يلاحظ أغلب الباحثين في دور الأكراد السياسي في الدولة
السورية, بأن التخطيط المنهجي لإقصاء الكوادر الكردية عن مراكز
القرار السياسي, ومنع تشكل أية قوة سياسي أو ثقافية أو
اقتصادية كردية, ومحاولة مسخ الوجود الكردي في الدولة السورية,
قد بدأ منذ أواسط الخمسينات من القرن العشرين. ولكن على الصعيد
الرسمي, بدأت برمجة الاضطهاد مع صدور مرسوم الإحصاء في 23 آب
1962 الذي وقع عليه كلاً من رئيس الجمهورية ناظم القدسي ورئيس
الوزراء بشير العظمة, والذي بموجبه أقدمت السلطات السورية
علناً, ولأول مرة, باضطهاد الأكراد بشكل مبرمج رسمي. لذا,
سنعود في القسم الأول من بحثنا إلى عهد اتحاد سورية ومصر في
الجمهورية العربية المتحدة, لنمهد لدراسة بداية برمجة اضطهاد
الأكراد في سورية
نتيجة لمحاولة تطبيق ما سمي بقوانين الإصلاح الزراعي, ومصادرة بعض
الملكيات الصناعية بحجة التأميم, ونتيجة للإجراءات القمعية التي
تعرضت لها أكثر من شريحة اجتماعية في سورية ومنع الحريات العامة,
وسياسة تفضيل المصريين على السوريين في الوظائف, ونقل بعض الكوادر
السورية الهامة إلى مصر لتجميدها, كل هذا ساهم في خلق جو عام ضد
الوحدة المصرية السورية.
بالنسبة للأكراد, فتحت تأثير الأفكار العروبية التي سادت بين
الأوساط النخبوية العربية, جرت حملة كبيرة لفصل وتجميد الكوادر
الكردية في الإدارة والجيش.ومنعت السلطات الناصرية أية تظاهرة
ثقافية أو سياسية كردية.
وبعد أن فشلت المباحث في استخدام (( البارتي )) كأداة لها, أقدمت
في آب 1960 , على اعتقال أغلب العناصر القيادية في هذا الحزب
الكردي الناشئ ومحاكمتهم أمام محكمة أمن الدولة العسكري, وتم زجهم
في سجن المزة العسكري قبل أن يتم تحويلهم إلى سجن القلعة. و تبين
للسلطات العربية بأن (( البارتي )) يجســد فعلاً طموحات الأكراد,
ويستطيع الارتقاء السياسي بالجماهير الكردية و تحريكها, وهو مؤهل
للعب دور هام في تهيئة الشروط المناسبة لتسهيل مشاركة الكوادر
الكردية في تقرير المصير السياسي في سورية.
وكان لا يزال يوجد بعض الكوادر الكردية العالية في أجهزة الدولة,
ومنهم رئيس الأركان اللواء توفيق نظام الدين, وأخويه زكي و عبد
الباقي, و العقيد وجيه البرازي الذي استقبل المعتقلين الأكراد في
سجن القلعة الذي كان يديره. وكغيره من الكوادر القيادية الكردية,
تم إحالة وجيه البرازي إلى التقاعد وهو في الأربعينيات من عمره.
لكن لم تكن هذه الكوادر الكردية قادرة على أخذ المبادرة في
القرارات الحاسمة, وذلك لعدم
إمكانية
تشكيل كتلة موحدة قادرة على الدخول في المساومات والصراعات على
السلطة, وبالتالي كان كل كادر كردي يتصرف بنفسه,
ويدخل أحياناً التكتلات التي يعتبرها في مصلحته الشخصية ومصلحة
المنصب الذي يشغله.
وكنموذج للنجاح و التفوق المسلكي للكوادر الكردية على الصعيد
الفردي, يمكن أن نذكر اللواء توفيق نظام الدين وأخويه, وكنموذج
لضعف الكوادر الكردية في مراكز القرار, يمكننا أن نذكر مرة أخرى
اللواء توفيق نظام الدين وأخويه. فرغم وصول توفيق إلى رئاسة
الأركان وزكي أصبح نائباً ووزيراً وعبد الباقي نائبا ووزيراًً, وكل
ذلك بجهودهم الفردية والعائلية, لكن لم يكن أحداً منهم يمارس
صلاحيات منصبه بحرية تامة, وذلك لعدم وجود كتلة مستقرة يستندون
إليها في تحالفاتهم
وصراعاتهم
المسلكية والسلطوية. وللحفاظ على مراكزهم كانوا مضطرين للدخول
كأفراد ضمن إحدى الكتل,ويعرضوا فيها مقابل المنصب الولاء
والمناصرة.
