|
انتعاش الفكر القومي الكردي
:
لا يشمل هذا المبحث زمان أو مكان أو ظروف ميلاد وتطور الشعور و
الفكر القوميين عند الأكراد بشكل شامل و دقيق, فيحتاج هذا الموضوع
الى أبحاث أكثر تعمقا, و انما يقتصر هذا المبحث على محاولة بيان
بدايات التحرك القومي عند الأكراد الخاضعين حاليا للسلطات السورية
.
من المعروف بأن كردستان حتى القرن العشرين كانت مقسمة الى قسمين
(بين الامبراطوريتين الفارسية و العثمانية). و كان الأكراد غالبا
لا يخضعون للسلطات المركزية الاّ شكليا, و الشعور الواعي بالانتماء
الى قوم واحد عند الأكراد يصعد بعيدا في التاريخ ( 50 ). لكن من
المتفق عليه, هو أن الحركة القومية الكردية المنظمة (القائدية) قد
بدأت في نهاية القرن التاسع عشر و مطلع القرن العشرين على أثر تفتت
الامبراطو رية
العثمانية ( 51 ).
ان أهم الظروف التي رافقت و أثرت في الشعور القومي و تطوره عند
أكراد الامبراطورية العثمانية:
1-
نهوض الحركة القوموية العربية و مناداتها ببعث امبراطورية عربية-اسلامية
جديدة.
2-
انتشار النفوذ الغربي في الامبراطورية العثمانية و الترويج لفكرة
الدولة-قومية, و خاصة أثناء الحرب العالمية الأولى, حيث كان هدف
الحلفاء الأساسي تفتيت الامبراطورية العثمانية المتحالفة مع
ألمانيا.
3-
ولادة حركة قوموية تركية تنادي بإشادة امبراطورية تركية طورانية
غير عثمانية ( 52 )
4-
انتصار الثورة البلشفية, و إعلان مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها
بنفسها.
5-
التطور الاقتصادي الذي أحدث فرزا اجتماعيا غير متوافقا مع التنظيم
الاجتماعي الاقطاعي ذو الطابع العشائري. و تغيرات المرحلة فرضت
أطراً تناسبها.
باختصار, كانت الظروف المرحلية في الامبراطورية العثمانية محّرضة
لنمو الشعور القومي عند مختلف قوميات الامبراطورية. وأسس الأكراد
كغيرهم تنظيمات و جمعيات سياسية, الاّ أنهم لم يستطعوا تحقيق ما
حققته نخبة القوميات الأخرى من كيانات سياسية, وغالبا على حساب
الأكراد. و يعتقد بأن السبب الرئيس في ذلك يعود الى أن الحلفاء
كانوا يرون الأكراد قبل الحرب العالمية الأولى, كحلفاء للأتراك,
ولهذا اتصلوا مع العرب, في البداية, ودعوهم و دعموهم للانتفاض ضد
الباب العالي العثماني. و فيما بعد فضل الحلفاء مساندة الأتراك
اللذين بقيت في أيديهم ما كان قد تبقى من آلة الدولة العثمانية, و
لم يعروا الانتباه بمصير الشعب الكردي لأن مركز الكرد في الدولة
(التركية) كان أدنى من مركز الترك, و لأن الترك اعترفوا باحتلال
الحلفاء لبقية أجزاء الامبراطورية (العراق و بلاد الشام ).
بعد الفشل المتتابع للانتفاضات الفلاحية الكردية, وبفعل المركزة
السياسية في الدول التي تحتل كردستان, تأطرت الحركة القومية
الكردية في تنظيمات ومؤسسات سياسية في كل قسم من كردستان على حده.
لكن و رغم الحدود المصطنعة كانت ولاتزال توجد روابط وعلاقات بين
مختلف التشكيلات السياسية الكردية والكردستانية.
في الظروف التاريخية الناتجة عن التقسيم الأخير لكردستان, و خاصة
بعد فشل انتفاضات ديار بكر و آكري و ديرسم في كردستان الشمالية
الغربية, وفشل الشيخ محمود البرزنجي و انهيار مملكته في كردستان
الجنوبية, وبعد القضاء على حركة اسماعيل آغا الشكاكي في كردستان
الشرقية, هاجر بعض المتنورين الأكراد الى كردستان الجنوبية الغربية
التي كانت خاضعة للانتداب الفرنسي, وساهم هؤلاء المتنورون في تسعير
الشعور القومي المتنامي بين الجماهير الفلاحية التي انتفضت بقيادة
زعمائها العشائريين.
في تلك الفترة, و منذ نهاية الثلاثينات كانت تتشكل مجموعات
وتنظيمات قومية كردية بمبادرة المثقفين في كل الساحة تقريبا. ففي
دمشق استطاع أوصمان صبري, بعد عودته من المنفى في عام 1938, جمع
الشباب الأكراد في دمشق و تأسيس (اتحاد الشباب الأكراد). كانت هذه
المنظمة تهتم بالقضايا القومية للأكراد, وكان هدف اعضائها هو أن
يروا يوما وطنهم حرا" ( 53 ).
