|
|
|
|
|
k.b.ê.11.11.07.14.15.GMT
تقارير - مخيم «باريكة» للاجئين الكرد الإيرانيين سقع بين
الأسلاك الشائكة ... يقبع على مشارف السليمانية
على بعد 45 كيلومترا جنوب مدينة السليمانية في إقليم كردستان
العراق يقع مخيم «باريكة» للاجئين الكرد الايرانيين والذي يضم 350
عائلة كردية يقدر عدد افرادها بنحو 3000 شخص
وهذا المخيم واحد من خمسة مخيمات مماثلة احدها قرب مدينة اربيل
والثاني في قصبة جوار قرنة التابعة لقضاء رانية ضمن محافظة
السليمانية ايضا، والثالث قرب بلدة خانقين، والرابع في بلدة كفري
ضمن محافظة ديالى، وتضم بمجملها المئات من العوائل الكردية النازحة
من مختلف مناطق كردستان الايرانية منذ نحو ثلاثة عقود، والتي كانت
تقطن مخيم الطاش في صحارى محافظة الانبار غربي العراق قبل ان يتشتت
شملها مجددا إثر سقوط النظام السابق في العراق في عام 2003
أما قصة هؤلاء النازحين الذين يكابدون الآن معيشة ضنكى وأوضاعا
بائسة ومزرية، فتبدأ فصولها عام 1979 عندما انتصرت الثورة في ايران
بزعامة آية الله الخميني، وتأسست على أثرها الجمهورية الاسلامية
الايرانية. اذ بعد الثورة تصورت عبثا الاحزاب الكردية الايرانية
المعارضة وفي مقدمتها الحزب الديمقراطي الكردستاني، بان الفرصة
سانحة امامها للقيام بحركة لبسط سيطرتها على مناطق الاقليم الكردي
في ايران، مستغلا ما كان يعانيه الجيش الايراني وقتذاك من انحلال
وتسيب كبيرين جراء اعتقال او فرار كبار قادة صنوفه بسبب موالاتهم
لنظام الشاه الذي اطاحت به الثورة الايرانية.
ما حدا بالإمام الخميني الى اصدار فتوى اعتبر بموجبها انصار تلك
الاحزاب الكردية المعارضة مرتدين عن الدين وأباح دماءهم، وعلى اثر
ذلك شن الجيش الايراني بعد استعادة عافيته هجوما واسع النطاق على
المناطق الكردية الواقعة تحت سيطرة الاحزاب الكردية المعارضة في
نطاق محافظة كرماشان عاصمة اقليم كردستان الايرانية، اسفر حسب
مصادر النازحين والأحزاب الكردية المعارضة عن مقتل المئات من
الأكراد وتشريد الآف العوائل من التي حمل ابناؤها السلاح في صفوف
الاحزاب الكردية او من الموالين لها، باتجاه اقليم كردستان العراق
الذي كان وقتذاك خاضعا لسيطرة السلطات العراقية في عهد صدام حسين
الذي كان قد تسلم لتوه السلطة في البلاد من سلفه ورفيق دربه احمد
حسن البكر الذي أرغم على التنحي عن الحكم في انقلاب ابيض لم يعلن
عنه.
وفي بادئ الامر جرى إسكان هؤلاء النازحين في ثلاثة مخيمات احدها في
منطقة ميدان القريبة من خانقين والثاني في قصبة عربت على مشارف
السليمانية والثالث في قصبة جوارقرنة التابعة للسليمانية ايضا.
ومن جانبه سعى الرئيس العراقي السابق صدام حسين الى استغلال ابناء
هذه الاسر الكردية النازحة في حربه ضد ايران والتي اندلعت في 2
سبتمبر (أيلول) عام 1980 عبر تسليحهم وتجنيدهم على هيئة افواج من
المرتزقة، مقابل عروض مادية مغرية، لكن عروض النظام العراقي لم تجد
آذانا صاغية لدى هؤلاء المشردين رغم عوزهم وفقرهم الشديد لأن مطالب
النظام لم تقتصر على محاربة القوات الايرانية وحسب، بل ضرب الاحزاب
الكردية العراقية المعارضة ايضا. رفضُ الأكراد الايرانيين التعاون
مع السلطات العراقية اثار حفيظة النظام فقرر نفيهم جميعا الى صحارى
محافظة الانبار غربي العراق وإسكانهم في مخيمات محاطة بالاسلاك
الشائكة، افتقرت الى ابسط المستلزمات المعيشية الانسانية، وعزلهم
عن محيطهم تماما، ليبدأ من هناك فصل آخر جديد من فصول عذابات هؤلاء
المشردين التي ما برحت مستمرة على نحو اسوأ من ذي قبل حتى يومنا
هذا.
