دفاعاً عن ســورية الوطن- الدولة -4-  خالـــد عيسـى  07.12.2004/ 01.00
 


رابعاً: فشل المركزية وقصور الاصلاحات الداخلية

شاءت التوازنات في علاقات القوى الدولية بعد الحرب العالمية الثانية أن تخلق دولة تسمى سورية. تضم هذه الدولة في حدودها مناطق آهلة بمجموعات بشرية ذات انتماءات قومية ومذهبية متميايزة.

لقد نما الولاء لهذه الانتماءات القومية والمذهبية والمناطقية, بعكس الخطب العلنية للنخب السورية. وأول دليل على ذلك, هو اعتماد الكوادر السياسية والعسكرية على هذه الانتماءات في صراعاتها من أجل الاستيلاء على السلطة أو الاحتفاظ عليها. أمّا ما تعلنه هذه النخب من برامج وإيديولوجيات فما هي إلاّ تقليد رديء لنخب دول متقدمة. والدليل الآخر هو دعوة هذه النخب لمشاريع سياسية ولبناء أوطان قومية أو مذهبية في ما وراء الحدود السورية.

عملت كل المجموعات، الشلل، التي استلمت زمام الأمور في سورية إلى تفضيل المجموعات القومية والمذهبية والمناطقية التي تنتمي إليها. وبالنتيجة مارست، قدر استطاعتها، سياسة إقصاء الآخرين من المساهمة في تقرير مصير البلاد.

ورغماً عن عدم وجود توجه عام  لبناء مشروع وطني سوري لدى النخب العربية في سورية، حافظت الدولة السورية على حدودها الدولية التي ورثتها من الفرنسيين (باستثناء الجولان).

   يعود سبب بقاء إقليم الدولة السورية موحداً لما يقارب من ستين عاماً إلى عاملين رئيسيين:

1.العامل الخارجي: إذ لم تسمح الظروف الدولية، الموسومة بآثار و بشروط الحرب الباردة، من إحداث تغييرات في الخارطة السياسية في الشرق الأوسط. وبذلك حافظت كل دول المنطقة، ومن ضمنها سورية، بوحدة إقليمها، باستثناء فترة الوحدة السياسية بين سورية، ومصر 1958-1961. أمّا الآن فيبدو بأن هذا العامل الخارجي لم يعد في مصلحة الوضع القائم. فاضطرت الحكومة السورية للاعتراف بالحدود مع تركية ( تنازلت عن الادعاء بالانتماء السوري للواء اسكندرون ) ، واضطرت الحكومة أيضاً لقبول تنازلات لصالح الادعاءات الأردنية في بعض من الأراضي السورية. وتجدر الإشارة بأنه عندما تم تنصيب عبد الله بن الحسين لم يكن يوجد من بين الأردنيين عناصر مؤهلة لشغل كل المناصب الوزارية،  ففي أول حكومة أردنية كان من مجموع سبعة وزراء خمسة من السوريين.

2-العامل الداخلي: يبدو أن دور العوامل الداخلية كان على جانب كبير من الأهمية في قدرة الدولة السورية في الاحتفاظ بحدودها الدولية ( باستثناء الجولان ). فما على السوريين إلاّ البحث عن ما يجمعهم، وتفعيل كل العوامل التي تساهم في ترميم البيت السوري، والتضامن الوطني.

وكان قد سبق وأن لاحظ الفرنسيون بضرورة توحيد الدويلات السورية الأربعة ( دولة جبل الدروز، ودولة جبل العلويين، دولة دمشق، ودولة حلب ). في دولة واحدة، وألحقت بها المناطق الكردية التي كانت خاضعة للإدارة الفرنسية المباشرة. وكان هذا التوحيد مبنياً على كثير من الاعتبارات. من بينها سهولة الإدارة والتكامل الاقتصادي.

وبعد خروج الفرنسيين، ورغم الصراعات السلطوية التناحرية بين النخب العربية على أرضية الانتماءات الطائفية والمناطقية، لم تر أية من هذه النخب المتنفذة في الانفصال مصلحة لها أو لمن تعتقد أنها تمثلهم. لأن كل نخبة كانت تحاول الفوز بكل القرار السوري، وبالتالي نيل السلطة على كل المناطق السورية، وليس على المنطقة التي يستمد قوته وتأييده منها.