فعندما خلف توفيق نظام الدين رئاسة الأركان العامة, توجب عليه
مراعاة التكتلات العسكرية الموجودة داخل الجيش, ولاسيما لم يكن
يوجد أي ارتباط منظم بين الضباط الأكراد المنتشرين في مختلف
القطعات العسكرية, ولم يكن باستطاعة اللواء الكردي و هو رئيس
للأركان العامة أن يحرك أية وحدة عسكرية بدون أمر قادتها
الميدانيين.
ولذلك, عندما أصدر قراراً بتعيين عبد الحميد السراج ملحقاً عسكرياً
في السفارة السورية في باريس, فلم يرضي أولئك الضباط الموالين لعبد
الحميد السّراج, وطالبوا اللواء توفيق نظام الدين بإلغاء قراره. بل
تحرك طعمة العودة الله فوج الدبابات, وحاصر مبنى الأركان العامة,
وهدد بدكه على رأس توفيق نظام الدين وضباط أركانه إن لم يتراجع من
قراره. فأصدر رئيس الأركان قراراً آخر ثبّت عبد الحميد السّراج في
رئاسة المكتب الثاني(المخابرات).
وعندما كان عبد الباقي نظام الدين وزيراً للأشغال
العامة والمواصلات في حكومة صبري العسلي, لم يكن باستطاعته منح
رخصة التنقيب عن النفط في كراتشوك للمغترب السوري نجيب منهل, بدون
أمر من رئيس المكتب الثاني عبد الحميد السرّاج. لكنه استطاع
استغلال منصبه بقصد الاستلاء على قسم من أملاك أخيه زكـي نظام
الدين, الذي كان نائباً في البرلمان.
وزكـي نظام الدين كان عضواً ناشطاً في الحزب القومي
الاجتماعي السوري, وظهر اسمه في الساحة السياسية منذ نهاية
الأربعينات, وكان مقرباً من أديب الشيشكلي الذي كان ينتسب إلى نفس
الحزب في البداية. أودعه عبد الحميد السرّاج في سـجن المزة بتهمة
التآمر لصالح نوري السعيد, وأخلي سبيله بعد أن أسبوع من التعذيب,
وبفضل تدخل أخيه توفيق الذي هدد باستقالته من رئاسة الأركان. بعد
الإفراج عنه, توسل عبثاً زكي نظام الدين لدى مقربي عبد الحميد
السرّاج لحمله على التدخل لردع شقيقه الوزير عبد الباقي نظام الدين
الذي كان قد استولى على بعض من أراضيه الزراعية.
وهذا نموذج مبسط لواقع وموقع النخبة البيروقراطية
الكردية في سورية, في نهاية عهد تواجد الكوادر الكردية( الغير
مستعربة) في المراكز العليا في الدولة السورية.
والتنافس بين مراكز القوى السورية من جهة والمصرية من جهة أخرى ,
أدى إلى زعزعة الروابط الوحدوية بين أوساط النخبة العربية.
والتنافس بين مراكز القوى بين العسكريين السوريين أدى إلى إعادة
توزيع الأوراق, و خلق تكتلات عسكرية مبنية بالدرجة الأولى على أساس
الانتماء المحلي (شــلة ابن البلد- المحافظة).
وبسبب إضعاف الأكراد وإبعادهم تدريجياً من مراكز القرار, وبسبب
توزع الأكراد إقليمياً في عدة محافظات,
لم تولد تكتلات كردية داخل الجيش و الإدارة, وأصبح ما تبقى منهم
مجبرين على الانقياد السهل خلف التكتلات العربية وأداة تنفيذية
طيعة بيديها.
وازداد التطوع في قطاع الجيش في المناطق الفقيرة بثرواتها, والتي
لم تكن تلقى الاهتمام المناسب من قبل الدولة, مثل المناطق العلوية
والدرزية, في حين بدأت الأبواب تقفل تدريجياً في وجه الأكراد
الراغبين أو المضطرين إلى التطوع في الجيش.
