|
لمن تضئ الشموع في نوروز ؟
زيور العمر*
يحرص الكورد مع كل حلول جديد ليوم نوروز, أن يسردوا حكاية الحداد
الكوردي " كاوى " , الذي انتصر لشعبه على الحاكم المستبد , و اشعل
النار على قمة الجبل , كبداية عهد جديد يسوده الأمن و الإخاء . و
بقي حرص الكورد على بقاءهم , موقداً , كلما تحركت شرور نزعة
التشكيك لدى أولئك الذين يشككون في حقيقتهم و تاريخهم و لغتهم , و
كل خصوصية تميزوا بها عبر التاريخ.
و مع هذا لا أجد من واجبي , ككاتب هاوي , أن اتحدث في قضايا محض
تاريخية , خاصة و أن هناك كتب و دراسات عديدة تزخر بها المكتبات
العالمية , تتحدث عن عراقة الشعب الكوردي و قدم وجوده على أرضه, و
مساهماته الحضارية و الإنسانية الخلاقة في تاريخ المنطقة. و مع هذا
هناك من يعد دراسات و ابحاث مهمة في معاهد الدراسات الإنسانية و
الإستشراقية في الغرب تتصدى لتاريخ الكورد بشكل مفصل و على أساس
علمي بعيد عن القراءة المزاجية , خيراً كان أم شراً.
و إنما أجد من واجبي , و أنا إنسان أعيش حياتي بلحظات و مراهناً
على ما تسعفني به إمكاناتي و طاقاتي الفكرية و الثقافية المتواضعة
, قراءة الأحداث المتجددة و الظواهر المتواترة في مجتمع " كوردي "
تشغله و تحركه الأمل و الطموح الجامح الى المستقبل ,عكس مقابله
الذي سعى و ما يزال الى قتل ذلك الأمل في وجدانه و و عاءه
الإنساني.
يحتفل الشعب الكوردي منذ آمد بعيد , بعيد نوروز, و شاركه في
الإحتفال , بهذا اليوم , العديد من الشعوب و الملل , تختلف من حيث
العنواين و تتفق على معانيها الإنسانية الواحدة . و لكن حيوية
الشعب الكوردي آبت إلا أن تكون لهذا اليوم , 21 آذار من كل عام ,
نكهة خاصة و معنى متميز , اكثر عمقاً و اصالة , تزاوج بين ما هو
قومي و إنساني في أن واحد.
فأضحى 21 آذار من جهة معروفاً في العالم , كعيد قومي للشعب الكوردي
يعبر فيه عن بقاءه و صموده و تطلعاته وطموحاته الى الحرية و
المساواة , و يخرج الى الطبيعة بكل تضاريسها الرائعة في الربيع ,
بين الأشجار و الزهور , في الوديان بين الجبال و ضفاف الأنهار حباً
في الحياة و نسغها الجاري و المتجدد.
لم تبقى نوروز أسيرة نخبوة كوردية تحتفل بها في الغرف المظلمة و
الندوات السياسية و إنما إنطلقت الى حيث أن تكون , في الطبيعة
الخلابة و في الشوارع الفقيرة حيث يخرج أبناء الشعب الكوردي في هذا
العام , حاملين في أيديهم الشموع لتضئ سماء الوطن الحالك و مغمورين
بمشاعر الأمل نحو المستقبل المشرق .
فقد كان نوروز 2006 إستثنائياً , بكل ما تحمل الكلمة من معنى , حيث
إمتزجت عطر دماء شعبنا الطاهر مع نسمة الربيع عندما خرج مئات
الالاف من الكورد في مدينة حلب , ثاني أكبر المدن السورية و عاصمة
الثقافة الإسلامية , و باقي المدن و البلدات الكوردية , منتصبي
القامات , مرفوعي الرؤوس , حاملين على أكتافهم هموم شعبهم و عبأ
معاناته و ظلم التاريخ.
نعم , كان عاماً و لا كل عام , إنطوى على أكثر من معنى , ووجهت فيه
أكثر من رسالة , فكانت شموع نوروز أقرب الى الأجراس التي تحذر من
مغبة الإستمرار في سياسات التهاون و الإنزلاق و البقاء في حالة
التشرذم و الفرقة دون الأخذ بعين الإعتبار تغير العهود و الأزمان
بين الزمن الغابر , الظالم و بين المستقبل الزاهر المشرق. لقد جسد
الشعب الكوردي وحدته من خلال الخروج الى الشوارع و الطبيعة على
السواء , مواجهين أدوات القمع و الإستبداد بصدور عارية و إرادة
واحد ة و متوحدة , لا تلين و , و ما على القوى و الأحزاب الكوردية
التي تتدعي تمثيله إلا أن يعبروا عن مشاعر المسؤولية في هذه
المرحلة العصيبة و الحساسة في تاريخ سوريا و الشعب الكوردي على
السواء. ناهيك عن الرسالة الواضحة الى النظام و مؤسساته القمعية و
المستبدة , محذرة اياه من مغبة الإستمرار في إضطهاد الشعب الكوردي
و تجاهل حقوقه العادلة , فضلا عن " المعارضة " العربية السورية
المتجاهلة لحقيقة الوجود الكوردي و تاريخه في سوريا , في رسالة
واضحة لا تقل وضحاً عن تلك الموجهة الى النظام و مفادها أن الكورد
لن يكونوا جزءا من معادلة التغيير التي يراد منها تحكيم البلاد من
قبل وجه أخر لا يختلف في العديد من تصوراته و مواقفه عن الوجه
الأخر للعملة القذرة المعروفة على أمتداد أربعة عقود من تاريخ
البلاد.
* كاتب كوردي
22/03/2006
|