|
قراءة في خطاب بشار الأسد: مراجعة ضرورية لأفكار الرئيس السوري
سوريا الحرة: المحرر السياسي
مرة أخري تخطيء القيادة السورية في حسابات الزمان والحدث حينما
تستدعي لغة في الخطاب السياسي تثير الفرقة والمرارة في لحظة فارقة
من لحظات التاريخ العربي.
ومرة أخري يستخدم الرئيس بشار الأسد من المعاني والألفاظ ما يثير
الحساسيات ويوجع القلوب.
ذلك أنه حينما يتعلق الأمر بقضية التحرر الوطني فإن الشرايين
العربية تتواصل لنتوحد نحن العرب أمام حقيقة لا يملك أي عربي
المساومة فيها وهي أن حراسة الأرض العربية مسئولية وطنية وقومية
يخونها كل من يساوم أو يماطل أو يتراخي أو يؤجل.
وفي خطابه الأخير أمام اتحاد الصحفيين السوريين خلط الرئيس السوري
أوراقا كثيرة في قضية التحرر الوطني التي تقتضي المسئولية
التاريخية أن نكون فيها أعلي ما نكون وعيا وصراحة، وذلك ما يدعونا
إلي مراجعة الحقائق مع الرئيس السوري حتي لا تختلط الأولويات أو
تتداخل المهام وحتي لا ننزلق إلي فاصل من الاتهامات المتبادلة
تتطاير فيها ألفاظ قاسية حول من هم الرجال ومن هم أنصاف الرجال؟ إذ
إننا نعتقد ونؤكد أن تلك لغة في الخطاب السياسي قد هجرناها
وكرهناها يوم أن اختبرنا سواعدنا فعبرنا بعزيمة الرجال أكبر مانع
مائي في التاريخ ودهسنا بإرادة الرجال أكبر حائط دفاعي شيدته
إسرائيل في تاريخها بل في تاريخ العالم كله، من يومها ونحن ندرك أن
السباب لا يحرر أرضا وأن الجعجعة لا تخلف طحينا ولا تطرد عدوا.
لا نقول ذلك في مقام المفاخرة برجولة الرجال التي ذهب يفاخر بها
الرئيس بشار لأننا ندرك أن فرحتنا منقوصة وأن عرسنا لن يكتمل إلا
بعد أن تتحرر الجولان العربية، وذلك ما يفرض علينا أن نراجع مع
الرئيس بشار ما أغفله في خطابه الأخير من حقائق.
أولا: لعل أولي هذه الحقائق أن سوريا الشقيقة قد أهدرت الكثير من
الوقت والجهد منذ منتصف السبعينات وحتي الآن في تعقيدات الداخل
اللبناني نعم قد تكون صرفت الأنظار ولو إلي حين عن قضية تحرير
الجولان بحجة حسم الأوضاع في لبنان، لكن التسويف في قضية التحرر
الوطني لابد له من نهاية، والنفوذ السوري مهما تقوي في لبنان لن
يكون عوضا عن بسط النفوذ السوري علي هضبة الجولان.
ثانيا: إن النفوذ السوري في لبنان قد طال بأكثر مما تسمح به
توازنات الداخل اللبناني حتي أصبح التواجد العسكري السوري غاية لا
وسيلة من وسائل التحرر الوطني وحتي أصاب الترف والوخم بعض القيادات
العسكرية والسياسية السورية التي طابت لها المغانم والمكاسب
الشخصية فراحت تتدخل في السياسة اللبنانية بأكثر مما تسمح به صيغة
التوازن الطائفي والسياسي في لبنان، وذلك ما جر علي لبنان نفوذا
دوليا وضغطا خارجيا انتهي بإخراج القوات السورية من لبنان.
