|
لا يختلف اثنان على أن الحركة الكردية في سوريا
بدأت من فصيل واحد وتشتت وصولاً إلى
وضعها الحالي متشكلة مجموعة أحزاب سياسية لها تاريخ طويل من النضال
السياسي وان كانت نتائج هذا النضال غير واضحة المعالم أو تأثيراتها
خفية في تشكيل هذه الحركة، ولكن المهم أن هذه الأحزاب لم تتبرعم من
الجزع أكثر ما تناثرت، وذلك لأسباب متعلقة لكل فصيل أو تيار حزبي.
ولكن الظروف السياسية العامة في سوريا وسبل حل المسالة القومية
والوطنية فيها لها وضعها الخاص والتي كانت على الدوام يشكل الدوامة
الأساسية التي تدور في رحاها الحركة السياسية الكردية تبحث عن الحل
في الدائرة المغلقة والتي تؤدي بها إلى اللا حل إن لم أقل إلى
الانحراف، لأن النضال السياسي وان كانت تعدد الأحزاب والتيارات
تعتبر حالة صحية وديمقراطية في المجتمع إلا أنها ومع عدم إيجاد
الحلول المناسبة أو عدم الوصول إلى الحلول المبتغاة يحولها إلى
أداة غير شرعية أو يؤثر عليها في التداول السياسي وينحل من الوجود
أو يتحول إلى شكل أخر من النضال، ولكن عدم حل الأحزاب أو عدم تغير
أساليب النضال في الحركة السياسية الكردية في سوريا أدى بها إلى
الانشقاق إن لم نقل التشتت ، واستمر الانشقاق وصولا إلى هذا الكم
الهائل من الأحزاب والتي تتركز في منطقة الجزيرة وحدها والتي تشكل
أقل من نصف عدد الأكراد السوريين، إن هذه الحالة مرتبطة بالدرجة
الأولى بالظروف السياسية في سوريا وعدم تمكن السلطة السياسية
الحاكمة من إيجاد مخرج اجتماعي عام ليس للكرد فحسب بل لكل المجتمع
السوري ، بالإضافة إلى الوضع العام والذي لم يكن مساعدا في حل
القضية.
يجب أن نكون موضوعيين قليلا ونسأل أنفسنا بعض الأسئلة المهمة بهذا
الصدد: هل كانت السلطة السياسية في السورية مهيأة لإيجاد الحلول
الناجعة للمجتمع السوري في مطلع الستينات وخصوصا مع استيلاء البعث
للحكم في البلاد، وهل كانت الحركة الكردية تحمل برنامج واضح لحل
المسالة الكردية في سوريا، مع العلم أنها قررت أن تؤجل المسالة
ريثما ينتهي التهديدات الخارجية، وهل كان بالإمكان التفكير بحل
القضية الكردية في سوريا بمعزل عن القضية الكردستانية بشكل عام
والتي كانت في حالة ثورة آنذاك، وهل كان من الممكن أن تقوم الأنظمة
الشرق الأوسطية بالخطوات الديمقراطية والانفتاح السياسي والاجتماعي
وهي في حالة صراع دائم على السلطة، وهل كانت القوى العالمية جاهزة
لقبول هكذا حل بما فيها المعسكرين (الاشتراكي والإمبريالي) مع
العلم وان كانت المنظومة الاشتراكية تتفق في حق الشعوب في تقرير
مصيرها إلا أنها كانت تتفق مع المعسكر المناهض في موقفها من القضية
الكردية آنذاك، ألم تكن القضية الكردية ورقة رابحة في أيدي الأنظمة
الإقليمية والدولية وحل هذه القضية هي خسارة لكل الأنظمة المعروفة،
وهل كانت هذه القضية تملك الأرضية اللازمة للحل من قيادة وطنية
معاصرة أو أسلوب نضال فعال وعلاقات دولية أو تشكيلها قوة سياسية
مؤثرة في المنطقة، وهل كانت خارطة الشرق الأوسط تتحمل التغير أو
التعديل وفق الاستراتيجيات المتبعة آنذاك،.
