|
مساء
يوم الثلاثاء المصادف 28 / 12 / 2004 دعا الأستاذ سليم خير بك رئيس
مجلس إدارة منتدى الأتاسي المسمى كذلك تيمناً باسم المفكر والمناضل
السياسي الاتحاد الاشتراكي العربي في سوريا.
دعا
إلى ندوة إلى ندوة عقدت في العاصمة السورية دمشق حول القضية
الكردية في سوريا بعنوان ( بحث القضية الكردية في سوريا على أرضية
المواطنة السورية والمصلحة المشتركة في التعايش العربي الكردي).،
وذلك إيماناً من المنتدى بأن الحوار الديمقراطي هو الكفيل بالوصول
إلى رؤى صحيحة وحلول لمشاكلنا الوطنية.
ضمت
الندوة عدداً من المتحاورين يمثلون الطيف الوطني. أما الحوار
الرئيسي فقد كان مقتصراً على السادة:
-
المحامي محمد نذير مصطفى. سكرتير الحزب الديمقراطي الكردي في
سوريا (( البارتي )).
-
الأستاذ إسماعيل عمو . رئيس حزب الوحدة الديمقراطي الكردي في
سوريا ( يكيتي ).
-
المحامي محمد رعدون. الناطق باسم المنظمة العربية لحقوق
الإنسان.
-
سليمان الشمر. ممثلاً عن التجمع الوطني الديمقراطي في سوريا،
المكون من حزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي، وحزب
العمال الثوري العربي، والحزب الشيوعي السوري ( المكتب السياسي
)، وحركة الاشتراكيين العرب في سوريا.
-
الدكتور على حيدر. ممثلاً عن الحزب السوري القومي الاجتماعي في
سوريا.
-
الدكتور ( الأستاذ الجامعي ) ناصر عبيد الناصر. العضو في قيادة
فرع جامعة دمشق لحزب البعث العربي الاشتراكي في سوريا.
-
الدكتور ( الأستاذ الجامعي ) سليم بركات. عضو في حزب البعث
العربي الاشتراكي.
عقدة
الندوة برعاية الأستاذ سليم خير بك المذكور أعلاه وبإدارة الأستاذ
جاد الكريم جباعي ( أستاذ جامعي سابق )، وهو عضو مؤسس في لجان
إحياء المجتمع المدني في سوريا.
وحضرها إلى جانب المتحاورين جمع غفير من المثقفين والمفكرين
والسياسيين من العرب والكرد السوريين نذكر منهم:
* المحامي الأستاذ حسن عبد العظيم الناطق الرسمي باسم التجمع
الديمقراطي المشار إليه، وأمينه العام.،
والمحامي الأستاذ هيثم المالح رئيس جمعية حقوق الإنسان في سوريا.،
والأستاذ طارق أبو الحسن الأمين العام لحزب العمال الثوري العربي.
بالإضافة إلى الأمناء العامين لأحزاب الجبهة الديمقراطية الكردية
في سوريا.
السادة خير الدين مراد.،
وطاهر صفوك.،
وعزيز داوود *.
افتتح الأستاذ خير الدين بك
الندوة مرحباً بالحضور في كلمة مختصرة، تطرق فيها باجابية رائعة
للقضية الكردية معتبراً إياها قضية وطنية سورية بامتياز.
ثم
تلاه مدير الندوة الدكتور الجباعي بكلمة مقتضبة لخص فيها
القضية الكردية في سوريا وأوضح حقائقها ودعا إلى التعاطف معها
واعتبارها قضية وطنية تهم العرب كما تهم الكرد.
ثم
دعا المحامي محمد نذير مصطفى سكرتير ( البارتي ) لتقديم
مداخلته، فقام هذا الأخير بتلاوة مداخلته قدم فيها نبذة مختصرة عن
تاريخ نضال الكرد ابتداءً من القرن التاسع عشر وكيفية إلحاق جزء من
الشعب الكردي مع موطنه بالدولة السورية، وما يفرضه هذا الوضع على
العرب والكرد من ضرورة التوصل إلى بلورة أوضاع حقوقية، وسياسية
تحدد حقوق وواجبات الشعبين ضمن الوطن الواحد، ثم تطرق إلى الأوضاع
الراهنة للكرد في سوريا المتمثلة في الحرمان المطلق من الحقوق
القومية، والتعرض لإجراءات استثنائية ظالمة، وانتهت المداخلة
باقتراح حلول منطقية ودستورية للقضية الكردية على الأصعدة
السياسية، والثقافية، والاجتماعية.
