|
ثالثاً: الاعتقالات
و التعذيب
من أجل تجريد الملاكين والفلاحين الكرد من استثماراتهم الزراعية,
اتبعت السلطات البعثية أشدّ الإجراءات قمعية. وذلك لقطع كل أمل في
المقاومة أو أية محاولة تمرد على تطبيق الاشـــتراكية العربية في
الأراضي الكردية.
فاستمرت المداهمات البوليسية لمنازل من يشم منهم رائحة الروح
القومية من الأكراد. وحيازة مقالة واحدة بالكردية, أو عن الأكراد,
كانت تكفي لاقتياد الكردي إلى مقرات الأمن ليضرب فيها, و ليبقى
مصيره لمشيئة الجهة ا لتي اعتقلته (13)
و كل مظاهر الانتماء القومي كانت محرمة على الأكراد, و كانت
السلطات تمنع الاستماع إلى الموسيقى الكردية أو ارتداء الأزياء
التقليدية, و إذا ما أفصح أحد بأنه كردي, فيهان بتهمة إثارة العداء
للعروبة و الدعوى للانفصال عن الوطن العربي. و إذا ما عرفنا بأن
أغلب الفلاحين الأكراد لا يعرفون التكلم بالعربية, فكيف يمكنهم
الادعاء بأنهم عرب؟ و إذا ما ادعى أحدهم في إحدى الدوائر الرسمية
خوفاً بأنه عربي يزداد احتقار الموظفين له, واصفينه بالخبث و
الجبن, هذا بالنسبة لعامة الأكراد.
أما العناصر الكردية الناشطة قوميا, فقد تعرضت لحملة اعتقالات
فظيعة, فتقول جريدة "يني غه زه ته" التركية الصادرة في 10
أيار 1976, بأنه "لا يوجد يوم إلاّ و اعتقل فيه بعض الأكراد
من الجزيرة, و يتم إرسالهم إلى سجن دير الزور و دمشق و حلب, و
تصادر أموالهم (…),
فالأجهزة البوليسية وقرارات المحاكم العسكرية قد خلقت الرعب و
القلق في هذا الإقليم (…),
و خلال 15 يوم تم اعتقال 80 شخصا كرديا" (14).
و بتاريخ 21 آب 1966, تم اعتقال 170 كرديا بتهمة مناصرة
الحركة القومية الكردية, و إن لم تتمكن الأجهزة الأمنية من اعتقال
المشكوك فيه أثناء مداهمة منزله, كانت العناصر تضرب بقية أفراد
الأسرة بوحشية, فضلا عما يلحق بالبيت من أضرار جسيمة نتيجة للعبث
بالأثاث أو سرقة الأموال. و ما أكثر حالات الإجهاض التي وقعت أثر
المداهمات البوليسية نتيجة للمعاناة الجسدية أو النفسية التي كانت
تتعرض لها المرأة الحاملة و التي كان من قدرها أن تكون كردية
(15).
رابعاً: الاشتراكية العربية في جبل الأكراد
أرادت السلطات تجريد الأكراد من الأرض بحجة تطبيق الإصلاح الزراعي
وتحقيق العدالة الاجتماعية, في حين أن هذا الزعم كان غير صحيحاً,
ولم تكن هذه الحجة إلاّ ستاراً لتمرير تطبيق سياسة شوفينية مبنية
على التميز العنصري ضد الأكراد, و خاصة إذا علمنا بأن الاستثمار
الزراعي في المناطق الكردية في محافظتي حلب و اللاذقية يعتمد على
الملكيات الصغيرة بشكل أساسي, فيقول تقرير سوري رسمي مؤرخ في تموز
1966 بأن:
"الأراضي المستولى عليها متمركزة في منطقة جنديرس (…),
إنها لا تمثل أكثر من 10% من المساحة الإجمالية (…),
و 80 % من الأراضي المزروعة هي استثمارات صغيرة عائدة
للفلاحين المرتبطين بشدة بأرضهم, لذلك يبدو لنا بأنه لا يمكن حل
هذه القضية القومية عن طريق الإصلاح الزراعي" (16).
لكن على ما يبدو أن " القادة الكبار" كانوا لا يقبلون و لا تروق
لهم أن يكون الفلاح الكردي متمسكا بشدة بأرضه, علماً بأن محرري
التقرير كانوا قد أكدوا بأن نشاط البارتي " لايشكل خطراً كما هو في
الجزيرة (…),
لذا سيكون من الخطأ محاولة إثارة مشكلة سياسية في هذه المنطقة" (17).