وكان من أهم التكتلات العسكرية في نهاية عهد الوحدة:
تكتل حيدر الكزبري
كان حيدر الكزبري يسيطر على وحدات البادية المحمولة وبعض العسكريين
المبعثرين في مختلف الوحدات السورية. وكان الكزبري على صلة
بالمخابرات الأردنية التي لم تكن تبطن الود للسلطات الناصرية. كان
عبد الكريم النحلاوي, كاتم أسرار الجيش, على علم بذلك ويشجعه لأنه
كان مسيطراً عليه, ويريد أن يستخدمه عند الضرورة،
وعبد الحميد السراج كان على علم بنشاطات الكزبري وعلاقاته مع
النحلاوي, لكنه كان يظن أن بإمكانه الاستفادة منه أو احتواءه عند
الضرورة.
تكتل أكرم الديري :
بعد تعينه في الوزارة, بقي على صلة مع الجيش, وخاصة مع مجموعة من
الضباط " الشوام " مثل محمد منصور وعدنان شيخ فضلي ومأمون قضماني,
وكان الديري مرتاحاً للموقف الإيجابي لعبد الكريم النحلاوي من
الضباط " الشوام ", كما كان لا يخشى من قائد الجيش جمال فيصل, لأن
هذا الأخير كان بطبيعته يتجنب المشاكل.
وكان أكرم الديري ذي علاقة جيدة بحيدر الكزبري. كما كان الديري قد
أطلع عبد الحميد السراج على تكتله العسكري, لأن الاثنان كانا ضد
نظام الحكومة الواحدة و الوزارات المركزية( الموحدة).
تكتل المقدم عبد الله الشيخ عطية
كان أحمد جنيدي مثل عبد الله الشيخ عطية من دير الزور, وكان أحمد
جنيدي صديقاً لعبد الكريم نحلاوي, وبذلك لعب دور الوسيط بين الشيخ
عطية والنحلاوي. لكن النحلاوي لم يطمئن للشيخ عطية فشتت مجموعتة
بعد أن نقله من سورية الى الكويت كملحق عسكري. وكان عبد الحميد
سراج على علم بهذا التكتل عن طريق أكرم الديري.
تكتل عبد الكريم النحلاوي
إن منصب كاتم أسرار الجيش كان يسمح لعبد الكريم النحلاوي بالإطلاع
على كل التحركات بين صفوف الضباط, ثم أنه استطاع أن يقوم بإجراء
التنقلات والتعيينات التي تناسبه في صفوف الجيش.
وتكتل النحلاوي كان التكتل الأقوى بين كل التكتلات الأخرى. وكان
يضم أكثر التشكيلات العسكرية قوة, وكانت تشمل الوحدات المتمركزة في
المنطقة المحيطة بدمشق.و كان يعتمد بالدرجة الأولى على (الضباط
الشوام), ومن أبرزهم: فايز الرفاعي, مهيب هندي وهو صهر عبد الكريم
النحلاوي, سعيد عاقل, فخري عمر, هشام عبد ربه, شرف الدين زعبلاوي,
برهان الدين بولص, تيسير طباع, عبد الغني دهمان, موفق عضاضة.
وكان عبد الحميد السراج يقدم الحد الأدنى من المعلومات عن هذه
التكتلات العسكرية إلى عبد الناصر, ولا يريد أن تضعف, على أمل
استخدامها هو ضد خصومه في صراعاته على السلطة.
واشدت الأزمة بين النخبة السورية من طرف والقيادة المصرية من طرف
آخر,وخاصة بعد تشكيل الوزارات الموحدة في آب 1961 , لأن أغلب
الشخصيات السورية كانت تشعر بالغبن وتشكو من التهميش.
يروي بشير العظمة, في كتابه جيل الهزيمة, بأنه عندما شغل منصب
وزير الصحة المركزي , كان لا يعرف كيف يملئ أوقاته في القاهرة,
فكان كبعض زملائه يلهي نفسه بالكلمات المتقاطعة وبعض الهوايات
الأخرى.
وبمباركة من الأردن والعراق وتركية والسعودية, في28 أيلول 1961
قام الضباط الشوام بقيادة عبد الكريم النحلاوي بالانقلاب
على عبد الناصر ونائبه مشير عبد الحكيم عامر الذي كان مقيماً في
دمشق , وكان على خلاف شديد مع الضباط السوريين بما فيهم عبد الحميد
السرّاج.
