K.B.X-05.05.08.10.10.EU
أهل الحذوة
عباس عباس
في أوائل كل ربيع, يبدأ الثلج من على قمم جبال كردستان بالذوبان,
وينهمر ماءً سيلاً جارفاً في الأنهر, فيأخذ في طريقه كل شئ, ويغير
من مجراها يوماً بعد يوم, وهذا ترتيب طبيعي على الأرض منذ الخليقة,
ونهر السوبلاخ الذي يمرمن غربي قرية نصران, ليس استثناء عن ذلك .
يرحل الربيع ويقدم الصيف, حين أن يكون النهرقد أتخذ شكله النهائي,
والشكل النهائي لنهر سوبلاخ في القسم المحاذي لقرية نصران بدا
واضحاً, رقراق بعمق الكعب هنا, ضحل هناك, وضيق مجراه في بعضِ منه
والكل يستطيع القفز من عليه, وواسع الجوانب في بعضٍ من أماكنه .
الا أن الشواذ في هذه القاعدة, يكمن في القسم الذي يلي الجسرالذي
كان قد بنته الدولة الألمانية قبيل الحرب العالمية الأولى, ارتفاعه
وصلابته يصدان السيل الجارف, وفتحته على الرغم من سعته يصبح عاجزأ
عن استعاب غزارة المياه المتدفقة بل عائقاً للسيل, فيتجمع الماء
امامه ومن ثم يتخطاه, ليسقط شلالاً يحفر الأرض الرخوة من بعده بقوة
الهبط .
بطول عربتي قطار وعرض عربة, اتخذ النهرشكله النهائي من هذا القسم,
الا أن المفاجئة المفزعة لأطفال القرية كانت في عمقه, والذي تحدى
طول فترة التنفس لبعضٍ منهم تحت الماء, أما المفاجئة الثانية
والمفرحة حقاً لآهل القرية والقرى المجاورة أيضاً, كانت في كثرة
تجمع السمك في القعر, فماؤه عذب وباردٌ في الصيف الحار جداً .
على حافة النهر المرتفعة قليلاً, جلس خورشيد القرفصاء, يراقب عملية
صيدٍ فريدة من نوعها, أحمد المشهور بطول بقائه تحت الماء يصطاد
سمكاً بالغوص في الأعماق المخيفة له كطفل, يملأ رئتيه هواءً, يسد
فمه ومنخاريه بيده, ويندفع بقوة نحو العمق, يغوص ويهدأ الماء من
فوقه, يبقى مخفياً عن أعين خورشيد لفترة زمنيه, يقدرها له بسنة
ضوئيه, ثم يفاجئه باللاندفاع والظهورمن زاوية أخرى, ينفخ بقوة
الثور الهائج الماء المتجمع في فمه, وثوانٍ حتى تبدأ عملية الغوص
نفسها متكررة, بالشهيق والآندفاع والزفير بدون كلٍ وملل .
بالنسبة لخورشيد, عملية الغوص بحد ذاته, هو ما كان يشغله عن
الابتعاد والعودة للدار, أما أحمد وصيده للسمك, فلم يكونا على
البال مطلقاً, وأخيراً وبعد عملية الغوص المتكرره والغير ممل لأحمد,
خرج من الماء ولبس جلبابه الوحيدة, وبدون أن يلتفت الى خورشيد أو
ينطق بكلمة واحدة, أبتعد وأختفى بين أزقة القرية القريبة جداً!....
فترة الظهيره, حين يشتد على الخليقة وهج الشمس التي باتت وكأنها
لصيقة بالأرض, يبدأ فترة السكون, تختفي عن الأعين كل حي, البشر في
دُورها راقدة والحيوان وحسب المسموح لها به, مجاورةً فياً لشجرة,
كثيراً ما تكون وحيدة في جنوبي كردستان, أو لبيت خفيض, ظله
لايتجاوزنفخة بطن لبغل شبعان .
فقط أحمد الصياد, والأن الطفل المعجب به جداً خورشيد!.... هو يخوص
بدون يأس والطفل يراقبه بدون ملل, هذا لايخطر بباله سبب الغوص
المتكرر, وذاك ليس له الا أن يغوص بدون أن ييأس من الغوص, وبعد أن
تكون الشمس قد ابتعدت عن الأرض, يلبس جلبابه الوحيد, والذي يكون قد
أسخنها أشعة الشمس الحارقه, وبدون أن ينطق ببنة شفه, يترك النهر
ليهدء, والطفل المندهش المبهور به وحيداً, ليغيب ثانية بين أزقة
القرية .
لأول مرة وبعد عدة أيام لأحمد في الغوص ولخورشد في المراقبة, بعد
أن خرج من الماء, وهو يحمل جلبابه ابتسم لطفل المبهوربه, وهذا ما
شجع خورشيد لأن يسأل.
- أليس هناك سمك!....
- لا.....انها مروعبه!...
لم يفهم ما يقصده, لذا بقي صامتاً ينظر اليه بعيون تسأل الايضاح .
- قبل أيام , أحدهم ألقى عدة أصابع من الديناميت, قتل ما قتل, وفر
الحي منهم!...
- اذاً لاسمك بعد اليوم؟....
- سيعود....سيعود.....
- لماذا لاتتصيد من غير هذا مكان؟...
ابتسم له وهو يقول:
- لاياولدي....ان لم أجد خيراُ في هذه, فلا خيرٌ في غيرها!...
لم يدرك الطفل ماكان يرمي اليه الصياد, لذا كرر كلامه حين أن لاحظ
حيرته :
- أغوص ياولدي ليس للصيد فقط .
الدهشة غيرت من ملامح الطفل البريئة وهو يرافقه عائدين:
- اذاً ماذا كنت تفعل ياعماه؟....
ضحك ولأول مرة بصوت عال ومن ثم قال:
- الماء البارد العذب حيث الأعماق!...
اندهش خورشيد وصمت برهة, من ثم قال واليأس في صوته:
- لن ألحق العمق قبل أن أكبر, أليس كذلك ياعماه؟....
توقف فجأة, نظر اليه وهو يبتسم, سحبه من يده وعاد به الى النهر, لم
يترك يد خورشيد حتى أن لامس الاثنان معاً برودة الأعماق!...
كان يؤكد لرفاقه عن برودة المياه في العمق, ولكن هل كان من بينهم
من يصدق خورشيد الصغير؟!....
|