|
غسان مفلح مرة أخرى دعوة لفتح حوار بين المعارضة السورية
..
لمعارضة السورية واللعبة المزدوجة
ـــ 1 ـــ
بداية لابد من الإعتراف بالتالي :أولا
ــ تحللت من الخوف قليلا ولكنني
لازلت أعاني من ضغط رقابي ليس قليلا
أبدا , هذا الخوف يتعلق بعاملين ــ
السلطة من جهة ورفاقي من جهة ثانية ـــ
كما أن الخوف هو وليد ما
خربه القمع والسجن في داخلي , وأنا من
الناس الذين خاضوا تجربة مرة في
السجن ومرارتها تكمن في علاقاتي مع
رفاقي من نفس الحزب وهو حزب العمل
الشيوعي في سوريا , وليس مرارة السجن
بخافية على أحد . دون الدخول في
تفاصيل تلك المرحلة المبكية من تاريخ
حياتي الشخصية وفقط سأروي الحادثة
التالية:
بعد مضي أحد عشر
عاما ونصف على وجودي في المعتقل رفض أحد
الرفاق القياديين في الحزب أن يسهر في
مهجع موجود فيه غسان المفلح ,
والسبب يتمحور حول نقطة ظاهرية وهي أنني كنت قد
حاولت طرح مساومة مع
النظام السوري 1993 وكان قد مضى على هذا الأمر
ست سنوات سجن, ألا تكفي
؟؟!!! ] السبب في العودة المؤلمة
بالنسبة لي إلى هذه الفترة هو أنني
بحاجة للقول : عزاء المعتقل السياسي هو
: ألا يخرج حاقدا على السلطة التي
استباحت كينونته بالكامل , فما بالك على
رفاق ألمه ومعاناته , وربما
تألموا أكثر مني بكثير , لأن
الحفاظ على الموقف السياسي ــ بعد
التغيير الأيديولوجي للفرد ـــ من
زوايا[ أخلاقية ]هو موقف على غاية من
الصعوبة على المستوى النفسي والذهني ,
وأنا في الواقع لم أكن كذلك وجزء من موقفي كان نابعا من خوفي من
السجن المديد وعدم قدرتي على تحمله . وهذا
الأمر هو جزء من هدر فظيع لإحساس الفرد
في حقه بالحياة أنا كنت أخاف الموت
في السجن , كنت في الوقع أعيش هذا
الهاجس بشكل لحظي :والسبب الذي ضغط
على روحي أكثر في هذا الأمر هو أمي
وأعتقد كثير من الرفاق يعرفونها عندما
كانت تأتي لحضور جلسات محاكماتنا في
محكمة أمن الدولة السيئة الصيت
والسمعة : نعم كنت أخاف الموت قبل أن
تراني أمي في خارج أسوار هذا السجن
الحقير , ولكن ماتت أمي قبل أن تراني
خارج السجن ماتت قبل خروجي من هذا السجن بأقل من أسبوعين بعد مرض [
إحتشاء في العضلة القلبية أستمر يهددها
بالموت ست سنوات] ماتت قبل أن أراها
وأنا خارج من فرع فلسطين .
ثانيا ـــ ربما للحديث الشخصي
طعم جارح لهذا سأبتعد قدر الإمكان عن ذلك ,
وكتبت أولا ما كتبته كي أعبر عن مكون
أساسي تمتاز فيه المعارضة السورية
وهو :الخلاف السياسي يمكن بسهولة أن
يتحول إلى قطيعة شخصية بين
المختلفين وهذا أمر جعلني السجن أكثر
تماسكا في تجاوزه , كما أنه يتحول
إلى سيل مكشوف أو سري على طريقة النساء
التقليديات إلى وتوته أو تشهير
على العريض بحق أو بغير حق واللوحة
السورية في المعارضة واضحة ولا تُحجب ,
وهذا مثال ما جرى منذ فترة بين أكسم
نعيسة وبقية رموز حقوق الإنسان في سوريا
على أثر
تصريح ناري لأكسم نعيسة وأنا لا أدافع
هنا عن أكسم لأنه
لا يختلف كثيرا عن الآخرين في هذا الأمر وهذا
ليس هو المهم , لكن السؤال هل
يمكن أن يجاس أكسم والأستاذ هيثم المالح
على طاولة واحدة للحوار ,
والأمثلة كثيرة وهي السائدة نسبيا وهذا إن دل
فهو يدل على أن البنية
العامة لهذه المعارضة هي بنية لا ديمقراطية ,
سرعان ما يتحول الخلاف
السياسي إلى معادلة مشحونة بأبعاد وجدانية : حب
وكره تسفيه وترفيع ,قدح
وذم ..الخ وبعيدا عن ذلك سنقوم بإبداء رأينا وعلى قاعدة احترام
الجميع بالمعنى الشخصي , ولكن لابد من
التأكيد على أن العلاقة
بين
البشر كمعارضين ليست شخصية ولا يجب أن
تبنى على هذا الأساس, بل هي من
المفترض أن تكون علاقة مؤسسية بالمعنى
القانوني للكلمة بالدرجة الأولى ,
وهل هي كذلك ؟
لا أظن هذا السؤال هامشيا في مجرى الفعل
المعارض في
سوريا , بل هو سؤالا مركزيا : كيف نبني علاقة
مؤسسية حقيقية داخل أحزاب
المعارضة وجمعياتها المدنية ,وبين هذه
الأحزاب والجمعيات فيما بينها ؟
هذا السؤال في الواقع من الضروري أن
يفتح حوارا وبحثا مهمين داخل التكوين
السوري المعارض حزبيا ومدنيا
.