ثم
تلاه في المداخلة الأستاذ إسماعيل عمر سكرتير حزب يكيتي،
وقد تطابقت هذه المداخلة في معظمها مع المداخلة الأولى، وبعد ذلك
توالى في تقديم المداخلة كل من المحامي محمد رعدون ممثل الجمعية
العربية لحقوق الإنسان، والأستاذ سليمان الشمر ممثلاً عن التجمع
الوطني الديمقراطي، والدكتور علي حيدر عن الحزب السوري القومي
الاجتماعي، أبدوا فيها تأييدهم وتعاطفهم بل واستعدادهم للنضال
في سبيل تحقيق الحقوق الكردية المشروعة، كما ألقوا أضواءً على
القضية الكردية من وجهة النظر العربية العادلة المتخلصة من التعصب
والعنصرية.
بعد
ذلك أعطي الحديث
للدكتور الناصر،
والدكتور بركات المنتميين لحزب البعث، فأبديا تعاطفاً إنسانياً
حذراً مع حقوق الشعب الكردي في سوريا، ورأوا ضرورة رفع بعض
الإجراءات الجائرة بحقهم، إلا أن حديثهما كان محفوفاً بالحذر
والتشكيك، الأمر الذي جعل مداخلتيهما موضوع استغراب، وتساؤل من
كافة الحاضرين، وخاصة من الجانب الكردي، وبالتالي أدى إلى أن ينحصر
توجيه الأسئلة إليهما فقط، الأمر الذي يجعل من الضروري تكرار أمثال
هذه الندوة لإزالة الضباب الذي يلف القضية الكردية في سوريا.
كانت الندوة ناجحة عموماً، وقد تقبل كافة الأطراف النقاش بصدر رحب
في جو ديمقراطي تام.
وفيما
يلي النص الكامل لمداخلة الرفيق السكرتير العام:
أيها الأصدقاء الأعزاء
أيها الأخوة والأخوات
باسمي
وباسم الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا وباسم الجبهة الديمقراطية
الكردية في سوريا، أحييكم وأتقدم إليكم بخالص الشكر والامتنان
لمساعيكم الكريمة لعقد هذا اللقاء الذي كنا نتطلع إليه منذ زمن ليس
بالقريب، ونأمل له أن يكون نقطة الانطلاق إلى لقاءات أوسع
وأجدى حتى نتمكن في نهاية المطاف من وضع الخطوط النهائية للعمل
المشترك على ساحتنا الوطنية العزيزة.
لقد
جئناكم أيها الأخوة بقلوب وعقول مفتوحة لنستقبل من جهة أفكاركم
وتصوراتكم النيرة لنهتدي بها في مسيرتنا بقصد تلافي مواطن الزلل
وتدارك الشطط والجموح، والتركيز على ما هو صائب ومحق، ولنشد من جهة
أخرى انتباهكم إلى قضية منسية ومسكوت عنها رغم أنها قديمة قدم
الوجود الكردي في هذه المنطقة.
لقد
جئناكم أيها الأخوة لنؤكد لكم أنه لا يجوز أن تعتبر القضية
الكردية في سوريا هماً كردياً بحتاً ـ كما توحي به التسميةـ بل هي
هم سوري أيضاً بقدر ما هي هم كردي، هي هم وطني بقدر ما هي هم
قومي، ومن هنا تبرز أولى مكونات مسؤولياتكم وواجباتكم تجاه القضية،
فالقضية لا تعيش في فراغ بل على أرض مشتركة نشكل بين سكانها قرابة
الإثني عشر في المائة، وتشكلون أنتم البقية الباقية بأكثرية هائلة
تقارب التسعين في المائة.
