دراسات الآستاذ الدكتور خالد عيسى

 

 

 

دراسة تاريخية الأكراد تحت الانتداب الفرنسي ـ 4 ـ  28.02.05 / K.Binxete
بقلم الدكتور في الدراسات العليا  خالد عيسى

 

 
 
 مواقف الأكراد خارج كردستان

ارتبط التطور السياسي عند الأكرد خارج كردستان بتطور الفكر السياسي في كردستان من جهة, و بتطور الفكر السياسي في الساحة السورية من جهة أخرى. أثناء الانتداب الفرنسي على سورية شهدت سورية ثلاثة تيارات سياسية أساسية: الشيوعية و القومية و الدينية. 

 أولاً: التيار الشيوعي:

تم تأسيس الحزب الشيوعي السوري (و اللبناني) في عام 1924. و في شباط 1928 تشكلت منظمة دمشق لهذا الحزب, و انضم اليها  خالد بكداش في عام 1930 عن طريق كردي أخر هو فوزي الزعيم ابن أخ أحد الرؤساء السوريين حسني الزعيم.

انتشر هذا الحزب بسرعة فائقة بين السكان غير العرب و غير المسلمين. و في بداية 1931 كان الأعضاء الجدد لهذا الحزب يأتون "بشكل أساسي من حي الأكراد" (34) في دمشق.

 في حماه أيضا, كان الأكراد يشاركون بشكل فعّال في قيادة منظمة الحزب في مابين الحربين, و برزت أسماء الكثيرين منهم في الحياة السياسة في حماه مثل محمد العلي و غيره (35).        

ثانياً: التيار القومي العربي. 

نشط التيار القومي العربي في فترة مابين الحربين,  وبعد أن كان الشعور القومي العربي قد نشط و انتعش قبيل و أثناء الحرب الأولى بمساندة الحلفاء, تحول هذا الشعور القومي بشكل عام الى ايديولوجية النخبة العربية ضد الحلفاء. و مع مجيئ الفاشية و النازية في أوروبة, وجدت فكرة العرق تربة خصبة لها بين القوميين العرب, و استخدموها من أجل تعبئة (العربوفون) الناطقين بالعربية ضد الحلفاء الذين كانوا قد دخلوا بدورهم الحرب ضد الفاشية و النازية.

و هكذا ولدت وانتعشت تنظيمات قومية عرقية بين المثقفين العرب في سورية. و من هذه التنظيمات القومية التي لعبت دورا هاما في الحياة السياسية السورية.

1-عصبة العمل القومي:

 و هي حركة انطلقت من فكرة القومية العربية, و أكثر عناصرها كانوا من فئة المتعلمين من أبناء برجوازية المدن الصاعدة, و كانت تستخدم شعار استقلال سورية من أجل تعبئة ناخبيها في الانتخابات التي كانت تخوضها أثناء الانتداب, و هذه الحركة هي أكثر التنظيمات السياسية السورية في الثلاثينات قربا الى مفهوم الحزب السياسي (36).

2-الكتلة الوطنية:

         و هي تكتل سياسي يجسد تحالفا بين بعض كبار الملاكين العقاريين و كبار البرجوازية التجارية في المدن السورية, و لم يكن لهذا التكتل السياسي بنيان تنظيمي ثابت. 

كان يشكل تحالف عصبة العمل القومي مع الكتلة الوطنية ضغطا فعليا على سلطات الاحتلال الفرنسي, اذ حقق هذا التحالف تنازلات حقيقية من قبل فرنسا, و ذلك بمنحها لسورية حكما ذاتيا بصيغة دولة مستقلة في عام 1936 (37) لكن هذا المكسب الذي حققه "الاستقلاليون" لم يدم طويلا لأسباب عديدة منها تناحر القوى الاستقلالية و مساومتها مع المستعمر, و عدم قدرتها على مواجهة مسألة اسكندرون, و سقط الاستقلال السوري المحدود في عام 1938.                            

3-الحزب القومي السوري:

      قام هذا التنظيم على فكرة تشكيل سوريا الكبرى, و كان أغلب قادة هذا التنظيم في سوريا من المسيحيين, و يعتبر حزب البعث العربي الاشتراكي هذا " كإديولوجية و كتنظيم و كاتجاه سياسي, صدى للنازية و الفاشية اللتين بدأتا صعودهما في ألمانيا و ايطاليا في تلك الفترة (38).

كانت هذه التنظيمات الثلاثة تعلق آمال كبيرة على قوة ألمانيا المتعاظمة, و مع اندلاع الحرب العالمية الثانية, كانت تراهن على هزيمة فرنسية محتملة من أجل استقلال سوريا.