و في نفس الفترة كانت تتشكل مجموعات قومية في كل المدن الكردية,
ففي مدينة ديريك كان بعض القوميين يلتقون لتبادل الأخبار القومية.
و في القامشلي كان ملا أحمدي نامي يدير حلقات قومية و ينسق مع ملا
علي و جماعته في قرية توبز, و يتعاون على تبادل المعلومات مع
المجموعة القومية في عامودا التي كان يشرف عليها بشكل أساسي الشاعر
جكر خوين و الكاتب حسن هشيار, و كان من أعضائها البارزين عفدي
تيللو و أوسف حاج حرسان و ملا أحمد نامي. اذ تشكل عام 1938 في
عامودا ناديا ثقافيا ضمت أغلب القوميين في المدينة.
في جبل الأكراد, شكل الشباب الأكراد الذين كانوا يدرسون في حلب
مجموعات قومية يتراوح عدد أعضاء كل منها من 5 الى 11 طالبا, تعقد
كل مجموعة اجتماعا اسبوعيا لتتباحث في شؤون الأكراد محليا و قوميا,
و من أبرز العناصر القومية بين شباب جبل الأكراد: عثمان محمد-محمد
منان-نوري عارف-عبد اللـه حسن "عطمانا"-رشيد عبدو "جرجي"-أحمد
فيو-محمد جعفر- شيخ اسماعيل-محمد عارف معبطلي-مصطفى
حمو-ميركان-محمود شوكة نعسان الذي كان معروفا باسم شوكت حنان.
بعد أن أقامت هذه المجموعات علاقات سياسية و تنظيمية مع المجموعات
القومية في الجزيرة و بعد التعرف على بعض قادة الحركة الكردية مثل
جكر خوين و نوري الديرسملي الذي كان قد فر الى حلب بعد فشل انتفاضة
ديرسم التي قادها سيد رضا, شكلت مجموعات جبل الأكراد تنظيما طلابيا
سمي بـ(رابطة الطلاب الأكراد) في عام 1946, و تركز نشاط هذه
الرابطة على تعلم وتعليم القراءة و الكتابة باللغة الكردية و
بالأحرف اللاتينية. و بانتساب عناصر قومية غير طلابية الى هذه
الرابطة, و خاصة رشيد حمو, و ابراهيم قادر, و رشيد عبد الرحمن, "
انقلبت الرابطة الكردية الى رابطة المثقفين الأكراد و نتيجة لتنامي
الشعور القومي الكردي قمنا بسكب العلم الكردي بالزنكوغراف و توزيعه
على الطلبة الأكراد, فكان الطالب تقريبا يخفي تحت قبة جاكيته علما
كرديا ليثبت و يتفاخر بانتمائه القومي " ( 54 ). كان شعار الرابطة
يمثل دواة و كتابا مفتوحا بينهما قلم تضيئه شمس مشرقة من بعيد,
كان تختم به وثائق الرابطة.
و منذ بداية عام 1948, قبلت الرابطة في عضويتها كل كردي يحسن
القراءة و الكتابة, فأصبحت "تضم تقريبا غالبية المثقفين و
المتعلمين الشباب في الجبل, و خاصة بعد أن تم الاتصال بأعضاء
الرابطة في الجبل و خاصة رشيد حمو و ابراهيم قادر و رشيد عبد
الرحمن و علي خوجة" (55 )., و شوكت و خليل محمد اللذين كانوا
يشكلون العناصر القيادية في الرابطة (الهيئة الادارية), و كانت
الرابطة ناشطة أيضا بين أكرد مدينة حلب.
ان تزايد الشعور القومي و تسرب أخبار الحركات القومية الكردية
الصاعدة في العراق و ايران و خاصة نبأ تشكيل جمهورية مهاباد
الكردية, و تصاعد نشاط المنظمات الاستقلالية (56 )., كانت عوامل
محرضة في انتشار و انتعاش التجمعات و المنظمات القومية الكردية في
سورية.
ان برامج هذه التنظيمات كانت تتركز أساسا على تعليم اللغة الكردية
و تطويرها, و تدريس تاريخ الأكراد و انتفاضاتهم, و المطالبة بتشكيل
دولة كردية مستقلة. و كانت مواد التدريس في هذه المجموعات عبارة عن
كراسات لغوية و أدبية و سياسية. و أحيانا كانت تصطدم هذه المجموعات
مع رؤساء العشائر والزعماء الدينين المتعصبين, و ذلك لتعارض طبيعة
هؤلاء مع البرامج القومية (75 )., و رغم محاولة البدرخانيين
ورفاقهم في كسب هؤلاء الوجهاء (آغا-بك-ملا-شيخ) أو تحييدهم على
الأقل كي لا يقفوا عقبة أمام الحركة القومية ( 58 ).
* * *
المراجع والهوامش:
50. أمير شعراء الأكراد أحمد الخاني (1650-1706), في قصته الشعرية
مموزين, يُشبه كردستان بسجين, و يبين الأساليب و الجهود اللازمة
لانقاذه, و يدعو الأكراد الى التحرر و تشكيل وطن قومي مستقل.