فلنضع
هذا الصورة في اللوحة الكاملة للشعب الكردي في المنطقة لنتصور
شعباً يتراوح تعداده بين الـ 35 والـ 40 مليوناً من البشر، لا يشكل
كرد سوريا من مجموع أكثر من 6%، شعباً من الشعوب القليلة التي لم
تتوضع في المنطقة عن طريق الهجرة إليها أو غزوها وإنما عن طريق
الإقامة الأصلية القديمة قدم التاريخ، إذ لا يعرف التاريخ بداية
لسكنى هذا الشعب في هذه المنطقة، شعباً كان إلى جانب تمتعه بالروح
القتالية العالية، حريصاً على احترام حقوق غيره من الشعوب، فلم
يسبق له أن اعتدى على جار أو حاول غزوه رغم أنه كان دوماً في حالة
مقاومة مستبسلة للغزوات والفتوحات القادمة من الخارج وسواءً غلب أو
غُلب فقد كان يبقى دوماً مستقل الإرادة عصياً عل الإذابة متمسكاً
بذاته من خلال تمسكه بقيادة أمرائه وقادته سواءً كان هؤلاء أحراراً
أم أتباعاً للسلاطين الفاتحين والمهيمنين على المنطقة.
نعم
لقد ظل الكرد في ظلال تلك الظروف القاسية متمسكين بقوميتهم، ناطقين
بلغتهم التي لم تتخللها الشوائب إلا في الأطراف من كردستان رغم
افتقارهم لأية مرجعية لغوية أو هيئة مختصة تحافظ على قواعد لغتهم
ومفرداتها.
هذه
الحالة ـ قومية صغيرة بالنسبة للوطن السوري ملتحة وطنياً بالعرب
السوريين، وملتصقة قومياً وجغرافياً بأبناء جلدتهم في كردستان
تركيا والعراق ـ هذه الحالة للشعب الكردي في سوريا فرضت له
وعليه وضعاً متميزاً عن وضع العرب السوريين، ومغايراً بنفس الوقت
لأوضاع أبناء الشعب الكردي في الأقطار الأخرى. إزاء هذا الوضع
نعتقد أننا تمكنا في أحزابنا وخصوصاً في الجبهة الديمقراطية
الكردية من التوصل إلى تكييف الحقوق والواجبات التي يبلورها
الانتماء السوري والانتماء الكردي، ومن وضع استراتيجية غير منحازة
لأي من الإنتمائين على حساب الآخر ، وهذا ما نطمح إلى نقله
إليكم من خلال هذا اللقاء بكل صدق وإخلاص. المواطن الكردي في سوريا
كمحاولة أولية لسد الثغرات في معلوماتكم عن الكرد وعن الحركة
الكردية، ومبادرة متواضعة لإنارة الطريق أمامكم لتتمكنوا من وضع
أقدامكم على بداية الطريق الصحيح في مضمار التعاون والتواصل المفضي
إلى ما فيه خير الوطن والشعب بكل أطيافه وشرائحة.
أيها الأخوخة والأصدقاء
لئن كانت رغبة كل شعب متميز عن غيره من الشعوب تتجلى في التحرر
التام وإنشاء دولته القومية، فإن هذه الرغبة قد راودت قيادة الكرد
وأولي الأمر منهم منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر
من ثورة بدرخان باشا، ومروراً بثورة عبيد الله النهري، وانتفاضة
الملا سليم، وقد شارفت هذه الأمنية على أن تتحقق بعد معاهدة سيفر
عام 1920 لولا ظهور مصطفى كمال في الأناضول واكتشاف البترول بكميات
احتياطية هائلة في ولاية الموصل ( كردستان الحالية )، إذ أبرمت
اتفاقية لوزان بعام 1923 التي قضت على آخر أمل كردي في الاستقلال,
الأمر الذي لم يكن للكرد إذاءه مناص من الانتفاضة والثوران إزالة
هذا الغبن، فكانت ثورة الشيخ سعيد في ديار بكر، وإحسان نوري باشا
في آغري، وسيد رضا في ديرسم ، وفيرها وغيرها في كردستان تركيا،
وثورة محمود الحفيد، وثورات بارزان الأولى في كردستان العراق، أما
في إيران فقد كان في النهاية المأساوية لجمهورية مهاباد الفتية
مؤخراً أكبر العبر للشعب الكردي المتمثلة بأن الاستقلال لا ينال
بالتضحيات فقط، فعلى حد قول الأخ مسعود البارزاني قدم الأكراد
من الضحايا ما يكفي لتحرير عشرة أوطان، بل لا بد من مواتاة
الظروف الدولية التي كانت حتى انتهاء الحرب الباردة تحافظ على راهن
الأوضاع وتمنع التعرض لها خارجياً أو داخلياً كي تسود حالة
الاستقرار جميع الدول حتى ولو كان ذلك الاستقرار يخفي الكثير من
الإجحاف، والغبن، والكبت للكثير من الشعوب.