4- حركة البعث العربي:

تميزت حركة البعث بعض الشيئ عن التنظيمات الثلاثة السابقة, فقامت هذه الحركة على فكرة بعث القومية العربية و المغالاة في مكانتها, وبهدف كسب الفلاحين الى جانب الحركة, تم تبني بعض الأفكار الاجتماعية الاصلاحية, و بذلك كان نموذجاً مستورداً لـ "الحزب الاشتراكي القومي" النازي, كان قد نقلها مؤسسو البعث الأوائل: زكي الأرسوزي و صلاح الدين بيطار و ميشيل عفلق الذين كانوا قد أنهوا دراستهم في فرنسا, و كانوا قد خضعوا فيها لـ "تأثير الفلسفة الألمانية القومية و الفكر المثالي" (39). صدر أول بيان لحركة البعث في 24 تموز 1943, وجاء فيه:

-" نمثل الروح العربية ضد الشيوعية المادية.

- نمثل التاريخ العربي الحي ضد الرجعية الميتة و التقدم المصطنع.

- نمثل القومية العربية التامة المعبرة عن حاصل الشخصية.

- ضد القومية اللفظية التي لا تتعدى اللسان و يناقضهامجموع السلوك.

- نمثل رسالة العروبة ضد حرفة السياسة.

- نمثل الجيل العربي الجديد" (40)

انعقد المؤتمر التأسيسي الأول لحركة البعث العربي بين 4و 7 نيسان 1947, و أصبحت بعده حزبا سياسيا. حضر المؤتمر حوالي 200 عضوا من اتجاهات ايديولوجية غير متجانسة يمكن تصنيفهم في ثلاثة تيارات و هي:

أ- التيار الليبرالي:

كان هذا التيار من أنصار إقامة دولة عربية واحدة تقوم على أساس النظام الديمقراطي البرجوازي الغربي, و تقوم على أساس دستور يقر بتعدد الأحزاب القومية و تؤمن بالملكية الخاصة و بالأرث, و يرى أنصار هذا التيار "في حركة القومية العربية الحديثة استمرارا للتاريخ العربي الاسلامي دون الأخذ بروح العصر"(41).

ب- التيار القومي العنصري:

 " ظهر هذا الاتجاه بصورة غلو في التأكيد على الرابط القومي و على تميز الأمة العربية بخصائص حضارية وعرقية دون غيرها من الأمم تجعلها في مرتبة متميزة" (42).

ج- التيار الاصلاحي:

 كان يركز أنصار هذا التيار على ضرورة قيام الدولة العربية المُطالب بها على اجراء تغييرات اجتماعية لمصلحة الكادحين العرب لجرهم الى العمل السياسي. ولذلك يُسّمى مُنظّرو البعث هذا الاتجاه بالتيار القومي الاشتراكي(43).

أقر المؤتمر دستورا و نظاما داخليا, و انتخب عميدا للحزب و هيئة تنفيذية من ثلاثة أعضاء وتضمن الدستور ثلاثة مبادئ أساسية هي: 1- وحدة الأمة العربية. 2- شخصية الأمة العربية. 3- رسالة الأمة العربية. و يبدو أن الاتجاهين الأوليين كان لهما التأثير الأكبر في هذا الحزب.                   

ثالثاً: التيار الاسلامي

مع تفتت الإمبراطورية العثمانية "الاسلامية", ودخول الحلفاء الى المنطقة, انتعشت بعض الحركات الاسلامية السياسية معتمدة على مناهضة الأفكار الغربية "المسيحية" نابذة لفكرة اقامة تنظيمات قومية باعتبارها عاملا لتقسيم الأمة الاسلامية ذو الأفق العالمي.

احتفظت التنظيمات الاسلامية "العربية" و تحتفظ دوما بصبغة قومية منطلقة من مكانة العرب و اللغة العربية المتميزة في الفكر و التاريخ الاسلاميين, و داعية لإعادة إنشاء مجد الامبراطورية العربية الاسلامية. و تبغي التنظيمات الاسلامية بادعاءاتها القومية منافسة  التنظيمات السياسية ذوي الايديولوجيات القومية "العلمانية". في حين أن التنظيمات القوموية العربية كانت و لاتزال تنافس الاسلاميين على أرضية الاسلام وتعتبر الاسلام ركنا من أركان القومية العربية و جزءا من تاريخها .

أما التنافس بين التنظيمات القوموية العربية من جهة, و التنظيمات الشيوعية العربية من الجهة الثانية, فيدور على الأرضيتين الاجتماعية والقومية. فتدعي أغلب التنظيمات القوموية بأفكار اصلاحية وشعارات اشتراكية, لكي تكسب الى جانبها الجماهير الكادحة لمنافسة الشيوعيين على قاعدتهم الاجتماعية. في حين تدعي التنظيمات الشيوعية العربية قيادة الحركة الثورية العربية و تنادي بإقامة دولة عربية واحدة, لتجريد التنظيمات القوموية من مبرر وجودها. 

شارك أكراد المدن السورية, و خاصة في مدن دمشق وحلب و حماه, في تأسيس ونشاط كافة التنظيمات السورية بمختلف اتجاهاتها, وبذلك استطاع بعض الأكراد أن يلعبوا دورا بارزا في قيادات هذه التنظيمات (44), و لكن بصفتهم كسوريين لا كممثلين للشعب الكردي.