ما أريد الوصول إليه في هذه الأسئلة هي أن
القضية كانت معلقة دوليا وأن الظروف التي تفرض الحل لم تكن موجودة
وذلك بسبب تعارضها مع المصالح الدولية ، وعدم تحملها لتشكيل دولة
أو تشكيلة سياسية باسم كردستان أو بأي اسم آخر ، لان زعزعة الخارطة
السياسية في المنطقة سؤدي إلى اضطرابات وتوترات قد لا تتحملها
الأنظمة الإقليمية والعالمية والتي اتفقت فيما سبق على الاستمرار
في الحفاظ على هذه الخارطة والتي تشكل كردستان عقدتها أو نقطة
الربط فيها لأنها تهم أربعة دول أساسية في المنطقة بشكل مباشر،
ومهما كانت الخلافات الإقليمية أو الدولية تفعل فعلها في إظهار هذه
القضية ، فإنها في نفس الوقت كانت تتلاشى مع وصول القضية إلى نقطة
التحول أو التوجه نحو الحل، وتقوم هذه القوى الإقليمية والدولية
بالاتفاق على كبح جماح هذه الحركة أو تلك دون النظر إلى ماهيتها من
خلال صلاحيتها أو غير صلاحيتها للنضال أو قيادة الجماهير
الكردستانية نحو الحل، وتضطر الحركة الكردية إلى ملاقاة مصيرها
المعد سلفا. ألا وهي الفشل و الهزيمة وتمرير الجماهير الكردية في
مجازر قلما كتب التاريخ عنها، وتضطر قيادات الحركة إما إلى
الاستسلام للواقع على أعواد المشانق صارخين (سياتي يوم ينتصر فيه
شعبنا على الظلم والاستبداد) معلنين بذلك نهاية مهمتهم الشخصية في
قيادة الحركة، أو التحجج بهذا أو ذاك في فشل المقاومة ويبدأ
الصراعات الداخلية أو ما يسمى بالانشقاقات السياسية والتنظيمية أو
الانشغال بالاقتتال الداخلي أو العشائري ويبدأ موجات الهجرة
والتشرد والعذاب.
وفي الحركة الكردية في سوريا وان لم تشهد
انتكاسات وانعطافات معينة إلا أنها لم تشهد تطورا ملحوظا في النضال
السياسي أو الوصول إلى مراتب معينة ضد السلطة وان تأخذ مأخذ الجد
بشكل عام أو تحقيق منجزات أو تطورات واضحة في النضال السياسي ، بل
بقيت ممسوخة وغير فاعلة إلا في فترات التطور الثوري في الأجزاء
الأخرى وبذلك أعلن ارتباطها الصريح لهذه الحركة الكردستانية وأخذت
منها كمرجعية وطنية وقومية وشكلت بالنسبة لها رديف في سوريا والتي
انعكست عليها سلبا في مراحل فشل الحركة الكردستانية وان كانت هذا
الارتباط في مكانها بشكل أو بآخر، أي أن تداعيات فشل الحركة
الكردستانية ظهرت في سوريا بأشكال أخرى وبطبيعة التنظيم السياسي
للحركة الكردية في سوريا وانعكست عليها الوجه السلبي وأخذت منها
نقاءها السياسي وتشكلت فيها النزعات والتيارات المتناحرة
والتناقضات العديدة والتي أدت بها إلى الاختناق أكثر مما كانت هي
عليه وأوصلتها إلى حالة من الانشقاق والتشتت ، والتي أثرت على
الحركة الاجتماعية بشكل عام وأفقدتها ديناميكيتها ، عكس ما كانت
تدعيه التنظيم المنشق بان الانشقاق هدفه إرجاع الديناميكية
للجماهير الكردية والحركة الكردية بشكل عام في سوريا لأنها تمثل
الشرعية في النضال السياسي بعد فشل حزبه الام من تحقيق أية أطور
ممكن على الساحة الكردية في سوريا وأنها صاحبة التجديد والإصلاح
التنظيمي والسياسي والاجتماعي في هذه المرحلة الحساسة (حسب ما
قالوا) وبالطبع أن لكل حزب أو تيار مراحله الحساسة التي يراها من
الضروري لعب دور الريادة في قيادة المجتمع بعدما فشل الآخرون من
تحقيق ذلك، ولكن المهم أن مجموع الأحزاب و التيارات الكردية في
سوريا وعلى مر تاريخهم جميعا لم يتمكن أي منها أن يخطو خطوة أكثر
تقدما أو تأثيرا من الذي قبله، أو إيجاد صيغة نضالية مختلفة
وأساليب نضال مختلف عن الأساليب المتبعة، إن لم نقل تجاوز مرحلة
الحلقات الحزبية ونشر وتوزيع المنشورات في السر، وإن كانت هذه
المنشورات لا تتضمن انتقادات لاذعة بما فيها الكفاية للنظام أو
للسياسة الاستعمارية إن شاءت التسمية أو العنصرية التي تمارسها
السلطات الحاكمة، ولم تستطع ومع الأسف الخروج من محيطها الضيق إن
لم أقل من محافظة الحسكة بالإضافة إلى بعض العلاقات المكسوفة مع
بعض القوى الأخرى مع الحفاظ على السرية التامة، وجدير ذكره أن هذه
التيارات والانشقاقات العديدة لا تملك الاختلاف الإيديولوجي أو
التباين في الأهداف أو في وسائل النضال، وان كانت التسميات تتراوح
بين اليمين واليسار إلا أنها بشكل عام في نفس الصف السياسي أو
النموذج النضالي وعلى نفس الوتيرة النضالية تسير.
