|
لقاء حسني مبارك بالأسد يعيد إلى الأذهان رسائله الناصحة إلى
صدام حسين
دمشق - »السياسة«:
تشاءمت المصادر المقربة وشديدة الخصوصية من زيارة الرئيس المصري
حسني مبارك الى دمشق أمس, أولاً لجهة مفاجأتها وعدم انتظارها,
وثانياً لجهة الثقة برئيس النظام السوري بشار الأسد, وهل سيستمع
الى نصائح مبارك في هذا الوقت العصيب, أم انه سيمضي في الورطة نحو
طريق لا رجوع عنه.
ومما زاد في تشاؤم هذه المصادر ان الزيارة المفاجئة للرئيس مبارك,
ذكرتهم برسائل النصح, التي فاقت, اثنتين وثلاثين رسالة, ووجهها الى
رئيس النظام العراقي السابق صدام حسين ولم يستجب لها, أو يأخذ
بفحواها, فانتهى الى السقوط واحتلال العراق.
وأكدت المصادر في هذا الجانب ان زيارة مبارك المفاجئة الى دمشق
جاءت في اطار الجهود المصرية لمساعدة الأسد, وان الرئيس المصري لم
يحمل معه مبادرة عربية لانقاذ النظام السوري, وانما نصح الأسد
بالتعاون التام مع رئيس لجنة التحقيق الدولية المستقلة في جريمة
اغتيال الحريري, والسماح له باستجواب المسؤولين السوريين المشتبه
بهم في مكان آخر خارج سورية, أو داخل سورية وحسب طلبهم وبالطريقة
التي يريدونها لأن الأمر كناية عن استحقاق دولي وليس عن رغبة
أميركية فقط, طالما انه واثق من براءتهم.
وأوردت المصادر المقربة وشديدة الخصوصية, ان الرئيس مبارك قال
للأسد, ما معناه, ان عليه تسليم هؤلاء المشبوهين, مهما علا شأنهم,
ومهما كانوا, لجهة القرابة, للقاضي ميليس, وألا يربط قضية التسليم
بمبدأ سيادة الدول. وذكره في هذا المجال بامتناع صدام حسين عن
القبول بتفتيش القصور الرئاسية بحجة سيادة الدولة, والذي عاد وقبل
به صاغراً تحت الضغوطات الدولية, وعلى قاعدة ليدخلوا القصور بدل أن
يدخلوا العراق.
وأوضح الرئيس مبارك للأسد, ودائماً حسب المصادر, واقع العلاقات
العربية الراهنة, ومواقف الدول, وقال له, بما معناه, أن لا أحد راض
على سياسته الراهنة في العالم العربي, وأفهمه بأن عليه ألا يرتدي
عباءة الوطنية والقومية, ويرفع شعارات التصدي والصمود والدفاع عن
القضية الفلسطينية, التي اعتمدها قبله صدام حسين, وكأنه لا يوجد
بين العرب وطني وقومي إلا سورية. كما أفهمه أن خطابه السياسي
القائم على الشعارات والكلمات الرنانة لم يعد صالحاً في هذا الزمن,
وأن لا أحد من أبناء الشعوب العربية يأكل منه, أو يقتنع به, وخصوصا
عندما يربط رفضه التعاون مع المجتمع الدولي, ومع القاضي ميليس,
برفض الخنوع والذلة, واضاف الرئيس مبارك قائلاً للأسد, بما معناه,
لم يقل لك أحد أن تخضع بل لا تفتعل المشكلات مع المجتمع الدولي. إن
اجتماعك بقادة الفصائل الفلسطينية الموالية للنظام السوري,
والمعادية للسلام, قد أخذ عليك, وسجل ضدك, واحتسب في عداد سلوكياتك
المتطلعة الى إثارة المشكلات.
وأكدت المصادر المقربة أيضاً ان الرئيس المصري قال للأسد بصراحة,
وبما معناه ان المجتمع الدولي لا يثق بالنظام السوري وبالقيادة
السورية ولديه قناعة بأنك لا تسيطر على أوضاع البلاد, وان ليس
أمامه من طرق مفتوحة إلا طريق التفاهم مع المجتمع الدولي, والتعاون
مع القاضي ميليس. واستدرك الرئيس مبارك قائلاً للأسد, بما معناه:
ألاحظ أنك غير قادر على تسليم المتورطين, فأوحى له الأسد بأنه غير
قادر فعلاً على السيطرة على الأجهزة, فأجابه الرئيس المصري بأن
عليه أن يدلي بهذه الحقيقة للأطراف الدولية المعنية, إذ ربما وجدوا
له صيغة للحل, تخرجه من الورطة, فاعترف الأسد بأن كل الحلول التي
أمامه متعبة, ثم بدأ يشكو له من أوضاع داخلية عدة, شارحاً ما يتمتع
به من قدرات للتعامل معها, وطالباً منه المشورة حول ماذا يجب عليه
أن يفعل حتى يكون قادراً على التعامل مع الطلبات الدولية, وخصوصاً
انها تريد منه تسليم أخيه ماهر وزوج أخته آصف شوكت للقاضي ميليس.
وأوحى الأسد في هذا المجال, وبعبارات رمزية, بعدم قدرته على التغلب
على الجيش, وعلى أجهزة الأمن, وعلى أخيه وصهره.
وفي نهاية اللقاء لمح رئيس النظام السوري بشار الأسد للرئيس المصري
حسني مبارك بأن يجد له حلاً يخرجه من كل هذه المتاعب والمخاطر.
ولفتت المصادر الى ان هذه المصارحة الصعبة جرت في خلوة بين
الرئيسين, ولم يحضرها أحد من أعضاء الوفد المصري أو السوري, وانما
تمت عقب اتصال هاتفي من الأسد لمبارك أجراه أول من أمس, وقال له
فيه مبارك »أحسن حاجة أجيلك بكره (أمس), لأن الكلام مش بتاع
تليفونات« ومجيء مبارك إلى دمشق تم بعد أن شعر بأن الأسد غير قادر
على مغادرة دمشق.
وكانت مصادر مقربة من الجامعة العربية توقعت ان تطلق الجامعة
مبادرة لمساعدة سورية شرط التزامها بالقرارات الدولية ذات الصلة,
والتعاون الكامل مع لجنة التحقيق الدولية ولكن تلك المبادرة اصطدمت
برفض أميركي وفرنسي وسط تأكيد الدولتين ان الحل الوحيد أمام الأسد
إذا كان واثقاً من براءة مخابراته هو التعاون الكامل مع التحقيق
الدولي.
|