 مع أن الحزب الشيوعي السوري لم يطالب بأي حق قومي للأكراد كما كان و لا يزال يفعلها للعرب (45), لكن المبادئ العامة للشيوعية, التي تنادي بالمساواة الطبقية و القومية, كانت تعطي أملاً للأكراد وتشجعهم للانتساب الى هذا الحزب. و منذ بداية هذا الحزب و حتى الأن يشارك الكرد و بشكل فعّال في الحركة الشيوعية في سورية.

يبدو بأن القوميين الأكراد في المدن السورية الكبرى, هم أيضا, كانوا منقسمين الى أنصار و مناؤئي السلطات الفرنسية, فبعض المقالات المنشورة في "روناهي" تشير الى علاقات طيبة بين بعض الجنرالات الفرنسية و أكراد دمشق (46), وحسب قول خالد بكداش, كان الفرنسيون يعترفون بخصوصية المجتمع الكردي, فيحترمون حياد حي الأكرد في دمشق, و لاينتهكون حرمة  هذا الحي حتى و لو دخله الثوار (47), في حين أن رمي شيخو فرحة, وهو قيادي كردي أخر في الحركة الشيوعية, يسرد لنا معارك فعلية كانت قد جرت بين الكرد و الجنود الفرنسيين, في هذا الحي الكردي, و خاصة خلال عامي 1925-1926, عندما كان الأكراد يدافعون عن استقلالية حيّهم, و قد تكون هذه المعارك انعكاسا لمجريات الأحداث في كردستان الخاضعة للانتداب الفرنسي (48).

و من بين الوجهاء القوميين الشباب في حي الأكراد في دمشق, نجد من بين أخرين, اسم أحمد بارافي الذي كان يتمتع بشعبية قوية و كان مناهضا للسلطات الفرنسية رغم قربه من مجموعة المثقفين الأكراد المتحالفين مع الفرنسيين, و كان من أنصار الكاتب و الشاعر الكردي أوصمان صبري, الذي بقي مقيما في هذا الحي حتى وفاته (49).

يتبع 

المراجع والهوامش

34- خالد بكداش مجلة النهج- العدد /2/ في تشرين الثاني 1983, ص 101.

35- مجلة النهج العدد /6/ في كانون الثاني 1984, ص 173.

36- طبعا باستثناء الحزب الشيوعي السوري ذو البنية التنظيمية المتينة و الوحدة الفكرية المفترضة.

37- كان الحزب الشيوعي السوري متحمسا لاتفاقية 1936, لأن الحزب الاشتراكي الفرنسي ( ليون بلون ) كان في الحكم.

38- دراسة تاريخية تحليلية موجزة لنضال حزب البعث من 1943-1971. صادرة عن القيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي, دمشق, ص 10.

39- دراسة أولية حول نقد تجربة الحزب, مقرة في المؤتمر القومي الحادي عشر لحزب البعث الديمقراطي الاشتراكي العربي ص 30. 40

40- دراسة تاريخية , المرجع المذكور, ص 14.

 41+42+43- نفسه ص 21-22.

44- كقبيلة البرازي التي لعبت دورا هاما في قيادة الكتلة الوطنية, و شكلت جسرا سياسيا بين حركة المريديين في جبل الأكراد و الكتلة الوطنية. ورشيد كيخيا الذي تزعم حزب الشعب.

45- جاء في قرار اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوري الصادر في نهاية حزيران 1984 "كان شعار الوحدة العربية و مازال من الشعارات الهامة لحزبنا الشيوعي في المسألة القومية".

46- يرد في بعض الصحف الكردية الصادرة في هذه الفترة بأنه توجد علاقات جيدة بين الأكراد و بعض الجنرالات الفرنسيين, مثلا في مجلة روناهي العدد /1/ الصادر في 1 نيسان 1942, يقول المحرر بأن الكومندان سافي يحب الأكراد و خبير في شؤونهم و أن أكراد الجزيرة يحبونه. و في العدد /2/ من نفس المجلة الصادر في 1 آيار 1942, يمدح المحرر الجنرال كولي.                    

47- النهج, العدد /1/ كانون الثاني 1981, ص 97 .

48- دراسات اشتراكية, العدد المذكور ص 102-106.

48 مكرر- فرج نمر, الأكراد تحت الانتداب الفرنسي, الجزء الثالث, صوت كوردستان,العدد 29 لعام 1996

49- أوصمان صبري مقال منشور باللغة الكردي في العدد /18/ من مجلة روناهي الصادر في 1 أيلول 1943.

 
 
 

 

جميع حقوق الطبع محفوظة لدى كردستانا بنخَتي                      ©  ***     ©                       Çapkirin ji Hiqûqê Kurdistanabinxeteye

 

الرجوع ×××

الأرشيف السياسي

 Kurdistana Binxetê

    كردستان سوريا  

 Syrische Kurdistan