ثالثا: إن أي محاولة تبذلها السياسة السورية لاستعادة نفوذها في
لبنان من خلال استثمار التحركات القتالية لحزب الله هي تكرار
لأخطاء لم تعد تسمح بها صيغة التوازن الدولي الحالية ولا مستوي نضج
وتوحد الحركة الوطنية اللبنانية ولا حتي درجة تطور الحركة الوطنية
السورية التي ظهرت عليها أعراض القلق السياسي بعد أن طال انتظارها
لتحرير الجولان فإذا بالقيادة السورية وطوال أربعين عاما منذ
احتلال الجولان وحتي الآن تؤجل الحسم وترفض التفاوض وترفع اللاءات
العصية، تدفع بقواتها المسلحة إلي الجنوب اللبناني فإذا هاجمتها
إسرائيل انسحبت بقواتها إلي سهل البقاع اللبناني دون أن يصب ذلك في
هدف استراتيجي غايته تحرير الأرض السورية، لذلك حينما يتجاهل
الرئيس بشار كل هذه الحقائق التاريخية ليعلن في خطابه الأخير (إذا
أراد أحد أن يلعب دورا لأسباب داخلية علي حساب مصالحنا وقضايانا
فهذا غير مقبول) فإنه يفرض علينا بذلك أن نسأله وبكل الصراحة التي
يقتضيها الواجب القومي:
من ذلك الذي يلعب دورا خارج أرضه لأسباب داخلية؟
ومن ذلك الذي اختار أن يحارب في غير ميدانه وبغير قواته؟
وهل لدي القيادة السورية مصالح وقضايا أهم من تحرير الجولان وبناء
الديمقراطية التي هي الضمان الأساسي لأي تنمية حقيقية لشعبنا
السوري الذي طال صبره وعظمت تضحياته فلم يسمع غير اللاءات التي
تعلق الحريات الديمقراطية لحين تحرير الأرض ثم إذا بها تؤجل الحسم،
فكيف بالله تسترد الأرض؟ وفي أي سابقة تاريخية استرجعت أرض محتلة
بتوزيع السباب وانتقاص رجولة الآخرين؟
رابعا: لم نعثر حتي الآن علي تفسير أو تأويل لإشارة الرئيس السوري
في خطابه الأخير إلي أن (سوريا لم تطلب من أحد خوض الحرب نيابة
عنها) إذ إن قضايا التحرر الوطني لا تتم بالوكالة ولا توجد شركات
دولية لإستعادة السيادة علي الأرض (تسليم مفتاح) وبالتالي لا يحق
للرئيس بشار أن يتباهي بأن سوريا لم توكل أحدا بالحرب نيابة عنها
لأن ذلك يدخل في باب اللا معقول سياسيا ووطنيا.
خامسا: لما كان الرئيس بشار قد ذهب يستثمر صمود مقاتلي حزب الله في
وجه الآلة العسكرية الإسرائيلية زاعما أن تلك الحرب قد أسقطت أصحاب
أنصاف المواقف وأنصاف الرجال، فإننا نهدي هذا الاستخلاص التاريخي
لسيادته مذكرين بأن العمليات العسكرية قد اندلعت في الجنوب
اللبناني علي إثر مطالبة حزب الله لإسرائيل بالإفراج عن الأسري
اللبنانيين والفلسطينيين مقابل الإفراج عن جنديين أسرهما حزب الله،
فهل لنا أن نرفع هذا المطلب للرئيس السوري مطالبين بالإفراج عن
الأسري اللبنانيين والفلسطينيين في السجون السورية والذين أكلت
الزنازين السورية أجسادهم بعد أن قضي بعضهم أكثر من ثلاثة عقود في
الحبس لم يشاهدوا فيها ضوء النهار؟
سادسا: إننا نتفهم طبيعة الضغوط الداخلية والخارجية التي تتعرض لها
القيادة السورية، كما نتفهم أيضا سعي هذه القيادة لتحقيق أي
إنجازات سياسية أو عسكرية تتقوي بها في مواجهة تلك الضغوط.. ولكننا
نذكر القيادة السورية بأن صمود مقاتلي حزب الله بسلاحهم الفردي
أمام غابة من العتاد العسكري يديرها محترفون إسرائيليون لا يعد
إنجازا سوريا... نعم لسوريا فضل في تمرير سلاح إيراني إلي حزب الله،
كما أن لها أيضا الفضل في دعم حزب الله ببعض العتاد العسكري،
وبالكثير من الصور والبوسترات للأسد الأب والأسد الابن، لكن صمود
مقاتلي حزب الله يعود إلي إتباع أساليب المقاومة الشعبية وهي
أساليب تختلف من حيث تدريب الرجال ودرجة تسليحهم ونوعية خطط
المواجهة عن أساليب الحرب النظامية.. فهل لنا أن نستخلص من كلام
الرئيس بشار أن القيادة السورية أصبحت تتبني أخيرا أساليب المقاومة
الشعبية وسيلة لتحرير الأرض؟ لو كان ذلك مقصد القيادة السورية لكان