بداية ثانية : لابد من التمييز
فعليا
بين العمل المدني والعمل السياسي وأن تتقبل
القوى السياسية مؤسسية وحتى
بيروقراطية مؤسسات المجتمع المدني
والتوليدات اليومية لمؤسسات تعنى بقضية حقوق الإنسان , وبالمقابل
على تنطيمات المجتمع المدني وحقوق الإنسان
أن تفك ارتباطها السياسي والزعامي مع
الأحزاب السياسية , وهذه مسألة على
غاية من الصعوبة في سوريا لأسباب كثيرة
أهمها :
1 ـ المستوى السياسي
المصادر من قبل السلطة طوال أربعة عقود
من القمع والتنكيل وهذا لم يفسح
المجال لشيء من المعارضة المؤسسية
.
2 ـ وبالتالي غياب الإرث
الديمقراطي عن الفعل السياسي المعارض.
3 ـ اللغة البطولية والشعرية التي
كان يفرضها العمل السري على الخطاب
السياسي أدى إلى إنتشار هذه الروحية الزعامية لدى الفرد السياسي ,
هذه اللغة التي ارتبطت بفترة ما بشبكة
الملفوظات التقريظية للفعل المعارض
وغياب للفعل النقدي داخل صفوف هذه
المعارضة.
4 ـ حداثة نشوء
العمل المدني والحقوق إنساني بلا إرث يذكر
في هذا المجال في سوريا وتحول الأشخاص
المعارضين ومن البنى اللاديمقراطية
نفسها للعمل المدني والحقوقي مما أدخل
هذا العمل في نفس البنية:
العلاقات الشخصية والزعامية الفارغة ـ
ــ ومن لم يستطع ذلك تحول إلى
الكتابة والتنظير البائس كحالتي وحالتي
كثيرة ومنتشرة في سوريا ولا داعي
للأسماء فهي لا تحصى ـــ إذن غياب الإرث
المؤسسي للعمل المدني في
سوريا , وأغلب النشطاء الحقوقيين ينظرون
إلى أنفسهم بوصفهم زعامات سياسية !!.
5 ـ حضور العصبيات
الطائفية والقومجية ـــ كروحية ــ في الفعل
المعارض خصوصا في الفترة الأخيرة وهذا
ما أدى إلى أنزياح لا ديمقراطي في
العمل السياسي والمدني بشكل عام
.
6ــ دخول البلاد في معمعة النتائج
التي ترتبت على الصراع الطائفي بين
الإخوان والسلطة سواء على مستوى نوعي
من القمع أو على مستوى ما فرضه هذا
الصراع من اصطفافات لا عقلانية في صراع لا عقلاني ودموي وخصوصا من
قبل السلطة التي فعلت الفعل الطائفي حتى آخر مدى
.
7 ـ العوامل الإقليمية
وحضورها في الفعل السياسي السوري :المقاومة الفلسطينية , الوضع
اللبناني , النظام العراقي ..الخ
ثمة عوامل كثيرة سنحاول التطرق لها في
السياقات القادمة من هذه الدراسة
والتي هي هدفها دفع الحوار المعارض ــ
المعارض إلى الأمام .