أما الشعب الكردي في سوريا، والذي لا يشكل إلا جزءاً يسيراً من
أبناء جلدته، فقد رأى نفسه بين عشية وضحاها يقف قبالة حدود دولية
تفصله عن أخوة له وراءها فالقبيلة الواحدة والعائلة الواحدة،
وأحياناً الأسرة الواحدة انقسمت إلى شطرين، شطر أعتبر في عداد
المواطنين الأتراك، وشطر في عداد المواطنين السوريين.
لا شك
في أن كرد سوريا قد استبشروا خيراً بتخليصهم من نير الحكم العثماني
الذي تحول إلى حكم فاشي تركي بحت ورأوا في أخوتهم العرب خير شريك
في الوطن، فحاولوا منذ الأيام الأولى التكيف مع الواقع الجديد،
فقاموا قبل كل شيء بأداء واجبهم تجاه الوطن في سبيل تحريره من ربقة
الانتداب، سواء بالاشتراك مع العرب كما في جبل الزاوية، وغوطة
دمشق، أو على وجه الاستقلال كما في ثورة المريدين، وانتفاضتي
عامودا، وبياندور، وإلى جانب ذلك قاموا بافتتاح عدد قليل من
النوادي وتأسيس بعض الجمعيات، وحاولوا إنشاء بعض المدارس لتعليم
اللغة الكردية، إلا أن ذلك جوبه بعدم الترخيص أولاً وبالإغلاق
ثانياً، كما قمت سلطات الانتداب بنفي زعماء الكرد من الجزيرة، وعين
العرب، وجبل الأكراد إلى دمشق استجابة لرغبة السلطات الفاشية في
تركيا لإبعادهم عن الحدود لتوجسها خيفة من قيامهم بالتحضير لثورة
داخل تركيا.
في
العهود الوطنية ظلت سياسة إدارة الظهر للحقوق القومية الكردية
سارية ولم تزل حتى الآن، وكانت هذه السياسة السلبية الصامتة تترافق
في بعض العهود بممارسات لا يمكن تصديق حدوثها، فالكلام بغير
العربية خارج البيوت محرم، وتجاوز صوت آلة تسجيل صادحة بأغنية
كردية خارج سور المنزل جريمة، وضبط وريقة فيها قصيدة شعر كردية أو
لأحد مشاهير الكرد إخلال بالأمن القومي، كانت تؤدي كلها إلى إذاقة
مقترفيها الأمرين من التعذيب والضرب، والشتم والإهانة علناً أمام
أنظار ومسامع الناس والاقتياد للسجون، وقد ازدادت هذه الممارسات
حدة بعد تأسيس أول تنظيم كردي في سوريا بعام 1957، وارتفعت وتيرتها
حدة بعد اندلاع ثورة أيلول عام 1961 في كردستان العراق وأصبحت
معاداة السلطات للكرد تمارس علناً، ودون أية مواربة بعد الثامن من
آذار 1963, إذ غدت تمارس بموجب مراسيم وقرارات ولوائح رسمية معلنة،
ومنشورة في الجريدة الرسمية تلوح وراءها لكل عين كردية صورة
المذكرة السيئة الصيت التي قدمها للسلطات الضابط الأمني آنذاك،
محمد طلب هلال, وإليكم فيما يلي بعضاً منها:
لقد
أفرز الإحصاء ولا يزال نتائج وتداعيات خطيرة في مجال التملك
والسفر، وفي كافة العلاقات مع الدولة، إلا أن أخطرها وأشدها كارثية
هو وضع الطلاب الحاصلين على الشهادة الثانوية، فهم لا يمنحون وثيقة
النجاح إلا بعد إثبات هويتهم. هذا الأمر الذي يستحيل تحقيقه لعدم
وجود وثائق إثبات الهوية أصلاً.
