|
|
|
|
|
k.binxetê.20.07.07.16.25.GMT
تناقضات الموقف التركي حيال كردستان العراق
سامي شورش الحياة - 19/07/07//
تواصل تركيا إطلاق إشارات متناقضة في خصوص موقفها حيال شن هجوم
مسلح على بعض المناطق في كردستان العراق، بذريعة أن مقاتلي «حزب
العمال الكردستاني» يتخذون من هذه المناطق قواعد لتحركاتهم
العسكرية ضد الدولة التركية. إذ فيما يؤكد كبار ضباط الجيش أن شن
الهجوم أصبح قاب قوسين وأنه لم يعد ينقصه سوى تفويض برلماني وضوء
أخضر حكومي، نجد كبار المسؤولين السياسيين، في مقدمهم رئيس الوزراء
رجب طيب أردوغان، يصرّحون بأن الهجوم العسكري غير وارد في المرحلة
الراهنة. في إطار هذه التناقضات، قال السفير التركي لدى الولايات
المتحدة نبي سنسوي في مؤتمر صحافي عقده قبل أيام في واشنطن إن
الأسلحة التي ترسلها واشنطن الى أكراد العراق تنتهي الى أيدي
مقاتلي «حزب العمال»، مشيراً، في سابقة غريبة، الى أن أكراد العراق
يضمرون مطامع توسعية في أراض تركية، وملمحاً في الوقت عينه الى
إمكان اجتياح كردستان العراق مع نفاد صبر أنقرة.
في كل الأحوال، لا تخلو لهجة العاصمة التركية من تهديدات بعضها
علني والآخر خفي. كذلك لا تخلو من تلميحات الى تعاظم وتيرة الحشود
العسكرية التركية التي تجاوزت مئتي ألف جندي ينتشر منهم نحو 140
ألفاً في مناطق حدودية قريبة من زاخو والعمادية وخواكورك. في كل
هذا، اللافت أن أنقرة تتحدث عن كل شيء، لكنها تتجنب الإشارة الى أي
طريقة سياسية لبدء حوار بناء مع المسؤولين العراقيين وحكومة إقليم
كردستان العراق بغية حل المشكلة في إطار التفاهمات المتبادلة. بل
انها تستبعد احتمال تنشيط اللجنة الثلاثية (الأميركية - التركية -
العراقية) الخاصة بمكافحة الإرهاب بغية حل المشكلة التي تبالغ
أنقرة في تضخيمها والتلويح بمخاطرها على الأمن القومي التركي. هذا
رغم أن الأميركيين والعراقيين والأكراد يلحون على ضرورة ابتعاد
الجميع عن لغة التهديدات العسكرية والبحث، بدلاً عن ذلك، عن حل
توافقي سلمي يضع حداً لتأزيم الوضع على الحدود العراقية - التركية.
فالتأزيم، كما هو معروف، لن يلحق الأضرار بالحالة الكردية العراقية
فحسب، بل إنه سيلحق، في الدرجة الأولى، أخطاراً غير قليلة بمصالح
السياسة الأميركية في العراق ومصالح الأمن والاستقرار داخل تركيا
نفسها. وأياً تكن الحال، فالواضح أن سمة التناقض أكيدة في مواقف
تركيا. وأن هذا التناقض يشير في جوهره الى احتمالات وتفسيرات عدة
يمكن تلخيصها كالتالي:
1- ان موضوع التهديدات برمته لا يتعدى كونه لعبة انتخابية تركية
لها علاقة مباشرة بتصاعد وتيرة المنافسات السياسية في أنقرة مع
اقتراب موعد الانتخابات العامة. وإذا صح هذا الاحتمال، فإن تركيا
تكون قد ارتكبت خطأ فادحاً بتحويلها موضوعاً خطيراً وحساساً كموضوع
«حزب العمال الكردستاني» والعلاقات مع العراق وأكراده الى مسألة
انتخابية عابرة. وهذا، في اقل تقدير، سيلحق مزيداً من الأضرار
بمصداقية سياساتها الكردية والعراقية أولاً وبطبيعة علاقاتها مع
الولايات المتحدة وأوروبا ثانياً.
