تناقلت وسائل إعلام مختلفة أنباءً مفادها أن عدة أحزاب كبيرة
تقدمت بطلب إلى الحكومة العراقية المؤقتة لتأجيل الانتخابات
العراقية ستة أشهر ( من بينها حركة الوفاق الوطني الذي يترأسه
أياد علاوي رئيس الحكومة العراقية، والحزبين الكردستانين
الرئيسيين. الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يتزعمه السيد
مسعود البارزاني، و الاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال
الطالباني، وحزب التجمع الديمقراطي برئاسة عدنان الباججي.
لأسباب تتعلق بالظروف الأمنية التي يمر بها العراق، ولأن شهر
كانون الثاني هو شهر تساقط الثلوج في كردستان، والذي سيؤثر
بشكل سلبي على حركة الناس هناك بالإضافة إلى أسباب أخرى).
والذي يثير الانتباه في هذا الموضوع هو انضمام الحزبين
الكردستانين إلى طلب تأجيل الانتخابات، فلم يسبق لنا أن قرأنا
عن برلمان إقليم كردستان، ولا عن رأي الشعب الكردستاني بشأن
مشاركته في الانتخابات العراقية العامة المعلنة، أو في وقت
لاحق. وبما أن إقليم كردستان يتمتع باستقلالية تامة منذ حوالي
12 عاماً، وله برلمانه، وحكومته، ويتمتع بالأمن، وتسير أموره
على ما يرام، وحيث أن برلمان الإقليم كان قد سبق له وأن أقر
صيغة الاتحاد الفدرالي ليبقى الإقليم داخل الاتحاد العراق
الفدرالي الديمقراطي الموحد. كذلك وأن مجلس الحكم الانتقالي
كان قد أقر هو الأخر في قانون إدارة الدولة العراقية المؤقتة
صيغة نظام الحكم الفدرالي للعراق ككل، وتتخذ الحكومة العراقية
الانتقالية ذلك القانون مرجعاً لها في حكم البلاد حالياً، إذاً
فلا بد أن يثير انضمام الحزبين الكرديين الرئيسين الحزب
الديمقراطي الكردستاني، والاتحاد الوطني الكردستان إلى
المطالبة بتأجيل الانتخابات العراقية العامة تساؤلات كثيرة على
الساحة الكردستانية عن أسباب مشاركة الإقليم في الانتخابات
العراقية العامة المقبلة. طالما أن أمور الإقليم كلها تسير على
ما يرام، فلها برلمانها وحكومتها والأمن مستتب في كامل
الإقليم، وهذا ما يدعو إلى ضرورة استشارة الشعب الكردي مباشرة
في استفتاء عام لمعرف ما إذا كان يرغب في الدخول هو الأخر إلى
معركة الانتخابات العامة في العراق أم لا، وعلى أقل تقدير
كان من المفترض أن يقرر برلمان الإقليم خوض تلك الانتخابات
بالصورة التي يراها ومتى. أم لا يدخلها إلا بعد أن يتم انتخاب
برلمانات للأقاليم الأخرى في العراق وتقرر تلك البرلمانات نفس
الصيغ الفدرالية هي الأخرى.
والأجدر
أن تجرى الانتخابات في المنطقين الوسطى والجنوبية للعراق.
لاختيار برلمان خاص بهم أم برلمانين أحدهما للمنطقة السنية
والأخرى للمنطقة الجنوبية الشيعية، ومن ثم أن يشكل فيهما حكومة
مشتركة، أو حكومة لكل واحدة منهما، ثم يقرر برلمان المنطقتين
الصيغة الفدرالية كما سبق وأن أقرها برلمان إقليم كردستان،
ومجلس الحكم الانتقالي. وبعدها يمكن أن تجرى انتخابات في منطقة
كردستان لوحدها لانتخاب برلمان جديد فيها، وتشكيل حكومة جديدة
للإقليم أيضاً، ومن ثم تقوم برلمانات الأقاليم العراقية جميعها
بالمصادقة على مسودة الدستور العراقي ليشكل بعدها البرلمان
الاتحادي حسبما يكون قد أقره دستور الحكومة العراقية الفدرالية
الموحدة.