-
بعام 1966 بدئ بتنفيذ مشروع الحزام العربي الهادف إلى إخلاء
الشريط الحدودي مع تركيا والعراق بطول 280 كم وبعمق يتراوح بين
10 إلى 15 كيلو متراً أو تخفيف نسبة السكان الكرد فيه ، فقد
قامة مديرية الإصلاح الزراعي بالإستلاء على المساحات الفائضة
عن سقف الملكية ولم تقم بتوزيعها على الفلاحين وفقاً لقانون
الإصلاح الزراعي، بل تم تسليمها برمتها إلى مدرية مزارع الدولة
لاستثمارها مباشرة تاركة آلاف العوائل الفلاحية تحت غائلة
الجوع والفقر، وبعام 1973 تم استقدام عوائل من الأخوة العرب من
محافظتي الرقة وحلب وتم توطينهم على طول الشريط بعد بناء قرى
نموذجية مؤمنة الخدمات من مياه وكهرباء ومدارس وقروض زراعية
وإقطاعهم مساحات مجزية من الأراضي الزراعية الخصبة بحجة
التعويض عن أراضيهم التي غمرتها مياه سد الفرات، هذا إلى جانب
تسليحهم بأسلحة أثقل من أن يجاز بحملها المدنيين، ويجدر بالذكر
هنا أنه عندما أفلس الفلاحون الكرد من الأراضي، بادروا إلى
اقتلاع الصخور من مساحات ضئيلة من الأراضي المحجورة ليقوموا
باستثمارها، إلا أن الدولة بادرت إلى مصادرتها هي الأخرى
وتسليمها إلى الفلاحين المغمورين بذريعة إكمال النقص في
استحقاقهم من المساحات.
-
في عام 1952 كان قد صدر المرسوم التشريعي رقم / 193 / الذي
يعلق تسجيل ملكية الأراضي الزراعية وكافة الحقوق العينية
المترتبة عليه في الشريط الحدودي في محافظتي الجزيرة بكاملها
بهذا الترخيص بما فيها دور السكن التي استثنيت مؤخراً وقبل بضع
سنوات فقط من هذا الإجراء، والجدير بالذكر أن هذه الرخصة لم
تمنح البتة لأي ملاك أو مشتر كردي.
-
منذ عام 1963 لم يتول كردي منصباً في الدولة، مهماً كان هذا
المنصب أو غير مهم، وانسب هذا الاستثناء للمناصب على الوظائف
من الدرجات الدنيا، إذ يصعب حتى الآن توظيف كردي إلا بشروط
يصعب تحقيقها، وينسحب هذا الأمر على المعاهد الملزمة بتوظيف
خريجيها.
-
في الآونة الأخيرة تم تعليق تسجيل المواليد في قيود الأحوال
المدنية على موافقة الأمن السياسي، هذه الموافقة التي لا تتم
إلا بعد أخذ ورد وتحقيق حول المولود وهل هو فعلاً للوالدين
اللذين ينسبانه إليهما أم هو من الأجانب ويحاولون أولياؤه دسه
في سجل المواطنين.
-
وتأتي في جملة الإجراءات الاستثنائية مشكلة التعريب التي تتجلى
في تعريب أسماء القرى رغم ما تحمله تلك الأسماء من مدلولات
تاريخية وتراثية عزيزة على قلوب سكانها لارتباطها بانتمائهم
القومي، وكذلك تعريب أسماء المحلات ومحاولات تعريب أسماء
المواليد الكردية عند مرور شهادات ولادتهم على دوائر الأمن.
-
كانت خاتمة المطاف في العلاقات بين الدولة والكرد، تلك المجزرة
الكارثية التي حدثت في آذار 2004، إذ أسفرت الأحداث عن استشهاد
/ 27 / شخصاً وجرح المئات واعتقال الآلاف، حيث لا يزال ما يزيد
عن المائتين يقبعون في السجون، هذا بالإضافة على قيام إدارات
الجامعات بفصل العديد من الطلاب، كان بينهم طلاب في السنوات
الأخيرة لدراستهم.