«الشرق الاوسط» زارت مخيم «باريكة» على مشارف السليمانية لرصد
اوضاع جموع النازحين والمشردين الكرد الايرانيين واستطلاع آرائهم
عن كثب حول ما عانوه ويعانونه الان من فقر وبؤس وشقاء.
وفور وصول «الشرق الأوسط» الى بوابة المخيم الذي يبدو لمن يزوره
اول مرة وكأنه منطقة كوارث أصابها زلزال عنيف قبل ايام، استقبلنا
بحفاوة شاب في الخامسة والثلاثين من العمر يدعى أمير رحمن بور.
وقفت السيارة التي اقلتنا امام محل البقالة المتواضع الذي يمتلكه
فأصر على مرافقتنا في جولتنا. وفي طريقنا الى داخل المخيم المؤلف
من 350 وحدة سكنية شيدتها قبل ثلاث سنوات «منظمة قنديل» السويدية
الانسانية بالتعاون مع منظمات دولية اخرى، راح بور يستعرض لنا قصصا
محزنة وحوادث كابدها وعايشها الكثير من اولئك النازحين اثناء
مكوثهم في العراق طوال الربع الاخير من القرن الماضي. سرد قصة
عائلته قائلا: «عندما نزحت عائلتي صوب كردستان العراق كان عمري
وقتذاك 7 سنوات فقط، وكان والدي احد انصار الحزب الديمقراطي
الكردستاني الايراني، ونتيجة لرفضنا جميعا حمل السلاح لصالح النظام
العراقي السابق ضد اخواننا الكرد العراقيين، فقد قرر النظام نفينا
الى مخيم الطاش في صحارى محافظة الرمادي غربي البلاد عام 1982
وهناك عانينا ما عانينا من ظلم وعوز وقهر لا يمكن وصفها، وبعد عشر
سنوات من المعاناة القاسية توفي والدي وصرت انا المعيل الوحيد
لأسرتي وبعده بعامين توفيت والدتي ايضا، ولم يبق لي في الحياة سوى
شقيقتي المعاقة، ومنذ ذلك الحين صرت اصارع الحياة ومصاعبها بمفردي،
في ظل يأس وقنوط تامين حيال المستقبل». وفيما يخص أوضاع بقية
العوائل في مخيم الطاش وما حل بها بعد سقوط بغداد عام 2003، قال
بور: «لقد تشتت العوائل الى عدة مجاميع اتجه قسم منها الى منطقة
خانقين القريبة من بلدة «سربيل زهاب» في الجانب الايراني من
كردستان موطن الغالبية العظمى من النازحين، فيما اتجه قسم آخر الى
مخيم «سنكر» قرب اربيل والقسم الثالث الى مخيم «جوار قرنة» على
مشارف قصبة رانية والقسم الرابع استقر هنا في مخيم «باريكة» القريب
من السليمانية، فيما آثر القسم الخامس التوجه نحو مخيم الكرامة في
الاردن ومن هناك الى بلدان اوروبا المختلفة».
وأضاف بور الذي يعمل مختارا للمخيم ايضا ان اوضاع النازحين بائسة
جدا بسبب البطالة والفقر، مؤكدا ان حكومة اقليم كردستان لم تقدم
للنازحين اي مساعدات تذكر منذ نحو اربع سنوات.
أما الصبي نيجير كريم احمد، البالغ 11 عاما والمولود في مخيم الطاش
بالرمادي، والذي التقيناه في طريق عودته من مدرسته، فقد اعرب
بعفوية عن تذمره الشديد من بؤس حال اسرته والفوضى السائدة في
مدرسته التي قال انها اشبه بحظيرة الحيوانات لشدة الزحام في فصولها
الدراسية. وقال انه لا يعرف من اي مدينة هو. لكنه قال ببراءة انه
يتمنى ان تتحرر بلاده ليعود اليها على جناح السرعة.
