|
|
|
|
|
kbê.22.11.07.08.15.EU
الملف الكردي بين المصالح الأمريكية والرغبات التركية
هل انتهت "الفورة" التركية، المتمثلة بالتهديد بالقيام بعملية
عسكرية واسعة في شمال العراق ضد مسلّحي حزب العمال الكردستاني؟
سؤال طرح بقوة في أعقاب زيارة رئيس الحكومة التركية رجب طيب
اردوغان إلى واشنطن ولقائه مع الرئيس الأمريكي جورج بوش يوم 5
نوفمبر الجاري، ويبدو أن الجواب عليه سيكون بالإيجاب في الوقت
الحاضر على الأقل.
مع أن مؤشرات تردّد السلطة السياسية، بل حتى معارضة حزب العدالة
والتنمية الحاكم، القيام بمغامرة عسكرية واسعة في شمال العراق كانت
ظاهرة منذ ربيع العام الحالي، غير أن قيام حزب العمال الكردستاني
بعمليات "نوعية" ضد القوات التركية قُـرب الحدود مع العراق خلال
شهر أكتوبر الماضي، كان ضاغطا على حزب العدالة والتنمية للذّهاب
إلى البرلمان واستصدار موافقته على تفويض الحكومة القيام بمثل هذه
العملية هناك، عند الضرورة.
امتصّ حزب العدالة والتنمية الغضب الشعبي مؤقتا ونجح في ترويض
المناخ المتشنّـج، الذي كان يقرع طبول الحرب وهو يُـدرك أنها لن
تُـسفر عن نتائج حاسمة، فضلا عن انعكاساتها السلبية على الاستقرار
الداخلي والإصلاح السياسي والنمو الاقتصادي، ومجمل ملف المفاوضات
بين أنقرة والاتحاد الأوروبي.
عندما صرّح اردوغان قبل شهر من لقائه بوش بأنه سيبحث معه بصورة
مفصّـلة الوضع ومستقبل حزب العمال الكردستاني، كان "يقذف" بالحَـسم
شهرا بكامله إلى الأمام.
تفاؤل وهمي
قبل لقاء اردوغان – بوش، كانت الاتصالات والتحدِّيات بين تركيا
وأكراد شمال العراق وحكومة بغداد، تسيران جنبا إلى جنب وتتسابقان
في رفع حدّة التوتر التي دفعت بالرئيس العراقي جلال طالباني إلى
القول بأنه لن يسلّم مجرد قِـطة إلى أنقرة، فكيف ليُـسلم مقاتلا
واحدا من حزب العمال الكردستاني؟ وبدا أن الأكراد نجحوا في معركة
التحدّي مع أنقرة وأن حكومة نوري المالكي أضحت خارج اللّـعبة،
وبالتالي، التأثير.
لكن الكيان الكردي الناشئ ما كان ليُـبرِز أنيابه لولا اطمئنانه
إلى أن الكلمة الفصل في هذا الموضوع، تعود إلى الولايات المتحدة،
التي قالت منذ البداية ومنذ الربيع الماضي، إنها تُـعارض أي تدخل
عسكري تُـركي في شمال العراق، وأنه يجب إيجاد حلّ سِـلمي للتوتر
التركي - الكردي.
ولعل الدافع الأول للموقف الأمريكي، هو أن واشنطن لا ترغب في رُؤية
تحرك عسكري تُـركي يهُـزّ الاستقرار النِّـسبي في شمال العراق
ويزيد في تصديع التوازنات الهشّـة في العراق، ولاسيما في ظل المأزق
الأمريكي المفتوح فيه.
غير أن أحدا لا ينكر أن السياسة الأمريكية في العراق والمنطقة،
تعتمد منذ احتلال العراق ورفض تركيا المشاركة في غزوه، على الأكراد
كما في العراق كذلك في التحريض ضد دول الجوار في إيران عبر إحدى
المنظمات الكردية المسمّـاة "بيجاك" أو ضد تركيا وسوريا عبر أشكال
كردية مختلفة. وبين تركيا والأكراد، اختارت واشنطن الأخيرين
كحُـلفاء موثوقين في لعبتها الشرق أوسطية.
وعلى هذا، تقاطعت - حسب رأي العديد من المراقبين - المصالح
الأمريكية ورؤية حزب العدالة والتنمية إلى أن التوتير العسكري غير
مُـفيد للطرفين. وأمام الإصرار الأمريكي، كان واضحا أن اردوغان لم
يذهب إلى أمريكا إلا "لتخريج" عدم القيام بعملية عسكرية في شمال
العراق.
فجميع "انطباعات" وسائل الإعلام، التي رافقت اردوغان إلى واشنطن،
أشاعت مناخا من التفاؤل (الوهمي) بتعاون الولايات المتحدة مع أنقرة
"استخباراتيا" مع تركيا لمكافحة حزب العمال الكردستاني والسماح
لتركيا بالقيام بما يُـسمى "عمليات النقطة"، أي عمليات تستنِـد إلى
معلومات استخبارتية ضد أهداف محددة، ربما تكون شخصيات قِـيادية في
حزب العمال الكردستاني.