هذه
الإجراءات وغيرها، من الإجراءات التي لا يمكن حصرها، لم تتسبب حتى
الآن ـ والحمد لله ـ في حرف الكردي عن طريق الوطنية القويم، فقد ظل
مثابراً على أداء واجباته تجاه الوطن بكل شرف وإخلاص رغم حرمانه من
معظم الحقوق المترتبة على أدميته أولاً، وعلى مواطنته ثانياً، هذه
الحقوق التي يفترض أن تكون محمية بدستور البلاد وبالمواثيق والعهود
الدولية المقننة منذ عشرات السنين.
إذا
كانت الحركة الكردية بكافة فصائلها تعتمد برامج تخلو من أية إشارة
إلى الانفصال فإنها بأسرها تطالب بالتمتع بكافة الحقوق القومية ضمن
الوطن الواحد وتترك تحديد آلية تحقيقيها وتفاصيلها للحوار
الديمقراطي مع المسؤولين ومع الحركة الوطنية في سوريا، هذا الحوار
الذي نتمنى أن تكون ندوتنا هذه بمثابة إحدى حلقاته.
هذا
هو الوضع الراهن للكرد في سوريا ـ حرمان كامل من الحقوق
القومية، السياسية، منها والثقافية، والاجتماعية، وتعرض سافر
لإجراءات استثنائية، معظمها مقنن بمراسيم وقرارات منشورة في
الجريدة الرسمية، الأمر الذي ألقى إلى الشارع بجيش من العاطلين
وإلى المدن والدساكر البعيدة جحافل من المتسكعين وماسحي الأحذية،
وعمال المقاهي والفنادق والمطاعم وإلى بلدان الغرب جيوشاً من
المهاجرين واللاجئين.
مما
سبق يسهل القول بأن للكرد وضعاً راهناً خاصاً، مواطنون من الدرجة
الـ ... أدنى من الثانية حتماً، وهذا ما يتعارض مع أي ادعاء بأن كل
السوريين متساوون أمام القانون.
أما
الوضع الخاص الذي نطمح في أن نؤول إليه هو أن نكون متساوين أمام
القانون.. كل حسب وضعه الخاص: العرب من حيث كونهم عرباً والكرد من
كونهم أكراداً، فليس من المساواة قط أن يعتبر الكردي عربياً لا
أمام القانون ولا غيره.
كل
الدول وكل المجتمعات البشرية العصرية وغير العصرية ترى في التنوع
نعمة، ما عدانا، فهي في نظرنا نقمة يجب الحذر منها كل الحذر، وعلى
كل الأجهزة وعى الخصوص الأمنية منها أن تكون مستنفرة لمواجهة أي
(تخريب) يأتي من ( العدو الداخلي ).
الحقيقة :
إن
التعدد القومي نعمة ما بعهدها نعمة إن تمتعت القومية ـ صغيرة كانت
أو كبيرة ـ بكامل حقوقها، فبدلاً عن الثقافة الواحدة والفن ذي
الهوية الواحدة واللغة اليتيمة.. إلخ. نصادف في المجتمع التعددي
ثقافات وفنون ولغات متعددة تتلاقى أو تتنافس في سبيل الأجود
والأرقى، وبالمقابل فإن هذا التعدد يكون نقمة لو تفردت فتنة كبيرة
بالسلطة والسيادة واستأثرت بكل مقدرات المجتمع، لأن ما أشرنا إليه
من حب غريزي للوطن قد يتضاءل مع الأيام عند الفئات الصغيرة المهمشة
بتراكم الكبت وزيادة ضغط الحيف والغبن، إذ لا بد أن يأتي ذلك
اليوم الذي لا يبقى فيه بد من الانتفاض والثوران، الأمر الذي يفتح
الباب على مصراعيه أمام التدخلات الأجنبية تحت أية ذريعة من
الذرائع الشائعة عالمياً هذه الأيام، ولو كرهت الأقليات .
كي يكون الجميع للوطن لا بد أن يكون الوطن للجميع.