ومن المفارقات في التاريخ, هو أن عبد الحميد السرّاج الذي قاد أول
حملة اعتقالات جماعية لقادة الحزب الديموقراطي الكردستاني وأنصاره,
كان متزوجاً من ملك بنت "علي آغا زلفو" المعروف بإخلاصه
لقومه, والأغرب هو أن عبد الحميد السرّاج, يوم اعتقاله بعد
الانفصال, كان متخفياً في دار " روشــن خانم بدرخان ", زوجة
المثقف والسياسي الكردي " الأمير جلادت بدرخان ". وذلك لأن
"روشـن خانم" قبل أن تتزوج من جلادت كانت قد تزوجت من عمر
مالك, وكان قد طلقها قبل أن تلد منه ابنتها أســيمة. وتربت أسيمة
مع أمها بعد زواجها من جلادت, وكانت فتاة مشبّعة بالروح القومية
والأفكار اليسارية. تزوجت أسيمة من زهير زلفو ابن علي
آغا زلفو, وشقيق ملك من أبيها. بعد وفاة جلادت بدرخان, كانت
روشن خانم تسكن الطابق الأرضي من بيت شامي, في حيّ قريب من تمثال
عدنان المالكي, وكانت ابنتها أسيمة تسكن مع زوجها زهير زلفو في
الطابق العلوي. ووقع اختيار عبد الحميد السرّاج على دار أم اسيمة,
روشـــن خانم, كي يتخفى فيها. ولكن بعد المراقبة والترصد, داهم
العسكر دار روشــن خانم في ليلة التاسع من تشرين الأول
1961 , فاستسلم السرّاج للنقيب هشام عبد ربه, الذي كان في السابق
مساعداً للسرّاج قبل أن يترك الشعبة الثانية ويلتحق بحرس الحدود
ويصبح مساعداً لحيدر الكزبري في قوات البادية.
وشكّل الإنقلابيون وزارة برئاسة مأمون الكزبري ضمت ممثلين عن
البرجوازية الصناعية والتجارية وبعض محترفي السياسة.
أيد الشيوعيون في البداية الانقلاب الانفصالي, و بالمقابل أفرجت
السلطات الجديدة عن بعض المعتقلين السياسيين. و أقر أغلب قادة
البعث, بدورهم هذا الانقلاب, في حين بقي بعض العروبيين موالياً
لعبد الناصر و للوحدة, و شكلوا بذلك فيما بعد قاعدة خصبة لتأسيس
تنظيمات ناصرية و قومية عربية.
إن انفصال سورية عن مصر, هو بداية لطور جديد من العلاقات بين
النخب السورية. ويتسم هذا الطور بسمات المجتمع السوري بكل مكوناته
التاريخية, القومية منها والطائفية منها والعشائرية. وهذا الطور هو
انعكاس للوضع الاجتماعي والموقع السياسي لمختلف الفئات السكانية في
سورية. وتبلورت النخب العسكرية والسياسية العربية حول انتماءاتها
المذهبية والإقليمية والعشائرية أكثر من أي وقت مضى.
فبعد ترحيل المشير عبد الحكيم عامر عن دمشق, أحسّ الانفصاليون
بقيادة النحلاوي, بأنهم تمكنوا من السيطرة على الأمور في دمشق, و
بدؤوا اتصالاتهم الفورية مع الضباط المتنفذين في القطعات العسكرية
البعيدة عن العاصمة. واستطاعوا السيطرة على الوضع العسكري عن طريق
تفعيل العلاقات التكتلية التي سبقت الانقلاب. وهكذا استطاع جورج
محصل الاستيلاء على قيادة المنطقة الشمالية(في حلب), واعتقال
قائدها العميد حكمت داية الذي رفض الانفصال.
واتصل الانفصاليون مع القوى والشخصيات السياسية لتشكيل حكومة تدير
البلاد. فوافقت أغلب رموز وقادة القوى السياسية العربية السورية
على الانفصال عن مصر, بما فيهم البعثيون والإخوان المسلمون, وشكري
القوتلي وفارس الخوري وسلطان الأطرش, ووو
…
وكل لغاية نيل حصة في الحكم الجديد. بالفعل تم تشكيل هذه الحكومة
برئاسة مأمون الكزبري في الساعة الحادية عشر من مساء يوم 28 من
سبتمبر (أيلول) 1961. وهذه الحكومة لم تكن إلاّ الواجهة المدنية
والسياسية للضباط الشوام وحلفائهم المقربين.
و تشكلت الوزارة على النحو التالي:
- مأمون الكزبري- للرئاسة و الخارجية و الدفاع- محام من دمشق.