بعد هذه
المقدمة السريعة لابد من طرح الإشكاليات
الحقيقية للوضع السوري على بساط
البحث المعارض , والذي يستوجب من كافة
أطراف المعارضة تحديد موقف
أيديولوجي وسياسي واضح بدون مواربة على
الأقل في المستوى النظري :
1 ـ الإشكالية الطائفية
في سوريا,بما هي إشكالية مركزية موضوعيا وذاتيا في
المجتمع السوري[أهليا وسياسيا ] وهي
العقبة المركزية التي تواجه التغيير
السياسي والاجتماعي في
سوريا , وهي التي تتطلب برنامجا سياسيا
واضحا
بعيدا عن هذا الإنشاء اللغوي الفارغ في الحديث
عن حقوق الأقليات وما شابه
ذلك من إنشاء تعويمي بالمعنى السياسي
والحقوقي للكلمة .
2ــ طرح موقف
واضح من المسألة الكردية بنفس النهج
والوضوح : ثاني قومية في البلاد ولها
حقوق سياسية لا تقبل اللبس وهذا لا يعني
تهديدا لوحدة البلاد أبدا بل حفاظا
على هذه الوحدة من الإصرار السلطوي
والمعارض بالآن معا على التعامل مع
هذه القضية بشكل انتهازي أو قمعي أو
شوفيني . وهذا يتطلب من الحركة
السياسية الكردية أيضا التخلي عن هذا
المفهوم المبهم والملتبس ل
[
كردستان سوريا ] وهل هذا المفهوم
للإنفصال أم لتأكيد الحق التاريخي للكرد
في هذه المنطقة !!؟ أيضا مطلوب الوضوح
في هذه النقطة المصيرية .
3
ـ
الداخل/ الخارج : مقولة تبقى مناقشتها من
الخطوط الحمر في سوريا ,
والمطلوب خطابا سياسيا حول هذه النقطة , وليس
حشوا نظريا فارغا على طريقة
ما ورد أخيرا في بعض الردود
على الدكتور برهان غليون : وأسأل سؤالا
كمقدمة للحوار في هذه النقطة لماذا يسعى
النظام حثيثا للحوار مع أمريكا من
أجل الحفاظ على مصالحه ؟ بينما ممنوع
على المعارضة مثل هذا الحوار
السياسي ومنذ متى كان التفاوض أو الحوار
هو : عمالة أو خيانة ؟؟ إلا في
هذا الفهم الأيديولوجي المبستر والمعلب
قوميا للمعارضة السورية ؟ ببساطة
النظام يحاور أمريكا
فهل يعني هذا أنه مرتبط وعميل لها : لا
أظن ذلك !!؟ وهذا الأمر ينطبق على أوروبا وكل دول العالم
.
4 ـ الصراع العربي
الإسرائيلي : وكي يتفق الجميع يجب التعامل مع هذا الملف
وفق مستويين : الأول للفكر القومي
والثاني لحل قضية الجولان سورياٌ وبلا
استخدام هذه الورقة على طريقة الراحل :
لا حرب ولا سلم ونستمحكم عذرا والطوارئ والسلام عليكم ورحمة الله
وبركاته !!؟
5
ـ برنامجا واضحا للتغيير الديمقراطي :
ما دور السلطة فيه ؟ هل هنالك
تسامح مع المافيات السلطوية والنهابة
على أمل أن يتحولوا إلى أثرياء
المرحلة الجديدة أم لا ؟ على حد القول
:
عفا الله عما مضى وكفى المؤمنيين شر
القتال .
6
ـ تحديد موقف واضح وجوهري وبلا مواربة
من قضية العلمانية في سوريا
المستقبل وفصل الدين عن الدولة نهائيا
ولا يحنمل الوضع السوري اللعب على
هذه الورقة كما لعب عليها
النظام وصدر نفسه للعالم على أنه نظاما
علمانيا !! على كل سنتعرض لهذه القضية في سياقات لاحقة
.
العمل فعليا على طريقة منظمة العمل
الوطني الديمقراطي التي تم إنشاؤها في
اللاذقية وطرطوس ودير الزور .. الخ
وتوسيع ودعم هذا النشاط من أجل ثقافة
لا طائفية والقيام بنشاطات ميدانية
حقيقية على هذا الصعيد.
هذه المشكلات وغيرها سنحاول طرح رأينا
فيها لاحقا وتباعا , ونرجو أن تحقق هذه الورقة : على الأقل : فتح
الحوار ..
غسان المفلح
24/7/2005 |