عندما يكون الوطن لي كما هو لجاري أو لصديقي أو حتى لغريمي، فإنني
سأكون للوطن، أما أن يكون الوطن لهم فقط من دوني فإنني عندما أدافع
عنه سأشعر حتماً بأنني إنما يمكنني هذا الوطن من ممارسة خصوصيتي في
إطاره فأندفع إلى خدمة سوريا ككردي سوري لا كمنتحل للعروبة أو كمن
( أنعم ) عليه بها.
أنا سوري ولكنني لست عربياً، لا أنفة ولا ترفعاً، ولكن تمسكاً
بأصالتي القومية التي ليس فيها ما يشين أو يعيب، ما لم يكن فيها ما
يبعث على الاعتزاز والفخر.
قد
يستعرب الكردي وقد يستكرد العربي طوعاً، وهذا ليس فيه أي تثريب،
والتاريخ الإسلامي بل والعربي يشع بأسماء الأكراد المستعربين ونحن
نفخر ونفاخر بهم، أما التعريب قسراً فإنني أعتقد أنه مستحيل مهما
وهنت إرادة المستهدف به.
لذا
لا أرى الوحدة الوطنية في سوريا إلا من خلال توفر العزة والكرامة
المتلازمتين مع الحرية لكل الفئات القومية المكونة للشعب السوري من
كرد وسريان وآشور وأرمن ليبادر كل منهم من موقعه وبدافع من وجدانه
إلى تأسيس وحدة وطنية أقوى وأرسخ وأعمق جذوراً وأعمق فروعاً.
إن
الوحدة الوطنية القائمة حالياً والتي يساهم فيها الكرد بكل إخلاص
ليس لها سوى جذر واحد وهو حب الوطن، هذا الحب الذي يكاد يكون
غريزياً، والكرد من هذا المنطلق متمسكون بالوحدة الوطنية رغم أنهم
فاقدون كل مقومات المواطنة أو جلها حتى أولئك الذين ( أنعم ) عليهم
الإحصاء بالجنسية فهم يشعرون دوماً بأنه لا فرق بينهم وبين أولئك
المقذوف بهم خارج المواطنة ولولا أن جنسيتهم كانت تبهر عيون
المشرفين على الإحصاء لكان لهم نفس المصير لذلك نرى أن الوحدة
الوطنية المنشودة ستكون أقوى وأرسخ عندما تتوفر لها الشروط التي
أتينا على ذكرها.
تأتي
الحقوق الثقافية على رأس الأولويات، والثقافة الكردية شأنها شأن
سائر الثقافات إذ تشتمل على الأدب والتراث والفنون والفلكلور وقبل
كل شيء والأهم من كل شيء اللغة، لا يمكن المحافظة عليها وتطويرها
إلا باهتمام خاص من الدولة.
أما
هذه المحافظة وهذا التطوير فلا يمكن أن يتم إلا عن طريق المؤسسات،
العامة منها والخاصة، وبعبارات أكثر تشخيصاً حسب اعتقادي:
-
تأسيس مديرية في وزارة الثقافة وأخرى في وزارة التربية تشرفان
على إحياء التراث القومي للكرد والاهتمام بالأدب وتطوير
الفلكلور.
-
السماح بإصدار صحف ومجلات باللغة الكردية.
-
السماح بتأسيس جمعيات وأندية وفرق ثقافية ورياضية وفنية.
-
تخصيص فترات للبث الإذاعي والتلفزيون باللغة الكردية.
-
تدريس اللغة الكردية في المناطق الكردية والأحسن في كافة
المناطق سوريا بهدف تعريف العرب بهذه اللغة التي يشاطرهم
الناطقون بها وطناً واحداً، وافتتاح فرع في كلية الآداب لإعداد
مدرسين وكوادر لتعليم اللغة الكردية.
-
السماح بافتتاح مدارس خاصة للأكراد تحت إشراف وزارة التربية.