مصالح أمريكية ورغبة تركية
إن الحديث عن نجاح زيارة اردوغان إلى واشنطن على الصعيد
الاستخباراتي، كان مؤشرا آخر على أن العملية العسكرية الكبيرة
أصبحت في خبَـر كان.
واللافت، أن رئاسة أركان الجيش التركي بقيت ملتزمة القرار السياسي،
الذي لم يأذن بعدُ بالقيام بمثل هذه العملية وقد لا يأذن حتى إشعار
آخر، واستمر قائد الجيش الجنرال ياشار بويوك انيت قائلا إنه ينتظر
قرارا حكوميا بهذا الصدد.
تكاتفت المصالح الأمريكية والرغبة الحكومية التركية، غير أن عدم
تحقيق ثمن على الساحة الكردية تحديدا، يُـحرج اردوغان وحزب العدالة
والتنمية، فجاء "الثمن"، ربما، في "ساحات" أخرى": أولها، نجاح ضغوط
إدارة بوش على مجلس النواب الأمريكي لعدم تمرير قانون يَـعتبر
مجازِر عام 1915 ضد الأرمن "إبادة". وثانيها، إعطاء تركيا دورا
مهمّـا، ولو على الصعيد اللوجيستي، في الصراع الشرق أوسطي عبر جمع
الرئيسين، الإسرائيلي شمعون بيريز والفلسطيني محمود عباس في لقاء
قمّـة برعاية الرئيس التركي عبدالله غُـل في أنقرة، والسماح لهما
بإلقاء خطابين في البرلمان التركي.
وفي مثل هذه "الصورة"، رسالة تركية إلى العالم بأن قوتها الإقليمية
لا تأتي فقط من قدرتها العسكرية، بل كذلك من دبلوماسية على مسافة
واحدة من الجميع، وأن تركيا التي تريد حربا ضدّ حزب العمال
الكردستاني، هي طرف يشجع السلام والحلول السلمية، وليس من قبيل
الصُّـدف وضمن الأثمان، أن يُعلَـن أن تركيا تلقت، بعد قمة أنقرة
الثلاثية، دعوة لحضور مؤتمر انابوليس حول الشرق الأوسط.
المواجهة لا زالت مفتوحة
كسبت حكومة اردوغان حتى الآن رِهان التعامل بهدوء مع ملف حزب
العمال الكردستاني، لكن القوى الداخلية المُـستاءة من عدم توريط
وإضعاف حزب العدالة والتنمية، بدأت حربا أخرى على حكومة اردوغان من
خلال رفع دعوى قضائية لحظر حزب المجتمع الديمقراطي (الكردي) كاملا،
والمتمثل في البرلمان بـ 21 نائبا، بتُـهمة ارتباط عدد من نوابه
وأعضائه مُـباشرة بحزب العمال الكردستاني وتلقِّـيه الأوامر من
زعيم حزب العمال الكردستاني المعتقل في جزيرة ايمرالي في بحر مرمرة.
وبالفعل، بدأت المحكمة الدستورية النظر بالقضية، وليس فقط بإسقاط
عضوية بعض النواب ومحاكمتهم.
أدرك اردوغان أن الهدف الأساسي من وراء تحريك هذه القضية هو توجيه
ضربة إلى العملية الديمقراطية من خلال إظهار تركيا على أنها بلد
غير ديمقراطي، تضيق حكومته ذِرعا بقِـوى تخالفها، وهذا لا ينسجم في
الواقع مع الموقف الفعلي لحزب العدالة والتنمية، الذي يسعى لمقاربة
جديدة مرِنة ومتفهِّـمة و"شاملة" للمطالب الكردية، في إطار وحدة
الأراضي التركية ونبذ حزب العمال الكردستاني للعنف، وعلى هذا، رفض
اردوغان السعي لحظر حزب المجتمع الديمقراطي، قائلا "إن التجارب
السابقة في حظر الأحزاب الكردية، كانت تنتهي بالنواب الأكراد إلى
أن يذهبوا إلى الجبال وينخرطوا في صفوف حزب العمال الكردستاني".
ويتساءل بعض المعلّـقين عمّـا إذا كان أفضل لتركيا واستقرارها، أن
يكون هؤلاء النواب الأكراد تحت قبّـة البرلمان أم في مغاور الجنوب
الشرقي أو جبال قنديل.
ربحت حكومة اردوغان وواشنطن الجولة الأولى من الصراع مع القوى
المتشددة في الداخل التركي، لكن المواجهة لا تزال مفتوحة في هذا
الداخل بالذات، الذي كان في أساس التوتير مع أكراد تركيا وأكراد
العراق.
محمد نور الدين – بيروت
|
|
|