51. للإطلاع على بدايات النهضة القومية المنظمة عند الأكراد, راجع
كتاب الدكتور جليلي جليل –النهضة الثقافية و السياسية عند الأكراد
في نهاية القرن التاسع عشر و بداية القرن العشرين- ترجمه الى
الكردية علي شير, السويد 1985, من منشورات زينانو.
52. يبدأ المؤرخ محمد أمين زكي مؤلفه –خلاصة تاريخ الكرد و
كردستان- بقوله: "عندما استبعدت كلمة العثماني ليحل محلها كلمتا
التركي و الطوراني, شعرت بشكل طبيعي, مثل كل العناصر غير التركية,
بشعور قوي بقوميتي المستقلة عن قومية الأتراك".
53. أوصمان صبري, مقال مكتوب بالكردية في مناسبة وفاة أحمد بارافي
(1 آب 1943) في دمشق, منشورة في مجلة روناهي العدد/18/ الصادر في
الأول من أيلول 1943.
54. دراسات اشتراكية, العدد العام 1984, ص 185-186.
55. دراسات اشتراكية, العدد العام 1984. ص 185-186.
56-
مثل حزب رزكاري كرد, الذي كان يطالب بوحدة و استقلال كردستان
التام, و بالحرية للشعب الكردي. راجع بيان هذا الحزب المقدم الى
منظمة الأمم المتحدة و المنشور جزئيا في جريدة النهار البيروتية,
العدد /2304/ الصادر في 17/2/1946.
57. يتضح ذلك من الأدبيات المنشورة في الصحف الكردية في تلك
الفترة, فمثلا كان كلا من ملا و آغا قرية تل أيلول, و هي احدى
ضواحي الدرباسية حاليا, كانا يمنعان الشباب من تعلم اللغة الكردية,
فاضطر أحد الشباب و هو جنكباز محمود جبري, الذي هجر القرية (بحجة
تعلم الشريعة) و التحق بالقوميين الأكراد في عامودا. راجع هذا
الحدث في مجلة روناهي العدد /7/ الصادر في 1 تشرين الأول 1924. و
راجع أيضا رسالة يوسف حاج حرسان " لم أكن أعرف بأن عزرائيل أيضا هو
عدو الأكراد" المنشورة في العدد /12/ من روناهي الصادر في 1 آيار
1943. و هذا لا يعني بأن كافة الآغوات و الشيوخ كانوا مناوئين
للفكرة القومية, بل كان قسما كبيرا من هؤلاء في طليعة القوميين
الأكراد, فمن الملالي و الشيوخ مثلا جكر خوين و حسن هشيار و أحمدي
نامي و ملا علي (في توبز), و من الآغوات والبكوات مثل حاجو و شكري
آغا و أمين بريخاني وعارف بك عباس و عفدي آغا خلو وبوزان شاهين بك
وأخيه مصطفى شاهين بك و غيرهم, كانوا منخرطين في الحركةالوطنية
الكردية.
58. و نلاحظ في أغلب المقالات الصحفية الكردية, في تلك الفترة, هذه
النزعة التوفيقية بين القوميين و ذوي الاتجاه المحافـظ من الآغوات
و الاسلاميين. و في مقالة منشورة في العدد الخامس من روناهي الصادر
في 1 آب 1942, يريد الدكتور جلادت بدرخان أن يقنع الآغوات و
البكوات و الباشوات و الأمراء الأكراد بضرورة التعلم و تعليم اللغة
الكردية, و الحث على بث الروح القومية, و يغريهم الكاتب بأن ذلك
سيزيدهم نفوذاً و حباً و احتراماً بين الشعب. من ناحية ثانية, كان
القومويون الأكراد ينتهزون كل فرصة تمكنهم من تحقيق أي وفاق مع
الزعماء التقليديين. فمثلا حسن هشيار و هومن القومويين المعروفين,
في رسالته المنشورة في روناهي العدد /16/ الصادر في تموز 1943,
يبين لنا مشاركته في الاحتفال الذي أقامه سعيد آغا الدقوري,
بمناسبة انتصارات الانكليز…, و يبدو بأن كاتب الرسالة كان فخورا
بهذا الاحتفال و مؤيدا له, بالطبع حسن هشيار (1907ـ1985 ) لم ينس
التعبير عن مشاعره القومية الوطنية و مآسي شعبه في رسالته, لكن لا
ندري فيما إذا كان هذا الوطني الفذ في ذلك الحين تابعا أم متبوعا
أم متحالفا مع الآغوات. توفي حسن هشيار في القامشلي عام 1985, عن
عمر يناهز الـ 78 عاما.راجع كتاب من أقوال حسن هشيار,باللغة
الكردية, من اعداد بلسم كامل. الطبعة الثانية. وراجع أيضا مذكرات
حسن هشيار باللغة الكردية, 500 صفحة, تقديم ديلاور زنكي, مطبعة
أميرال, لبنان, عام 1993
. |