- أمين أحمد ناظيف- للزراعة و الإصلاح الزراعي- مزارع من دمشق.
- أحمد محمد سلطان- للأوقاف و العدل- محام من حماه.
- فؤاد العادل- للشؤون الاجتماعية- مدير إدارة في وزارة الشؤون
الاجتماعية.
- فرحان الجندلي- للصحة- طبيب من حمص و عمل وزيرا في عهد
الشيشكلي.
- ليون زمرية- للمالية و للتموين- محام من حلب.
- عدنان القوتلي- للداخلية- محام من دمشق.
- عوض بركات- للاقتصاد و الصناعة- نائب حاكم المصرف المركزي.
- عزت النص- للتربية و الإرشاد القومي- مدرس جامعي و صديق
للشيشكلي.
- نعمان أزهري- للتخطيط و الشؤون البلدية.
- عبد الرحمن حورية- للأشغال و المواصلات.
و ما أن تشكلت هذه الحكومة حتى بادرت الأردن و السعودية و العراق
و تركية بالاعتراف بها, و كان ذلك لقطع الطريق أمام عبد الناصر
لمعالجة الوضع في سورية.
و خلال الفترة الأولى من ما يسمى بالانفصال يلاحظ وصول الضباط
السنيون الدمشقيون العرب بقيادة المُقـــدَّم عبد الكريم النحلاوي
إلى أوج قوتهم.
لقد انعكس مركز الضباط الدمشقيين البارز في تركيبة قيادة الجيش
السوري التي تكونت بعد انقلاب 28 سبتمبر (أيلول) 1961 مباشرة. فمن
بين أعضائها العشرة كان هناك خمسة أعضاء سنيين دمشقيين, و من بين
الخمسة الآخرين كان هناك أربعة سنيين (أحدهم شركسي) و الخامس درزي.
(عبد الكريم زهر الدين- مذكراتي, ص 66). فالغلبة العددية هامة
ومتانة العلاقات التكتلية (التنظيمية) بين العناصر المكوّنة
للمجموعة تعطيها أهمية أكبر.
يلاحظ أغلب الباحثين في الشؤون السورية بأن ذلك لم يكن من قبيل
المصادفة, إذ أن خلال فترة الوحدة, كانت قد أسندت قيادة القطعات
العسكرية السورية الهامة أساسا للضباط الدمشقيين السنيين الذين
استطاعوا أن يحسموا الأمر لصالح تكتل النحلاوي الذي جمعهم في
انقلاب 28 أيلول 1961.
و يكتب عبد الكريم زهر الدين في مذكراته أنه في زمن الوحدة بين مصر
و سوريا اعترضت القيادة العسكرية التي كانت تحت سيطرة المصريين
على تعيين ضباط سوريين مسلمين غير سنيين في منصب قائد الجيش الأول
(أي السوري) للجمهورية العربية المتحدة. لذلك, فعندما تم اقتراح
تعيين المًقدَّم الناصري جادو عز الدين في هذا المنصب رُفض
الاقتراح أساساَ لكونه درزياَ ( عبد الكريم زهر الدين, مذكراتي,
ص43). وكان قد لعب الضباط الدمشقيون أيضاَ دوراَ سياسيا هاما في
السنوات التي سبقت الوحدة بين مصر و سوريا.(خالد العظم, مذكرات
خالد العظم, المجلد الثاني - بيروت 1973- ص 501-503).
بالتالي, فالانقلاب الذي حدث, والنظام الذي أشيد على أساسه, كان
عملية " دمشقية" لجهة انتماء القادة المحلي, وسنية لجهة انتماء
القادة المذهبي, وعربية لخلو الطاقم القيادي من أي ضابط ينتمي إلى
القوميات الأخرى المتواجدة ضمن حدود الدولة السورية.
إن المعارضة القوية داخل صفوف الضباط السوريين لمجموعة النحلاوي
الدمشقية دفعت قادة انقلاب 28 سبتمبر (أيلول) 1961 على تعيين شخص
غير دمشقي قائداَ أعلى للقوات المسلحة. فقد وجدوا أن اللواء عبد
الكريم زهر الدين الدرزي, و كان ترتيبه الرابع في ذلك الحين, على
استعداد لتقلد هذا المنصب العسكري الهام, و تم استبعاد الثلاثة
الآخرين لأن اثنين منهم كانا مسيحيين و الثالث علوياَ . ( عبد
الكريم زهر الدين, مذكراتي, ص 60-61). واللواء عبد الكريم لم يكن
يشكل أي خطر أو تهديد مباشر لمراكز القرار السياسي, وذلك لعدم
تمتعه بسند أيّ تكتل عسكري فعّال و متماسك.