2- انه تعبير عن توجهات حقيقية في تركيا في اتجاه التحضير لهجوم
فعلي مباغت، يفضل فيه المسؤولون الأتراك توزيع الأدوار بحيث يتولى
الطرف السياسي دور تطمين واشنطن من أن الهجوم غير وارد، فيما يواصل
الطرف العسكري تأهبه وحشوده العسكرية تمهيداً لإطلاق الهجوم. وما
يزيد من أرجحية احتمال كهذا أن أنقرة مهووسة هذه الأيام بتساؤلات
مفادها: لماذا لا يحق لأنقرة أن تقوم بما قام به الرئيس الباكستاني
برويز مشرف في اختياره للمواجهة العسكرية مع طلاب «المسجد الأحمر»؟
ولمَ يُمنع عن أنقرة انتهاج الخيار العسكري في الوقت الذي تعطي فيه
واشنطن الضوء الأخضر للحكومة اللبنانية بخوض معارك طاحنة ضد منظمة
«فتح الإسلام» الإرهابية في مخيم نهر البارد؟ ثم.. لمَ السماح
لإسرائيل بمواصلة حملاتها الدموية ضد المجموعات المتطرفة بين
الفلسطينيين خصوصاً في قطاع غزة، بينما لا يخلو أسبوع من تأكيد تحض
فيه واشنطن حليفتها أنقرة على تجنب اللجوء الى خيار الاجتياحات
العسكرية؟
3- ان أنقرة غير عازمة على الحرب ولا على الحل السياسي، إنما تريد
ممارسة أقصى ما يمكنها من ضغوط على واشنطن بغية دفعها الى إقناع
الحكومة العراقية بتصنيف «حزب العمال» ضمن المنظمات الإرهابية
الواجب مقاتلتها ونبذها، وإقناع أكراد العراق بلعب دور حراس الأمن
لحدود تركيا وطرد مقاتلي «حزب العمال» من مواقعهم في جبال كردستان
العراق. يشار الى أن أنقرة مارست في السابق ضغوطاً كبيرة على
واشنطن من أجل دفعها الى شن هجوم مسلح ضد قواعد «حزب العمال» شبيهة
بالهجمات الجوية التي شنتها في بداية حرب «حرية العراق» عام 2003
ضد قواعد منظمات إسلامية متطرفة كانت تتخذ من مناطق كردية عراقية
على الحدود مع إيران مواقع لتحركاتها. الى هذا، مارست الحكومة
التركية ضغوطاً أخرى على أكراد العراق، مشددة على أن شرطها لأي
مباحثات سياسية معهم هو التزامهم بمبدأ محاربة «حزب العمال».
في مواجهة هذه التفسيرات، تنشغل حكومة الدكتور نوري المالكي
بمشكلاتها الأمنية والسياسية المتفاقمة، إضافة الى انشغالها
باللعبة السياسية المعقدة في بغداد. فيما الأميركيون يؤكدون من
ناحيتهم أن الأولوية في الوضع العراقي لا تعود الى محاربة «حزب
العمال»، إنما الى تركيز الجهود على محاربة المنظمات الإرهابية
والميليشيات الطائفية في العراق. أما رئيس اقليم كردستان العراق
مسعود بارزاني الذي يعتبر الطرف المعني الرئيسي بهذه القضية، فإنه
يتعامل بروية وطول نفس سياسي مع الموضوع، داعياً أنقرة الى انتهاج
طريق الحوار لحل هذه الإشكالية.
في هذا المنحى، يلاحظ أن بارزاني، ومعه رئيس حكومة إقليم كردستان
العراق نيتشيروان بارزاني، ينشغلان، من جهة، بترتيب البيت الداخلي
الكردي وتوطيد البنية الاقتصادية والسياسية للإقليم، إضافة الى
تعميق تجربة الحكومة الموحدة مع الاتحاد الوطني الكردستاني.
وينشغلان، من جهة ثانية، بمحاربة الإرهاب ودفع الحكومة العراقية
الى تطبيق بنود الدستور العراقي الدائم عبر سن قانون متوازن للنفط
والواردات المالية والتوجه الجدي نحو تطبيق المادة 140 الخاصة
بمعضلة مدينة كركوك، إضافة الى دفعها نحو استكمال عملية المصالحة
الوطنية. الى هذا، يؤكدان أن المشكلة التي تثيرها أنقرة لا تخص
العراق، إنما تتعلق بالداخل التركي، وإذا خصت العراق فإنها لا
تتعلق بالأكراد إنما تتعلق اصلاً بكل العراق، ما يتطلب تحالفاً
عراقياً وطيداً لمواجهة احتمالات المواقف التركية.
في كل الأحوال، تركيا مطالبة بإطفاء نيران التوترات المتفاقمة في
المناطق الحدودية مع العراق. ومطالبة، في الوقت ذاته، بوضع حد
للحملات الإعلامية والتصريحات المتناقضة التي لا يمكن أن تخدم
تهدئة الأحوال أو إيجاد حل عملي لمشكلة «حزب العمال» في كردستان
العراق. وآخر تناقض في هذا الصدد هو تأكيد السفير التركي في واشنطن
أن نحو 4000 من مقاتلي «حزب العمال» ينشطون في تلك المنطقة، فيما
كان أردوغان أكد في تصريحات قبل نحو شهر ان مجموع مقاتلي الحزب في
المناطق الكردية العراقية لا يتجاوز خمسمئة مقاتل.
كاتب عراقي
|
|
|