|
باحثون مصريون يرسمون ثلاثة سيناريوهات للتحولات السياسية "القسرية"
في سورية
دمشق تواجه "التغيير الحتمي"... والنظام يحاول تخفيف "الثمن"
يتفق الكثير من الباحثين المصريين في خضم التوقعات عن ضربة عسكرية
أميركية لسورية سواء كانت سريعة على الحدود مع العراق أو هجوماً
كبيراً على أن مصر تسعى جاهدة لمنع حدوثها لأن هناك اتفاقية عسكرية
تلتزم الطرفين بالدفاع عن أراضي الدولة التي تتعرض لعمل عسكري,
وعلى اعتبار أن سورية متأخرة عن مصر من حيث تطور الحياة السياسية
والاقتصادية نحو عشرين سنة بحسب ورشة عمل »حول الإصلاح في العالم
العربي«.
أقامها مركز الدراسات السياسية والستراتيجية في مؤسسة الأهرام, فإن
الدكتور عبد المنعم سعيد رئيس مركز الدراسات في المركز يرى أن
سورية من ناحية نظامها السياسي والاقتصادي تنتمي إلى عالم تقلص,
فالدولة فيها تحكمها أيديولوجيا شاملة تدعي أن لديها قدرة على
تفسير الماضي والحاضر, وحزب سياسي مسيطر, وبيروقراطية حاكمة وكل
ذلك مركز في يد مجموعة قليلة نسبيا من الأفراد يكتسبون شرعيتهم من
تواجد تاريخي.
انطلاقا من ذلك يرى سعيد أن النظام السوري لديه ضمن موجة التغيير
التي تجتاح العالم عدة سيناريوهات الأول أن يستمر هذا النظام على
ما هو عليه وبذلك تبدأ بداخله سلسلة من الأزمات كثير منها داخلي
وبعضها خارجي نتيجة أدواته القاصرة في التعامل مع المتغيرات
العالمية وثاني السيناريوهات محاولة التكيف مع المتغيرات عن طريق
إجراءات موقتة وبسيطة وإجراءات دعائية أمام العالم وهذا السيناريو
من شأنه أن يخلق حالة إحباط داخلي مع الواقع ويؤدي إلى عدد من
التفجرات الداخلية.
أما السيناريو الثالث فهو أن يقرر النظام التغيير بمحض إرادته عبر
تغيير في تركيبة الحكم وتغيير النظرة إلى الحياة السياسية
والاجتماعية وهو ما يحدث في مصر والأردن والمغرب وبعض دول الخليج.
وبرأي سعيد فإن السيناريوهين الأول والثاني ينطبقان على سورية وهذا
ما يجعلها تتحرك ببطء وبشكل غير مقنع للعالم الخارجي الذي ينظر
إليها على أنها لا تتغير على الإطلاق, لكنه يصر من جهة أخرى على أن
التغيير سيحدث لا محالة في سورية ولكن الأهم منه هو الثمن.
معربا عن اعتقاده أن أميركا لن تستخدم القوة ضدها لأن النظام
السوري لا يدخل أبدا في حالة الصدام المتكامل لأنه سيقدم التنازل
اللازم لتراجع أميركا التي تهدف بالأساس إلى دفعه للقيام بسياسات
تهم أميركا, كما أن الصعوبات التي تواجهها في أفغانستان والعراق
ستجعل من سورية مغامرة أخرى في غنى عنها إضافة إلى أن صورة النظام
السياسي السوري تختلف عما كان عليه النظام السياسي العراقي وهو
يبدو من الخارج أكثر إنسانية.
أما نائبه الدكتور محمد سيد سعيد يعتقد أن السمة العامة للنظام
السوري هو فشله في مواجهة مشكلاته الخارجية ويرى أن السيناريوهات
المستقبلية له تقع في إطار سيناريوهات مرجحة على عدد من دول
المنطقة الأول استمرار السيطرة الأمنية مع استقرار نسبي وخلافات
وتشتت تضعف الدولة والمجتمع وهذا مرجح في مصر وسورية والجزائر
واليمن.