ومنذ أن أصبح الفكر العروبي  الإيديولوجية الرسمية في سورية، تم البدء ببرمجة اضطهاد الأكراد وإقصائهم من مراكز القرار السياسي في البلاد، والصراع على السلطة والتمتع بامتيازاتها وسلبياتها. بقي حكراً على النخب العربية. فلجا الكرد إلى المطالبة بالاعتراف بوجودهم القومي، وطالبوا السلطات المركزية سلمياً بحقوقهم القومية والثقافية. ولم ير الكرد ونخبتهم السياسية مصلحة في المطالبة بالانفصال عن الدولة السورية القائمة، رغم تهميشهم، و محاولة مسخ وجودهم وتغيير المعالم التاريخية في مناطقهم، وإهمال المرافق فيها.

ورغم استبعاد الكوادر الدرزية العسكرية العليا من الأوساط القيادية بعد محاولة سليم حاطوم الفاشلة، فقد رفض أغلب وجهاء الدروز مشروع تأسيس دولة درزية بمساعدة إسرائيلية في نهاية 1967.

وفي الحالة الكردية في الشمال، كالحالة الدرزية في الجنوب، تم الحفاظ على الانتماء السوري إلى جانب الانتماءات الأخرى التي تتجاوز هذه الحدود. فالامتداد الدرزي في لبنان يعطي الإدارة السياسية السورية ورقة إضافية في سبيل تقوية الدولة السورية، وكذلك الامتداد الكردي في تركية والعراق وإيران يمكن أن يشكل عمقا استراتيجياً للدولة السورية عندما تتحول هذه الدولة إلى وطن لكل السوريين.

فما عدا الثروة الثقافية العظيمة التي يملكها السوريون نتيجة تعدد اللغات والعادات والمعتقدات المذهبية، تنوع الثروات الطبيعية والطاقات المهنية لمختلف المناطق السورية يعطيها إمكانية كبيرة في تنمية قدرات الدولة- الوطن، وتزيد من إمكانية ارتباط السوري بأرضه ووطنه. ولكن بسبب  طبيعة هيكلية الدولة، وكيفية تداول الحكم، حتى الآن لم يتم الاستخدام الأمثل للإمكانات الوطنية، وبدلاً من تنمية الولاء للوطن يتم التشجيع، بشكل أو بآخر، للولاء الطائفي، والمناطقي.

إن إنشاء مؤسسات شكلية ذات طابع مركزي على غرار بعض الدول الغربية ذوات النظم المركزية، مثل البرلمان، ومجلس الوزراء، والمجلس الاقتصادي والاجتماعي ووو والإقدام على إجراء عمليات أمنية استعلامية وإعلامية تحت تسمية الانتخابات، لا يحول النظام إلى نظام ديموقراطي.

 

لقد أثبتت التجربة التاريخية للدولة السورية بأن نظام الحكم المركزي لا يتلاءم والتعددية القومية ولا الطائفية في الحالة السورية. وإذا كان هذا الشكل من الحكم قد صمد ردحاً من الزمن فإنه لن يصمد إلى الأبد، لأنه ليس من الممكن أن يستمر إقصاء رأي أغلبية السكان من المشاركة في الشأن العام لحساب الحزب القائد، وليس من الممكن الاستمرار في إنكار وجود قسم كبير من سكان الدولة لمجرد أنهم مجردون من أية قوة في السلك العسكري، وليس من الممكن إقصاء الآخرين من السوريين لمجرد أن نخبهم العسكرية خسرت معركة الصراع على السلطة يوماً.

السؤال الأول الذي يطرح نفسه هو كيف يمكن أن تكون الدولة السورية كي يشعر كل سوري بانتمائه إليها، مهما كان انتماءه القومي أو الطائفي أو المناطقي؟.