وهنا نستطيع القول بأن برلمانات الأقاليم تستطيع إصدار
قوانينها الخاصة بأقاليمها بشكل لا يتنافى مع دستور الاتحاد
نفسه، وتبقى برلمانات الأقاليم والبرلمان الاتحادي مسؤولة بشكل
مباشر أمام المحكمة الدستورية العليا من ناحية توافق قوانينها
مع دستور الاتحاد. وأن ذلك سوف يصون وحدة الشعوب العراقية
ويشدهم بعضهم إلى البعض أكثر فأكثر.
وفي الختام فأهل مكة أدرى بشعابها، والعراقيون أدرى بأمورهم لا
سيما وأن العراق مليء بالخبراء والمختصين والعارفين، والحزبين
الكردستانيين لهما تجاربهما في الحكم ويشهد لهما استقرار إقليم
كردستان وحكمه. إلا أننا نرى بأنه يتعين عليها قبل أن يفرضا
على الشعب الكردي الدخول في المعركة الانتخابية العراقية
العامة. أن يستفتوا شعبهم الكردي في ذلك، وأنه ليس بالضرورة أن
تجرى الانتخابات في كردستان بالتزامن مع الانتخابات العراقية
العامة، وإن أي تأجيل للانتخابات في العراق بشكل عام. أم في
إقليم كردستان بشكل خاص سواءً لأسباب أمنية. أم لانتظار ذوبان
الثلوج أو لأسباب أخرى سوف لا يكون مؤلماً لا للشعوب العراقية
ولا للشعب الكردي. بل بالعكس سيساعد ذلك على إفساح المجال
للشعوب العراقية على تنظيم أنفسهم أكثر.
وحيث أن مؤتمر شرم الشيخ لم يتطرق نهائياً إلى نوعية الحكومة
العراقية، ولا إلى نظام حكمها المستقبلي، وتجنب المؤتمرون
الخوض في دقائق الشأن العراقي ولم يتباحثوا إلا في الخطوط
العريضة للمسائل العراقية، وقد مروا على ذكر قرار مجلس الأمن
رقم 1546 الخاص بالعراق مرور الكرام، ودون أن يذكروا نظام
الحكم الفدرالي التعددي الموحد الذي أقره ممثلي أطياف الشعب
العراقي إطلاقاً، ولربما تغافل المؤتمرون عن ذلك عمداً. سواءً
من باب ترك الحرية للشعوب العراقية ليقرروا هم أنفسهم نظامهم
الذي يوافقهم، ويوافق بلدهم الواحد الموحد. أم لعدم خلق
حساسيات يكون العراقيون بغنىً عنها، وحيث لم يسبق أن تجمعت
الشعوب العراقية في ظل نظام حكم ديمقراطي قطعاً، وهم الآن
يتمرغون في دماء أبنائهم سواءً أيجري ذلك نتيجة لسوء تصرف بعض
من مواطنيهم. أم ممن يتحججون بحجج كثيرة. أم لسوء تقدير وتصرف
القوات المتعددة الجنسيات. ولطالما أن النظام الدكتاتورية أزهق
أرواح الآلاف المؤلفة من أبناء العراق في مقابر جماعية، وفي
الأنفال، وبالأسلحة الكيميائية وفي حروب ظالمة على الجارة
إيران والكويت.
لذا يتعين على كل الذين تمكنوا من تنظيم أنفسهم في أحزاب أم
جماعات أن يتفكروا ألف مرة قبل أن يتخذوا قرارات مصيرية بخصوص
بلدهم فقد لا تتكرر لهم فرصاً أخرى لاختيار نظام ديمقراطي
فدرالي وموحد.
ونستطيع أن نقول بأنه ليس المهم أن تجرى الانتخابات العراقية
اليوم أم غداً، إنما المهم أن يتفهم أهل العراق دقة المرحلة
التي يمر بها بلادهم، ويتعين عليهم الدخول في مصالحة وطنية
شاملة قبل أية خطوة أخرى ليفهم الكل بعضهم البعض بكل طوائفهم
ومذاهبهم. عربهم، وكردهم. مستفيدين من أخطاء تلك الأنظمة
الظالمة، وأن لا يضيعوا فرص اختيار نظام حكم دستوري يؤمن
مصالحهم جميعاً دون فوارق بسبب العرق أم اللون أم الدين... وإن
أكرمكم عند الله أتقاكم. والله ولي التوفيق.