ثالثاً: التطورات السياسية في بداية الانفصال
منذ أن تمكن عسكر الشوام من أخذ مراكز القرار في سورية, باشروا
بجملة من الإجراءات التي فرضتها انتماءاتهم المحلية و الاجتماعية
والمذهبية. سنتطرق وباختصار إلى أهم الظواهر السياسية التي ولدت أو
شهدت تطوراً ملحوظاً في ظل النظام الجديد. فمن أهم ما يلاحظه
المؤرخون السياسيون هو:
1- إعادة صياغة معادلات القوة بين الريف و المدينة, و عودة نخبة
المركز (العاصمة) إلى الواجهة العسكرية و السياسية و
الاقتصادية.
فأغلبية المراكز القيادية الفعلية أصبحت في عهدة أبناء دمشق و
حلفائهم المباشرين من السنة.
2- إعادة صياغة علاقات الإنتاج و الملكية الزراعية و الصناعية إلى
ما قبل الوحدة, و ذلك بإلغاء بعض قوانين التأميم و رفع سقف الملكية
الزراعية. و كان ذلك انعكاساَ للانتماء الطبقي للنخبة التي قادت و
شاركت بداية عهد الانفصال.
3- محاولة حصر السلطة في يد الكوادر المسلمة من السنة. إذ يلاحظ في
المراكز القيادية إقصاء واضح للنخبة غير العربية و النخبة العربية
من بقية المذاهب و الأديان.
4- إقصاء تام للكوادر القيادية الكردية وتجريد الارستقراطية
الكردية (مثل برازية حماه) من جميع امتيازاتها المتبقية, و ذلك
بضرب مرتكزاتها الاقتصادية, و طرد ما تبقى من رموزها في الإدارة.
5- بداية ظهور جيل من الكوادر العسكرية و السياسية من أبناء
الأقليات الدينية العربية مثل العلويين والدروز والسمعوليين. و ذلك
لازدياد عدد خريجي الكيلة العسكرية في حمص من الطلاب الوافدين من
الأرياف الفقيرة. إذ شجعت حالة الحرمان من جهة, و انتشار التعليم
من جهة ثانية كثيراّ من أبناء الأرياف العربية السورية للتطوع في
سلك الجيش. و لاسيما لا يتطلب التطوع في الكلية العسكرية سوى
الحصول على الشهادة الثانوية. أما أبناء المدن من التجار و
الصناعيين و أبناء الملاكين العقاريين الكبار, فلم تكن لديهم
الحاجة و لا الرغبة بنفس القدر في التطوع في سلك الجيش.
أما الأكراد, فباستثناء الرعيل الأول من الضباط و الساسة الذين
نشأوا فيما بين الحربين و استمروا في مراكز قيادية حتى نهاية
الخمسينات, فباستثناء الرعيل الأول, لم يكن لدى الأكراد الاندفاع
نحو سلك الجيش لعدة عوامل, منها البعد الكردستاني الذي كان يحد من
طموحاتهم في السيطرة على مقاليد الأمور في سورية, فالكردي كان يريد
أن تتحسن الإدارة و المرافق العامة في المناطق الكردية, و بالدرجة
الأولى أن يتمتع الكرد بحقوقهم الثقافية. و ازداد تحفظ الجيل
الكردي الجديد تجاه سلك العسكر, بسبب عدم فعالية الجيل الكردي
القديم من النخبة في تحقيق أي مكسب جماعي للأكراد. و بذلك لم يستطع
الكرد أن يعيدوا إنتاج نخبة عسكرية و سياسية ذات طموحات سياسية على
مستوى عموم سورية. و من عوامل ابتعاد الكرد عن سلك الجيش هو السمعة
غير الحسنة للجيش السوري عند الأكراد. فالجيش عندهم هو ملجأ
للفاشلين دراسياً, ومؤسسة تأوي المرتزقة بالدرجة الأولى. وأصبح
الجيش رمزاً للقمع, وأداة للانقلابات. كما أن إبعاد الضباط الأكراد
بشكل جماعي بعد انقلاب الشيشكلي, وخاصة في عهد الوحدة مع مصر,كان
له أثر كبير في عدم اندفاع الأكراد لتقديم طلبات التطوع في الجيش.