وثانيها تحول مراكز السلطة من بيروقراطية أمنية إلى أوليغركية
مالية نحو ليبرالية متوحشة وهذا ما تسعى أميركا إلى دعمه من أجل
إضعاف الدولة مقابل تقوية الامبراطوريات الاقتصادية والاحتمال
الأخير أسلمة الدولة وتكوين هيمنة بديلة وهذا الاحتمال وارد من
الناحية النظرية فقط نظرا لقوته وعمقه في الواقع.
ورغم أن نائب رئيس مركز الدراسات يرى أن الحل الديمقراطي الاجتماعي
هو الوحيد لفتح الطريق أمام ديمقراطية ذات معنى عبر إنجاح وتعزيز
المجتمع المدني إلا أنه يعتقد أن هذا الأمل ضعيف مشيرا إلى أنه في
سورية بدأ الأمر مبشرا لكنه اختفى واضمحل حاليا.
الباحث الدكتور عمر الشوبكي يحدد رؤيته عن مستقبل النظام السوري في
أن التغيير سيحصل بأسرع مما نتصور مضيفا أنه حتى لو تغير النظام
السوري فإن القوى الداخلية هي التي ستكون حاملة للتغيير ولكنه لا
يخفِ في الوقت نفسه أن المناخ الدولي سيكون له دور في ذلك دون أن
يعني ذلك أن التغيير سيحدث في إطار الضغط الدولي.
من ناحيته يرى الدكتور جمال عبد الجواد صاحب كتاب المأزق السوري
بعد الخروج من لبنان أن وصول الرئيس بشار الأسد إلى الحكم تم في
ظروف غاية في التعقيد "الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان ورئيس
جديد للولايات المتحدة وتوقف المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية و11
سبتمبر وأزمة العراق.
ورغم أن جواد يخلص إلى"إخفاق سورية في التكيف مع المتغيرات
السياسية الإقليمية إلا أنه يعتبر أن بيد سورية نقطتي قوة سيكمناها
من تغيير كثير من وضعها في المنطقة, علاقاتها مع أميركا والإصلاح
الداخلي الذي يعتبر عاملاً "إقناعيا" للأوروبيين بأن تقدما سورياً
يحدث في مجال حقوق الإنسان من شأنه أن يدفعهم لتقديم الدعم لها.
جواد يشير إلى أن النقطتين السابقتين هما ذاتهما أداة الضغط على
سورية وهما مرتبطتين بالتقدم في قضية الديمقراطية لافتا إلى أن
مؤتمر الحزب الحاكم قرر أن يكون هناك إصلاح لكنه تساءل"هل هم
مستعدون أن يطبقوها بدون ضغوط? مشيرا إلى أن نواة سقوط النظام
السوري بالداخل وليس بالخارج.
لكن نائب رئيس قسم دراسات الرأي العام في مركز الأهرام ابراهيم
ناجي يرى عكس ذلك "أن المتغيرات الدولية ستدفع سورية إلى حرق
المراحل في الإصلاح السياسي مشيرا إلى أن التحول المباشر خطر ولكن
تنشيط حالة المجتمع المدني بدعم من السلطة كركيزة أولى للإصلاح
السياسي ونشر خلفية سياسية بديلة عن ثقافة الحزب الواحدة إحدى
الخطوات التي يجب أن يتبعها النظام السوري معربا عن اعتقاده أن
الدولة يجب أن تعيد جذور الثقة مع النخبة في إطار المصلحة القومية
للدولة السورية وأنه لا ينبغي أن يصل الحوار إلى مرحلة التشكيك
فيهم.
ومن جهة أخرى يرى ناجي أن المطلوب بالمقابل من مؤسسات المجتمع
المدني أن تثق بالنظام وتتوافق معه على خطوط عامة يتم الاتفاق
عليها عبر عقد اجتماع بين الطرفين دون أن تشكك بجدية الإصلاح.
|