أما فيما يتعلق بالحقوق السياسية:
إن
الديمقراطية من حيث كونها نظام حكم يمكن الشعب من أن يسود نفسه
ويسوسها عن طريق تحكيم الأغلبية في مقدراته مع احترام رأي الأقلية
والمعارضة والاعتراف بالتعددية السياسية والقومية ( إن وجدت )، فإن
تطبيقها في سوريا أمر سهل، إذ ليس على الدولة سوى أن تحول المؤسسات
القائمة من مؤسسات شكلية إلى حقيقية: برلمان ومجالس تمثيلية محلية
ومركزية قائمة على الانتخاب المباشر الحر... إجراء تعديلات على
الدستور والقوانين القائمة بحيث تسمح بالتعددية وتداول السلطة...
إلغاء كافة القوانين واللوائح والأنظمة الاستثنائية بحيث تتأمن
سيادة القانون واستقلال القضاء، وإطلاق الحرية للمجتمع المدني
ليؤسس مكوناته الهيكلية والتنظيمية.
هذا
بالنسبة لعموم الشعب السوري، أما الفصيل الكردي منه فإن
الديمقراطية لا تكتمل بالنسبة له إلا إذا تم تمكينه من ممارسة
مواطنته السورية، من خلال كرديته.. كردياً موفور الكرامة معترف
بقوميته كإحدى المكونات القومية للشعب السوري ويأتي ذلك من خلال
الإقرار الدستوري بقوميته وما يستتبعه هذا الإقرار من آثار:
-
تمثيل الكرد في الهيآت المركزية بنسبة تعادل نسبته للسكان وهي
/ 11ـ12 / في المائة.
-
تطوير الإدارة المحلية في المناطق الكردية الصرفة بحيث تؤمن
لهم تمثيلاً حقيقياً في المجالس واللجان المحلية.
-
تطبيق نفس الإجراءات في المناطق المختلفة بحيث تؤمن تمثيلاً
جزئياً للكرد في تلك الهيئات.
-
إحداث وزارة أو مديرية عام تهتم بشؤون القوميات والأقليات.
-
الترخيص للأحزاب الكردية وفق الشروط المتعارف عليها عالمياً،
تضمن لها العمل العلني والتسهيلات والإعانات القانونية وتكفل
رقابة دستورية على أنشطتها.
أما بالنسبة للإجراءات الاستثنائية فنقترح في سبيل حلها ما يلي:
-
إعادة الجنسية لكل من جرد منها في عام 1962 واعتماد
جداول الإحصاء فقط في هذه الإعادة دون المطالبة بغيرها من
الوثائق، إذ يكفي أن يكون المرء قد عاش في وطن واحد طيلة اثنين
وأربعين عاماً ليكتسب أصعب جنسية وأعصاها على الحيازة، مع
الإشارة إلى أن كل الذين ولدوا بعد ذلك اليوم يعتبرون سوريين
بحكم الولادة على الأرض السورية وفق القوانين السورية المرعية،
ثم فتح باب تسجيل المكتومين وإنصافهم أسوة بغيرهم من
المواطنين.
-
إجراء بحث اجتماعي في منطقة الجزيرة وتوزيع الأراضي على
الفلاحين الكرد والعرب كل في منطقته على قدم المساواة وفق
معايير اجتماعية معاشية عادله، ففي تلك الأراضي ما يكفي الجميع
وما يوفر للجميع عيشاً كريماً.
-
إعادة الأسماء الكردية إلى القرى ( معظم سكان هذه القرى لا
يعرفون من الأسماء العربية إلا الاسم الخاص بقريتهم فقط
ويجهلون الأسماء العربية لباقي القرى حتى المتاخمة لهم لأنهم
لا يتداولون هذه الأسماء إلا في المعاملات الرسمية ).
-
عدم إخضاع أي ترخيص للموافقة الأمنية إلا إذا كان المشروع
المراد إنجازه ذا تأثير فعلي على أمن الدولة، هذا الأمن الذي
يحرص عليه الجميع دون استثناء.
-
فتح باب التوظيف أمام الأكراد، وفق الشروط المطبقة بحق سائر
المواطنين.
-
إطلاق سراح كافة السجناء السياسيين الأكراد بمن فيهم المعتقلون
على خلفية أحداث آذار وإعادة الطلاب المفصولين من الجاميعات
إلى مقاعد الدراسة.
-
بقي الإجراءات والمشكلات لا تحتاج إلى طرق خاصة لمعالجتها إذ
يكفي إلغاؤها.
والسلام عليكم |