ما
حدث اليوم في بيروت، وبغض النظر عن طابعه الإجرامي المدان بكافة
المفردات والمعايير واللغات، نقطة انعطاف كبرى في تاريخ لبنان ..
وسورية أيضا. إنه على المستوى اللبناني والسوري، وربما الشرق
الأوسطي، بمثابة ضرب برجي نيويورك
على المستوى العالمي. فمثلما غيرت جريمة نيويورك الإرهابية
الاستراتيجية الأمريكية والعالمية في مكافحة الإرهاب وقلبتها رأسا
على عقب، وأدت إلى ولادة نظرية الحرب الاستباقية التي ستغير وجه
العالم إلى عقود طويلة، ستؤدي جريمة اغتيال الحريري إلى تغيير وجه
لبنان وسورية والشرق الاوسط .. ربما " إلى الأبد " !.
سيسيل حبر كثير في توجيه الاتهامات والاتهامات المضادة حول أي "
بن لادن" سوري أو غير سوري كان وراء نسف " برج " بيروت!؟ وستشير
الأصابع إلى اتجهات متعددة، لكن الإصبع الكبرى والأساسية ستتوجه
ليس إلى النظام السوري على وجه العموم، بل إلى أجهزة استخباراته
على وجه التخصيص، لا سيما وأن محاولة اغتيال مروان حمادي، الذي لم
يجف دمه بعد، تحمل بصمات الأصابع العشرة لهذه الأجهزة التي لم يزل
دم كمال جنبلاط والمفتي حسن خالد والرئيس رينيه معوض والرئيس بشير
الجميل، وغيرهم الكثير، يسيل من تحت أظافرها. وما من أحد سيقنع
الرأي العام المحلي والإقليمي والدولي بغير ذلك، خصوصا وأن هذه
الأجهزة ( بما تمثله من اتحاد للمافيات السورية ـ اللبنانية
ومرتزقتها )هي التي تمنع الرئيس السوري من تنفيذ قراره الذي اتخذه،
على نحو غير معلن، قبل شهرين بالخروج من لبنان. فما من أحد يمتلك
بقرة تحلب بكل هذه الغزارة يرضى بالتخلي عنها ببساطة ودون مقاومة
!.
قبل أقل من أسبوع كان زعيم التيار اليساري الديمقرطي اللبناني
الياس عطا الله في باريس. وفي جلسة خاصة حضرها بعض زملائنا في "
المجلس " كشف الياس عطا الله بأن الحريري أخبره بأن " العميد رستم
الغزالي، رئيس المخابرات السورية العسكرية في لبنان، وحين استدعى
الحريري إلى عنجر في العاشرة من مساء يوم الجمعة 27 آب / أغسطس
الماضي لإجباره على عقد جلسة طارئة لمجلس الوزراء من أجل صياغة
مشروع قانون يتيح تعديل الدستور وبالتالي التمديد للرئيس لحود، قال
للحريري بالحرف الواحد: سأخرج مصارينك (أمعائك) من بطنك ". وكان
هذا التهديد كافيا لعقد جلسة لمجلس الوزراء في وقت مبكر من صباح
اليوم التالي لتنفيذ المطلوب " ! فهل نفذ رستم الغزالي ـ التلميذ
النجيب لغازي كنعان ـ تهديده !!؟؟
هذا السؤال الذي لن يجيب عليه بشفافية إلا تحقيق دولي مستقل، ستتم
الإجابة عليه بطرق أخرى غير مباشرة خلال الأسابيع القليلة القادمة
حين سيرى الرأي العام كيف أن النظام السوري سيدفع الثمن الباهظ
لهذه الجريمة ، حتى " وإن لم يكن " مسؤلا عنها ، حين ستتساقط رؤوس
كبرى من فوق كتفيه، وتخرج قواته وأجهزته مذلولة مهانة بعد أن رفضت
الاستجابة لنداء المعارضة اللبنانية التي دعت النظام السوري إلى
الحوار من أجل إخراج هذه القوات محفوظة الكرامة !.
ومهما يكن من أمر ، يبقى الخوف الأكبر ماثلا في "حرب أهلية سنية ـ
شيعية " لبنانية تكون هي الهدف الذي وضعه القتلة الأصلاء ( أو
الوكلاء) لجريمتهم القذرة ! |