|
ان
المهدي المنتظر, الذي ينساه البعض عن جهل بامور الغيب, قد يأتي
قريباً إلى سورية في عهد قحط الساسة وبؤس السياسة.
تحت تأثير السيطرة الطويلة للعسكريين العرب على مقاليد الحكم في
سورية, ضعف هامش الاجتهاد الوطني الحر, و ساد نمط النخبة السياسية
والإدارية السلطوية (الموالية), والمثقف التابع الموظف. وانحسر
التنافس بين النخب العربية, لفترة طويلة على الصراع على المراكز
العسكرية, بغية السطو على السلطة في البلاد.
ومن أجل استلام الحكم والبقاء فيه, لجأت جميع النخب العربية التي
تتالت في ممارسة السلطة إلى إقصاء منافسيها من العسكر وأتباعهم من
الإداريين والمثقفين.
وبعد أن استقر الحكم للطاقم العسكري الحالي, بعد نجاحه في إقصاء
منافسيه بالقوة, شعر المتنفذون, بعدم حاجتهم إلى إعادة إنتاج
كوادر سياسية وإدارية واقتصادية, إلاّ بالقدر الذي يسمح به ديمومة
الاستمرار في الحكم. وبقيت النخبة السلطوية القائدة شبه متجانسة
منذ أكثر من ثلاثين عاماً.
واتبعت هذه السياسة بطرق شتى, منها سيطرة النهج النظري السلطوي
على البرامج التعليمية, وتوظيف خريجي المؤسسات التعليمية في إدارات
الدولة وغالباً برواتب متدنية. واستطراداً, يلاحظ المختصون بأن هذه
السياسة التوظيفية التي كانت تهدف إلى تمويه البطالة من جهة, ومن
جهة أخرى ربط مصير أصحاب الشهادات بمصير الحكام, لم تعط نفس
النتائج التي كانت تتوقعها القيادات.
إذ
كانت الحكومة السورية توزع ما يعادل راتباً واحداً على عدة موظفين,
وبالتالي كان يتحول قسم من هؤلاء إلى متذمرين منهكين, والقسم
الأكبر منهم إلى إداريين فاسدين, بينما كانت الفئة الأكثر فساداً
منهم تتحول إلى شبكات من الوجهاء السياسيين المقربين من القيادات.
وبهذا الشكل بقيت المراكز القيادية حكراً على الطاقم العسكري
المتنفذ وأتباعه من الإداريين والسياسيين الموظفين لديه.
بفعل المدة الزمنية الطويلة التي استطاعت فيها السلطة الحالية
إقصاء المعارضين, فقدت وحدتها وتماسكها الكوادر السياسية والعسكرية
التي كانت قد خسرت في الصراع السلطوي. وفي الواقع, أصبح أغلب
الكوادر, ذوي الخبرة, إمّا في المقابر أو المهاجر, أو في السجون.
وما تبقى ممن يغنون على أطلال هذه القيادات ( أحزاب) لا يتمتعون
بالقوة الكافية لا في أجهزة الدولة ولا في الأوساط الجماهيرية, ولم
يعد لديهم من ذوي الكفاءات الإدارية والسياسية ما يؤهلهم لتحمل
مسؤوليات إدارة البلد, عدا أن أغلب المعارضين من العرب السوريين قد
فقدوا مصداقياتهم عبر ممارساتهم التاريخية, وفشل مرجعياتهم
النظربية.
وهكذا فلن يصدق أحد لا البعثيين ولا الناصريين ولا الشيوعيين ولا
القوميين السوريين ولا الإسلامويين بأنهم قادرون على تبني مشروع
وطني سوري, يسمح بالمشاركة الشعبية المتكافئة لجميع السوريين في
تقرير مصير بلادهم.
والملاحظ هو أن التيار الديني (العروبي السني) هو الذي حافظ على
قدر كبير نسبياً من الرصيد الجماهيري. وهذا الرصيد لا يعود لا إلى
صحة اطروحاته النظرية ولا إلى تاريخه السياسي, وإنما لانتشار مراكز
الدعوة له ( الجوامع ), في حين لم تتمتع التيارات الأخرى من خارج
السلطة بمثل هذه المزية.
ويدرك المبتدئ في السياسة بأنه, في بلد متعدد الأديان والقوميات لا
يمكن ممارسة السلطة بدون استعمال العنف والاضطهاد من قبل حزب ديني
أو قومي. فعليه لا يعتبر وطنياً أي مشروع سياسي يتخذ من النظريات
القومية والدينية مرجعية لنظام الحكم في سورية. فسورية هي وطن لكل
أبنائها بمختلف انتماءاتهم القومية والدينية والمناطقية و الطبقية
والعقائدية.
بقي أن نذكر بأنه بحكم السياسات العنصرية التي تمت ممارستها ضد
الشعب الكردي, استطاعت النخب الكردية, برغم تسمياتها المختلفة,
الحفاظ على الحد الأدنى من التأييد الجماهيري, بل لا يضاهيها في
الشعبية أيّة قوة عربية في الأقاليم الكردية. ولكن بفعل سيادة
الأيديولوجيات العروبية المتطرفة لا زالت هذه النخبة مبعدة عن
المراكز القيادية في الحكم والإدارة.
ولا تطالب النخب السياسية الكردية إلاّ برفع الاضطهاد عن كاهل
الشعب الكردي, والتضامن مع بقية السوريين في المطالبة بإيجاد حكم
ديموقراطي في البلاد.
فمن أين وممن سيأتي وحي التنمية السياسية والاقتصادية, ومن سيكون
فارسها, جاسم علوان الذي حاول بالسلاح إعادة ضم سورية إلى مصر,
وحسن عبد العظيم وفارسه المرتقب عبد الحميد السرّاج, المبدع في
فنون الاعتقالات والتعذيب, لكي يعودوا بنا إلى عهد ( إلحاق سورية
بمصر ) ونظام المباحث وحل الأحزاب, والملاحقات.
يتبع
|