في كلام الرئيس بشار الكثير من المنطق، ولكن هل تعلم القيادة
السورية ماذا تتطلب الحرب الشعبية؟
(1) إنها تتطلب برنامجا وطنيا ديمقراطيا يعتمد أوسع الأساليب
الديمقراطية ويفتح الباب أمام كل المبادرات الوطنية للمشاركة
السياسية والقتالية، فهل تتحمل القيادة السورية هذه التكلفة وهي
التي احتفظت بهدوء جبهة الجولان منذ حرب 67 وحتي الآن فلم يتبدد
سكون خط المواجهة السورية الإسرائيلية إلا بضعة أيام في أكتوبر 73
ليعود بعدها إلي سكون محير (من العجيب أن النظام السوري يحتفظ
بمقرات ومراكز تمثيل لكل المنظمات الفلسطينية المقاتلة معتقدا أن
وجودها علي أرضه يسبغ علي النظام السوري طابعا ثوريا قتاليا، لكنه
في نفس الوقت لا يسمح لها بالاقتراب من خط الحدود السورية
الإسرائيلية حتي يتجنب أي مواجهة عسكرية مع إسرائيل، هذا بينما يحض
علي الاشتباك عبر الحدود اللبنانية الإسرائيلية)
(2) إن حرب التحرير الشعبية تتطلب أوسع أشكال الرقابة الشعبية
والتي بالقطع سوف تصادر القصور التي يمتلكها بعض القادة البعثيين
في اسبانيا وكذلك الشقق التي في لندن وسوف تضع يدها أيضا علي
الأموال التي اكتنزها البعض في بنك المدينة في بيروت من جراء
تورطهم في عمليات تبييض الأموال، وذلك ما كشفت عنه التحقيقات التي
أصر رفيق الحريري علي إجرائها ليقتل الرئيس الحريري فجأة ويتحول
مقتله إلي قضية دولية تحوطها الحماية الأجنبية، فمن الذي يلعب سيدي
الرئيس علي حساب مصالحكم وقضاياكم، وهل يقوي أركان النظام السوري
علي تكلفة الرقابة الشعبية أم أن المفاخرة والتعالي اللذين اشتمل
عليهما خطاب الرئيس الأسد هما مجرد كلام لا يثبت علي الشارب كما
تقول العرب، أو كلام ليس عليه جمرك كما يقول المثل الشعبي.
ومادام الرئيس السوري قد انتهز فرصة صمود مقاتلي حزب الله أمام
الجحافل الإسرائيلية لأكثر من شهر فذهب يحاول جني فوائد هذا الصمود،
وتحول في خطابه الأخير إلي إلقاء دروس التاريخ علي العرب قائلا: (إن
كان المقاومون مغامرين فهل نقول إن أبطال سوريا سلطان باشا الأطرش
وإبراهيم هنانو والزعيم المصري سعد زغلول مغامرون) فإننا نهدي هذه
الحكمة إلي سيادته وإلي أركان القيادة السورية، ذلك لأن أربعين
عاما من الاحتلال الإسرائيلي للجولان ارتهنت فيها الموارد السورية
البشرية والاقتصادية بحجة الاستعداد للتحرير لهي فترة كافية لمن
أراد الحسم.
ألم يحن بعد أوان المغامرة التي تنصح بها الآخرين سيادة الرئيس أم
أن الاستعداد الذي طال بكل تكلفته البشرية والتنموية لم يكن غايته
إلا تصدير اللاءات وإلقاء دروس التاريخ؟ إلي أن يصل الرئيس في
خطابه إلي القول (إننا لم نقرر أن نعرض قضيتنا في السوق الدولية أو
أي سوق أخري).
فليسمح لنا إذن فخامة الرئيس أن ننصحه بعد أن نصحنا فنقول له:
أولا: إن أساليب التحرر الوطني معروفة مدروسة وأساليب المتاجرة
بالقضايا الوطنية في السوق الدولية معروفة مشهورة وليس بينهما أمور
مشتبهات، فمن أراد أن يحرر تراب الوطن فليعلم أن إهدار الوقت خطيئة
وطنية وأن إفساح الطرق أمام الحركة الوطنية للتعبير عن نفسها هو
القوة الحقيقية التي تثبت عزم المحارب وتشد أزر المفاوض، أما إدعاء
الحكمة وإلقاء الدروس فإن ذلك أوانه بعد تحرير الأرض لا قبلها.
ثانيا: إن تصريح الرئيس السوري بأن (شرق أوسط جديد ولد بفضل
انجازات المقاومة) لهو تزيد في القول لا تسنده وقائع الحال، فلو
كان الرئيس السوري يؤمن بصحة ما يقول لكان عليه أن يسمح للمقاومة
بالعمل عبر الحدود السورية الإسرائيلية، فلديه أرض محتلة أكثر
بأضعاف مضاعفة من مزارع شبعا المختلف علي لبنانيتها، ولديه جيش
عالي الجاهزية يستطيع أن يرد الضربات، ولديه من الصواريخ ما هو
أبعد مدي وأكثر تنوعا مما يملك حزب الله.