لقد تطورت الحركة الكردية في سوريا بمعنى
التطور العددي أو النسبة العددية في النضال السياسي الكردي إلا
أنها ومع الأسف أصبحت ضحية ظروفها السياسية والجغرافية وتجد صعوبة
في لم شملها أو الوقوف على قدميها وبالبدء بالحركة وأصبحت تشكو من
حالة عدم الاتزان والخمول ، وكأنها تحتضر على فراش الموت، وهي
بحاجة إلى صدمة كهربائية لتستفيق من ركودها وان تنبض شرايينها
بالحياة من جديد، وهذا ما رآه الجماهير الكردية في سوريا في حركتها
السياسية والتنظيمية وحالت دون الاستمرار في مرحلة الغيبوبة مضحية
بخيرة أبناءها لتحقيق هذا الهدف في الانتفاضة الباسلة (انتفاضة 12
آذار) والتي جاءت كرد فعل على الحالة التي تعيشه هذه الحركة، وما
عليها من متطلبات للقيام بها في المرحلة الراهنة والمستقبلية .
ولكن السؤال الأهم التي من الممكن أن يسأل هل
كان يجب على الحركة الكردية في سوريا الركود أو عدم القيام بالحركة
الوطنية ما دامت الظروف غير مؤهلة لذلك أو هل من المعقول أن يقف
شعب دون مقاومة في ظل الاستغلال والاضطهاد، أو يسأل الآخر هل من
الخطأ بناء تنظيم سياسي يلم شمل الأمة ويدافع عن وجودها ويطور
خواصها الوطنية عبر النضال الديمقراطي والسلمي في تطوير الثقافة
والعلم والمعرفة والرقي بشعبه إلى مراتب الأمم والشعوب المتطورة
وان كانت ظروف الاضهاد والاستغلال تعيق الكثير من عمليات التطوير
الثقافي والحفاظ على مكونات الأمة وترابط خواصها وتلاحمها
الاجتماعي ، لأن المهمة الأساسية لطليع سياسي يتحدد بالدرجة الأولى
في تحقيق التوازن بين مجتمعه والمجتمعات المجاورة إن لم نقل مع
المجتمعات الإنسانية قاطبة لأن ظروف الشرق الأوسط لها خواصها
ومميزاتها الخاصة في العالم ، وان كانت هذه مهمة أساسية للفصيل
السياسي أو الطليعة الجماهيرية في مرحلة التطور السياسي والتنظيمي
في سوريا ، نرى أن الأحزاب الكردية بمجملها لم تصل إلى برنامج واضح
بهذا الخصوص ولم تتمكن من قيادة المجتمع الكردي في سوريا والتي
بقيت في حالة من العزلة والتطور التدريجي معتمدا على ثقافتها
الوطنية والاجتماعية ولم تستطع الوصول إلى تشكيل قوة سياسية فعالة
تحت راية هذه الأحزاب وان كانت أهداف الأحزاب الكردية عموما تأخذ
هذا المنحى أساسا لها في نضالها السياسي والفكري والإيديولوجي. إلا
أنها لم تحقق ما كانت تصبوا إليها ، ونستطيع القول أنها فشلت في
مهمتها هذه وإلا أن لم تكن كذلك لما كانت في وضعها المأساوي، والتي
يرثى لها وخاصة مواقفها من انتفاضة 12 آذار التي كانت فرصة تاريخية
للنهوض ومتابعة المسيرة من جديد وقيادة الجماهير الكردية والحركة
السياسية في البلاد وصولا إلى تشكيل قوة سياسية لا يستهان بها،
وخصوصا الوضع العام السياسي لصالح الكرد والحركة الكردية، والوضع
الدولي ملائم اكثر من أي وقت مضى، ويجب توديع مرحلة الانشقاقات
والنزعات في المنطق والتفكير، والبدء بلعب الدور الطليعي في دمقرطة
سوريا وحل المسالة القومية فيها، بالاستناد إلى المعطيات السياسية
الجديدة والتي أفرزتها نظام القطب الواحد، والتحول الديمقراطي في
الشرق الأوسط، وتراجع أو الانفكاك في سلسلة الأنظمة الشمولية
واحتضارها في هذه المرحلة.
غمكين ديريك
xemginderik@yahoo.com |