزة أيضا . كذلك, هم يعارضون
التغيير الديموكراتي الحقيقي المدعوم من EU-USA المرتقب في سوريا ،
أي يعارضون ويرفضون ضغوط EU-USA على السلطات البعثية في سوريا،
وكذلك ينددون بالنشاطات المشروعة ، التي يقوم بها بعض الفصائل
والكتل الوطنية الكوردية في الداخل والخارج في هذا الظرف الموءاتي
، لأنهم ينزعجون ويخافون, حتى أكثر من تلك السلطات نفسها, من
التغيير المرتقب بالطريقة الأوروبيةـالأمريكية ، كونهم يعلمون
جيدا، بأن الشعب الكوردي سيحصل أيضاعلى حقوق قومية واقتصادية
وادارية أوسع وأضمن عبر ذلك النموزج من التغيير ، وربما الى مستوى
أقليم كوردستان الفيدرالي في سوريا المستقبل . أي أن أولئك
المتآمرين ومعهم السلطات البعثية والمجموعات القوموية العربية
والاسلامية الشوفينية المتطرفة يحاولون ويعمدون بشتى السبل، على
افساد هذا الظرف الذهبي على الشعب الكوردي وعلى التكوينات
الاجتماعية السورية الأخرى أيضا.
لذلك ، ونظرا لأهمية هذا الظرف المناسب ، وبغية اعاقة محاولات وعمل
أولئك المتآمرين ، واضعاف نفوذهم, وبالتالي ليتم لاحقا تطهير
الحركة والفعاليات الكوردية منهم, ينبغي على النخب وعلى الجماهير
الوطنية الكوردية ، أن يساهموا في العمل السياسي المنظم داخل
الحركة والفعاليات الكوردية وبروح المسؤولية الوطنية في هذه
المرحلة المصيرية, من أجل انتزاع الحقوق المشروعة للشعب الكوردي ،
قبل أن يفسد أولئك المتآمرون هذا الظرف المناسب على الكورد مرة
أخرى.
|