و قد ثبت هؤلاء الموظفون في تقريرهم بأن تجربة تسكين عائلات عربية
في هذه المنطقة الكردية "لم تكن سارة لأن هذه العائلات العربية
المستوطنة اشتهرت بالسمعة السيئة و أدين الكثير من عناصرها بالسرقة
و…"
(18).
ويبدو بأن منظمي التقرير بالذات لم يكونوا مقتنعين بتسمية هذه
العمليات بالإصلاح الزراعي, و مع ذلك بلغ مجموع الأراضي المستولى
عليها في المناطق الكردية بمحافظة حلب حتى عام 1968 /180678/
هكتاراً, و حسب معايير غير عادلة, و بعيدة عن الاشتراكية التي
ادعت و تدعي بها السلطة. و أدخل في ملكية الدولة 17,4 % من
الأراضي. أما في المناطق الكردية التابعة لمحافظة اللاذقية, فتم
الاستيلاء على /17155/ هكتارا, أعيد توزيع /4480/
هكتارا, و أدخل في ملكية الدولة 74% من الأراضي المستولى
عليها.(19)
أمّا أكراد مدينة حماة, فكانوا السباقين في نيل نصيبهم من
الاشتراكية العربية والإصلاح الزراعي بنموذجيه الناصري والبعثي. إذ
كانت السلطات الناصرية في سورية قد اختارت كوزير للزراعة والإصلاح
الزراعي الضابط الحموي مصطفى حمدون, الموالي لعبد الحميد الســراج,
والذي اشــتهر بكرهه للأكراد البرازية الحموية.
وبغية تجريد الأكراد البرازية الحموية من قاعدتهم الاقتصادية
(الزراعية), بدأت أولى إجراءات تطبيق سقف الملكية الزراعية بحق
عائلة نجيب آغا البرازي, وتم الاستيلاء على أغلب ملكياته. فرغم
عراقة البرازية وتاريخهم في البلاد, قبل وبعد تشكل الدولة السورية,
ومشاركتهم في أغلب الأحزاب العربية, تعتبرها النخب العربية كتلة
سكانية كردية يمكن أن تشكل عمقاً استراتيجياً للسكان الأكراد في
كردستان. ولذلك عملت النخب العربية التي حكمت سورية منذ نهاية
الخمسينات على إقصاء البرازية وإضعافهم.
و في ( كــوبانى ) المعربة إلى ( عين العرب ), فكانت الاشتراكية
العربية تقتضي الاستيلاء على أراضي بوزان شاهين بك, أحد مؤسسي
خويبون, ورئيس بلدية عين العرب سابقاً , رغم أن أراضي هذا الملاك
الكردي كانت بيد الفلاحين الكرد منذ قبل مجيء عبد الناصر والبعث.
فبعد الاستيلاء على الأراضي, لم يتغير الوضع كثيراً, لأنه لم تتجرأ
الحكومات العربية جلب فلاحين أجانب إلى هذه المنطقة الكردية, فبقيت
الأراضي الكردية بيد الأكراد من فلاحين وملاكين.
الملاحظات والهوامــش:
13-عصمت
وانلي-المسألة الكردية في سورية- مرجع مذكور, ص 22. إذ يسرد
الكاتب حادثة اعتقال كل من الفلاح محمح حتو و العامل عبد الهادي
عبد اللطيف في 1 حزيران 1966, و ذلك فقط لحيازتهما
على عدد من مجلة ثقافية كردية تصدر في أوروبا.
14-عصمت
وانلي- المسألة الكردية في سورية- مرجع مذكور, ص 23.
15-
و بالتأكيد وزير الداخلية السوري محمد غباش, كان يتذكر أفعاله و
تصرفاته غير الإنسانية عندما كان مديراً لناحية الدرباسية. وعندما
تسمح الظروف وتفتح الملفات ستتبين الحقائق.
16-17-18-
تقرير معد من قبل دائرة الإصلاح الزراعي و رئيس دائرة توزيع
الأراضي في الوزارة.
19-
أخذت هذه الأرقام من لوحة معدة من قبل الباحث السوفيتي منتشاشفيلي.
آ.م. المرجع المذكور, ص 169, بعنوان
–
نتائج استيلاء و توزيع الأراضي في المناطق
الكردية في سورية -. |