6- بدأ الشرخ واضحاَ بين فئة النخبة العربية العسكرية صاحبة القرار
السياسي وواجهاتها المدنية التي كانت تلعب دور المسوّق السياسي
لحكم العسكر الشامي ذو الانتماء السني العربي.
7- دخلت الفئات القيادية العربية و خاصة العسكرية منها في صراع
تناحري واضح على أرضية الانتماء الإقليمي و الطائفي, و حتى
العشائري, و ذلك بسبب محاولة الضباط الشوام السنة العرب الاستفراد
بالحكم دون غيرهم من أبناء الطوائف و الأقوام الأخرى.
و هذا لا يعني عدم وجود صراع سابق من هذا النوع, و لكن مستوى
الصراع و حدّة توتره أخذا منحا واضحاَ, ترسخت بهما بلورة التكتلات
العسكرية و السياسية على الأرضية الإقليمية, و تمحورت حركة هذه
التكتلاتبشكل أساسي حول المعايير الطائفية و العشائرية.
و هذا لا يعني أيضا بأن كل العناصر الفاعلة في هذه الصراعات كانت
تخطط لإنشاء نظام طائفي أو عشائري, أو أنها مؤمنة بالطائفية و
العشائرية و الإقليمية كثوابت لترسيخ مؤسسات الدولة على أساسها. و
لكن بحكم الانتماءات المتمايزة, و بحكم التطور اللامتوازي و
اللامتساوي لمختلف الفئات السكانية السورية, وجدت النخب السورية
نفسها في مواقع مختلفة و متمايزة في القوة و الموقع. بل و يمكن
القول بأن أكثر الكوادر السورية تنوراَ و بعداَ عن الروح الطائفية
و العشائرية و الإقليمية, تحتاج إلى هذه الركائز الواقعية لتتمكن
من الوجود و المساهمة الفعالة في مصير الدولة السورية. فهذه
الانتماءات هي انتماءات مفروضة بالواقع, و تجاهلها لا ليلغيها, و
من أجل تغيير الواقع لابد من الاعتماد على معطياته, هذه المعطيات
التي تستند في وجودها إلى التاريخ البعيد و القريب, ولها من يدافع
عنها عندما تخدم مصالحهم. و من أجل إعادة صياغة هذه المعطيات أو
تغييرها, أو تغيير أدوارها, لابد من أخذها في الحسبان أولاً و
أخيراً.
رابعاً:الديموقراطية العسكرية العروبية في الديار الكردية
بغية كسب الحد الأدنى من السند الشعبي, ولإعطاء الصبغة الشرعية
لحكمهم, وعد العسكر بتنظيم انتخابات تشريعية حرة لانتخاب برلمان
يمارس السلطة التشريعية في البلاد. وفي 15 تشرين الثاني 1961,
نشروا مشروع دستور, و حددوا اليوم الأول من كانون الأول عام 1961
موعداَ لهذه الانتخابات التشريعية وللتصديق على مشروع الدستور.
فرحبت بذلك أغلب الفئات الشعبية في عموم سورية, آملة أن ترى عهداَ
جديداَ في الحكم والإدارة.
على الصعيد الكردي, كان أغلب أعضاء قيادة البارتي قد خرجت من السجن
بعد أن انتهت من تنفيذ الأحكام التي كانت قد صدرت بحقها من قبل
محكمة أمن الدولة, و ذلك قبيل الانقلاب العسكري الذي فصل سورية عن
مصر. و كان هذا التوقيت بين إخلاء سبيل المعتقلين و الانقلاب قد
حدث بمحض الصدفة, لكن كان البعض يعتقد بأن الإفراج عن معتقلي
الأكراد قد تم بفضل الانقلابيين.
رحبت قيادة البارتي بمبادرة إجراء الانتخابات التشريعية في سورية,
مقتنعة بأنها قادرة على إيصال ممثلين عن الشعب الكردي إلى الهيئة
التشريعية التي من المفترض أن تسن القوانين, فضلاً عن أنها تقرر
مصير البلاد.
بعد مداولات طويلة ضمن قيادة البارتي, و بعد مفاوضات صعبة, رشحت
اللجنة المركزية للبارتي قائمة مؤلفة من قياديين حزبيين, هما الشيخ
|