اما آمنة معروف علي، 60 عاما، من اهالي بلدة «سربيل زهاب» ايضا،
وهي ام لولدين وأربع بنات متزوجات، فقد شكت شظف المعيشة سيما ان
زوجها مسن وعاطل عن العمل. وروت آمنة لـ«الشرق الأوسط» مشاهد من
يوم نزوح اسرتها قبل اكثر من ربع قرن مع المئات من العوائل الكردية
قائلة: «داهمتنا القوات الايرانية ليلا وحاصرت بلدتنا وانهال
افرادها علينا ضربا مبرحا واعتقلوا الكثيرين وساقوهم الى مصير ما
برح مجهولا، اما نحن فقد هربنا نحو كردستان العراق قبل 27 عاما
تاركين كل ما كنا نملكه، ومنذ ذلك اليوم لم نذق طعم السعادة يوما».
كويستان ستار محمد، فتاة في الثانية والعشرين من عمرها ومولودة
ايضا في مخيم الطاش عام 1982، اعربت عن تشاؤمها حيال مستقبلها
ومستقبل أمثالها من فتيات المخيم قائلة: «لا شيء في الافق يبشرنا
بمستقبل او غد افضل مما نعانيه الان من قهر وفقر، فقد حرمتنا
أقدارنا حتى من التعليم وكل فرص الحياة السعيدة، بل ومن حق الوجود
كسائر خلق الله ايضا. ووصفت حياتها وحياة زميلاتها بالسجن المظلم،
مؤكدة ان املها الوحيد في الحياة هو ان تتحرر مدينتها لتعود اليها
باسرع من الريح.
في احد ازقة المخيم التقينا بمجموعة من الرجال العجائز وما ان
افصحنا لهم عن نيتنا اجراء حوار صحافي معهم بخصوص اوضاعهم حتى
استشاط العجوز محمد امين علي ميرداد، 64 عاما، غضبا واستهجانا وراح
يوجه الينا سيلا من جمل العتاب المقرونة بالتوبيخ المهذب، متهما
وسائل الاعلام بالتقصير في ايصال اصوات استغاثتهم ومعاناتهم الى
مسامع المسؤولين، موجها اللوم الى السلطات المحلية على تجاهلها
اوضاعهم التي وصفها بالكارثية. لكنه عاد وقال: «مخيم الطاش
الصحراوي كان افضل من هذا المخيم عشرات المرات، لأننا على الاقل
كنا نحصل هناك على فرص العمل التي كانت مواردها المالية تعيل اسرنا
على نحو جيد، اما الان فنكاد نموت جوعا» وتابع: «كنت منظفا في
البلدية لكنهم طردوني بحجة انني ايراني ولا احمل الجنسية العراقية،
وبت الان بلا عمل وبلا مورد لا سيما انني مسؤول عن اربع فتيات
يتيمات الام على وشك الزواج».
اما سعيد مصطفى احمد، 45 عاما، وهو أب لثمانية اطفال وعضو في الحزب
الديمقراطي الكردستاني الايراني، فقد اكد انه حمل السلاح في صفوف
الحزب لعامين متتالين وخاض العديد من المعارك في مناطق «بمو
وهورمان»، لكن ظروف عائلته ومسؤولياته الاسرية ارغمته على القاء
السلاح وممارسة عمل حر، خصوصا بعد وفاة والديه في مخيم الطاش.
اما عن توقعات معظم النازحين الذين استطلعت «الشرق الأوسط» آراءهم
بخصوص احتمالات اندلاع الحرب بين ايران والولايات المتحدة، فقد
اجمعت بشكل عام على ان الحرب لن تندلع عاجلا بين الطرفين نظرا
لانشغال الولايات المتحدة بحربين ضروسين في كل من العراق
وافغانستان.
وعن قدرة الاحزاب الكردية المعارضة في ايران على القيام بحركة او
انتفاضة لتحرير مناطق كردستان الايرانية، على غرار ما حدث في
كردستان العراق ربيع عام 1991 استبعد النازحون ذلك الامر نظرا
لحالة التشرذم والتشتت التي تسود صفوف الاحزاب الكردية المعارضة.
ولعل الامنية الوحيدة التي تراود الآن مخيلة معظم هؤلاء اللاجئين
في وطنهم المقسم هي العودة الى ديارهم باسرع وقت ممكن، اذ قال
الجميع: «نحلم بالعودة السريعة الى موطننا كي نمضي فيه ما تبقى من
اعمارنا وبين احضان اهلنا ونموت على ترابه، لكننا نخشى ان نقضي
نحبنا بدون ان نرى ذلك اليوم، فندفن كغيرنا في ديار الغربة.
السليمانية: هيوا عزيز "الشرق الأوسط
|
|
|