ثم إن ثلاثة وثلاثين يوما من صمود مقاتلي حزب الله رغم ما اتسم به
هذا الصمود من بأس وبطولة ألا تكفي لكي يستولد الرئيس السوري شرق
أوسط جديدا ففي هذا التخريج خداع للذات ورغبة في التملص من عبء
تحرير الأرض السورية المحتلة باستخدام مبالغة خطابية تحمل لبنان
مهام تفوق طاقاته.
فهل تصور الرئيس السوري أن تحرير الجولان سوف يتم عبر إشعال الحدود
اللبنانية الإسرائيلية ليتحمل الوطن اللبناني وحده شراسة الرد
الانتقامي الإسرائيلي؟
وهل رأي الرئيس السوري في ذلك اكتمالا لرجولة النظام في سوريا فذهب
ينتقص من رجولة الآخرين؟
إن الرئيس السوري يعلم خصوصية التجربة اللبنانية والتي تحمل في
داخلها تناقضا يجمع بين أوسع أشكال الديمقراطية وأوسع أشكال
الطائفية، وذلك ما يجعل صيغة التوازن السياسي في لبنان قابلة
للتهشم والتشقق عند أي منعطف، وذلك لأن بعض الطوائف اللبنانية قد
ذهب يستجلب العون والدعم من أطراف خارجية، وارتباط حزب الله
بالنظام الإيراني ليس سرا وأدبيات الحزب لا تخفي هذا الارتباط وقد
أعلن بيان الحزب ذلك صراحة في 16فبراير سنة 1985 قائلا (إن الحزب
ملتزم بأوامر قيادة حكيمة وعادلة تتجسد في ولاية الفقيه وتتجسد في
روح آية الله الخميني مفجر ثورة المسلمين وباعث نهضتهم) والحزب
يعتبر الشيخ حسن نصر الله الأمين العام للحزب هو الوكيل الشرعي في
لبنان لآية الله علي خامنئي الذي يعتبر المرجع الأعلي لشيعة الحزب
(وإيران كما يعلم الرئيس السوري لا تزال تحتل جزرا عربية في طنب
وأبو موسي)، ذلك ما جعل بعض المراقبين يتساءلون عن مغزي التصعيد
المفاجيء للعمليات العسكرية لحزب الله، وهل يتم ذلك طبقا لأجندة
إيرانية تسعي من خلالها إيران أن تثبت لأمريكا أن لها أذرعا
إقليمية تستطيع الضرب بها متي وأين شاءت؟
إن وصف التصعيد المفاجيء لعمليات حزب الله بالمغامرة يكتسب منطقه
ومشروعيته من أن العمليات اندلعت فجأة وتوقفت فجأة، لتطرح من
الأسئلة أكثر مما كان مطروحا.
فالمقاومة الشعبية لا يشرع أحد فصائلها في القتال منفردا معرضا أمن
الوطن للخطر قبل الاتفاق مع باقي الفصائل الوطنية علي أولويات
البرنامج الوطني للمقاومة.
والمقاومة الشعبية لا تتوقف فجأة قبل أن تحقق أهدافها، وتلك مهام
طويلة الأجل قد تتوارثها أجيال عبر أوسع جبهة وطنية ديمقراطية.
وحزب الله بحكم بنيته السياسية وولائه المذهبي لا يستطيع قيادة
جبهة وطنية بهذه الشروط لأن هناك خلافات واسعة بينه وبين باقي
الطوائف الوطنية اللبنانية من سنة ودروز ومارون.
وقد فاجأ الحزب بقية فصائل الحركة الوطنية اللبنانية بتصعيد
المواجهة مع إسرائيل لتنتهي بعد شهر بإبعاد حزب الله عن الجنوب
اللبناني ونشر قوات دولية علي الحدود اللبنانية تضمن أمن إسرائيل
واشتداد الأصوات التي تطالب بنزع سلاح حزب الله.
وحينما ينتهي التصعيد العسكري المفاجيء إلي نتائج هي عكس ما كان
مطروحا قبل بدء العمليات فإن وصف ذلك بالمغامرة هو الأقرب إلي
الصواب.
والمطالبة بتنسيق المواقف وتدقيق الحسابات هي مطلب وطني.
أما التلاعب في المعاني وتوزيع الاتهامات والتجاوز في العبارات فكل
ذلك مغالطات لا تحتملها سخونة الموقف ولا واقع الحال.
وتلك مراجعة نراها ضرورية لأفكار الرئيس السوري..
|