لقد فشل الشكل المركزي للدولة لتحويل سورية إلى وطن لكل السكان، إلى درجة أن السلطات الرسمية لا تنكر ذلك، بل سحبت رسمياً المواطنة من قسم من السكان الأكراد، وفي بعض الدول لعب الجيش دوراً مهماً في عملية الدمج الوطني، لكن في سورية يعلم الجميع أن الأمر بعكس ذلك، إذ ساعد الجيش على تعزيز الانتماءات التحتوطنية. والتعليم أيضاً لم يستطع دعم الولاء الوطني السوري، ووسائل المواصلات والاتصالات والصحافة المرئية والسمعية في ظل الحكومات العربية في سورية لم تستطع تطوير الولاء الوطني. ولا الدساتير المستوردة و المعلقة ولا قوانين الطوارئ الشبه دائمة قادرة على شد الإنسان السوري إلى الدولة التي يخضع إليها. فمن ليست له كلمة في تحديد مصيره، ومصير بلاده لن يشعر بأنه مواطن، و لا يمكن مطالبة غير المواطن بالولاء للوطن.

لقد كثر الحديث عن مشاريع إصلاحية للواقع السياسي السوري، منها من داخل الجهاز الحاكم، ومنها من خارجه، ومنها محاولات اجتهادية جادة، ومنها دعوات حق يراد بها باطل، ولكن  لم تتخط جميعها البنية الهيكلية لنمط الدولة الحالية في سورية. فأغلب المنادين بالإصلاح من داخل الجهاز، يركزون جهودهم على محاولة الإصلاحات الإدارية. بينما ينادي الاصلاحيون من خارج الجهاز بضرورة رفع الأحكام العرفية، وحرية الانتخابات، وحرية الصحافة، ووو والاعتراف بالتعددية القومية والسياسية.

إن الثابت هو أن كل الأنظمة الحاكمة تحاول تحسين الأداء الوظيفي لأجهزتها الإدارية، وبما يتوافق مع ضرورة ديمومة النظام القائم وتحسينه لتمتينه. وهذا القول ينطبق على النظام السوري أيضاً، ونجزم بأن الإصلاحات الإدارية في سورية كان موضوع السؤال الرئيس في امتحان مقرر العلوم الإدارية لطلبة دبلوم الدراسات العليا في عام 1982، وكان من بين الطلبة المتابعين في هذه الدراسة ( العدد الاجمالي11 طالباً ) عدد لا بأس منهم من المسؤولين الإداريين، وضباط قادة، ووزير الدولة لشؤون مجلس الشعب في حينه، و سعادة سفير سورية الحالي في الأردن. وبكل تأكيد أستاذ العلوم الإدارية في كلية الحقوق في دمشق عبد الله طلبه عندما استلم وزارة العدل لم ينس ما كان يكتبه عن مساوئ الإدارة قبل ذلك. وبالمقابل عندما استلم  حســــــين حســــــون وزارة العدل لم ينـس مساهمته الفعالة في نشر الفســـــاد في الجزيرة عندما كان يحكمها بصفة محافظ قبل أن يرســـــــــب في دبلوم القانون العام في كلية الحقوق عام 1984. وهذان نموذجان لرجلين تقلدا مســــؤولية العدالة في وطننا السوري، فالأول عالم بالمفاسد قبل الولاية، والثاني فاسد ومفسد قبل الولاية، فما فادت خبرتهما قضية تطوير العدالة وإصلاحها؟.  لنترك خيار الإصلاح من داخل الجهاز لجهود الإصلاحيين، لكنه من المؤكد بأن سقف الإصلاحات المنشودة لاتصل إلى الأهداف المأمولة من قبل كل وطني غيور. ولا بد وأن السيد رئيس الدولة بنفسه يدرك عدم فعالية الإصلاحات الإدارية أو على الأقل عدم كفايتها لترميم وتعزيز الوحدة الوطنية، ولرفع الأداء السياسي والاقتصادي للبلد إلى المستوى الأمثل.

يتبــــع
 

 
 

 

جميع حقوق الطبع محفوظة لدى كردستانا بنخَتي                      ©  ***     ©                       Çapkirin ji Hiqûqê Kurdistanabinxeteye

 

الرجوع ×××

الأرشيف السياسي

 Kurdistana Bixetê

    كردستان سوريا  

 Syrische Kurdistan