|
دراسة تاريخية: الاشتراكية العربية في الأراضي الكردية-4-
خالد عيســى
لم تستطع السلطات العربية في دمشق الدفاع عن الأراضي السورية في
الجولان, لكنها استطاعت الاستيلاء على قسم كبير من أراضي الكرد.
وجردت قسماَ منهم من الجنسية السورية, وحولت حياتهم إلى جحيم في
ديارهم.
فلكي تغطي على انهزامها أمام الجيوش الاسرائيل ، شددت القيادة
البعثية في سورية من لهجتها العروبية و اليساروية . ففي الخارج
قاطعت الدول العربية الغنية بحجة أنها لم تساندها بالحد اللازم, و
في الداخل شددت قبضتها على كل مفاصل الحياة، فأصبحت السلطة منعزلة
عربيا و داخلياَ .
ولامتصاص نقمة الجماهير السورية على انهزام السلطة البعثية في
حزيران 1967، تبنت السلطات العربية البعثية في سورية سياسة أكثر
عنصرية و أشد فتكاَ بالأكراد و دوماَ باسم الاشتراكية العربية و
تحت الغطاء النظري المستمد من كتابات جمال الدين الأتاسي واضع شعار
امة عربية واحدة ذات رسالة خالدة والأمين العام السابق لحزب
الاتحاد الاشتراكي العربي ا(لبعثي السابق و الناصري اللاحق), و
ياسين الحافظ كاتب –من المنطلقات النظرية لحزب البعث والمرجع
النظري لحزب العمال الثوري - (الماركسي - البعثي –الماركسي),
ورمضان عبيد صاحب كتاب الاشتراكية العربية(مدير ناحية عامودة
سابقاَ) وغيرهم ممن ساهمت نظرياتهم في تبرير سياسة إقصاء الكرد عن
الحياة السياسية والثقافية وإضعافهم اقتصادياَ, والتي أدت زرع
الحقد والكراهية بين السوريين, وزعزعت الوحدة الوطنية في سورية .
وهكذا دخل مخطط محمد طلب هلال المعادي للكرد - رئيس الشعبة
السياسية في القامشلي سابقاَ ووزير التموين ونائب رئيس مجلس
الوزراء فيما بعد (القابع حالياَ في حوران) مرحلة جديدة من مراحل
تنفيذه .
ففي نهاية الستينات كانت أغلبية عمليات الاستيلاء قد انتهت في
الأراضي الكردية. وعمليات الاستيلاء تلك, وحرمان أغلبية الفلاحين
الكرد الفقراء من الانتفاع بها خلفت نتائج ومواقف مختلفة لدى مختلف
مكونات الشعب الكردي وشرائحه الاجتماعية وتياراته السياسية. ولازال
هذا الموضوع بحاجة الى دراسات وتوضيحات, من قبل المتخصصين من الكرد
والمتنورين من أبناء شركاء الكرد في الوطن السوري. ولقلة الوثائق
المتوفرة فإننا نعتمد في هذه الفقرة على الذاكرة. فمن وجد من خطئ
فليصحح مشكوراَ.
سادساَ: الموقف الكردي من الاستيلاء
لقد استطاعت السلطات العربية تنفيذ عمليات الاستيلاء وبناء مزارع
الدولة في الأراضي الكردية. وذلك بسهولة كبيرة. فالحماية السوفيتية
للسلطة العربية السورية. وسيطرة عسكر حزب البعث العروبي(الاشتراكي)
على السلطة المركزية, وضعف الحركة السياسية الكردية بعد انشقاق
البارتي, هذه العوامل وغيرها سهلت الطريق أمام الزحف العربي (المقدس)
والاشتراكية العربية في الأراضي الكردية.
1--موقف الفلاحين الكرد:
كانت أغلبية الأكراد من الفلاحين (غير ملاكين), و كان هؤلاء
الفلاحون يكسبون عيشهم من العمل في أراض الملاكين أو المتصرفين,
فعندما استولت الدولة على الأراضي, جردت بذلك الفلاحين من مصدر
معيشتهم, و لم يتضرر المالكون أو المتصرفون ( في الأراضي الأميرية)
بنسبة ما تضرر الفلاح الكردي, و خاصة أن عمليات الاستيلاء لم تشمل
كل حيازات الملاّكين, بل تركت لهم من الأرض ما يحافظون به على
تفوقهم الاجتماعي في الريف.
بعد الاستيلاء, انتفعت أقلية من الأكراد (السوريين) من توزيع
الأراضي, و خاصة في منطقة الاستقرار الثالثة (قليلة الخصوبة) بعيدا
عن مناطق سكناهم. أما المجردون من الجنسية, فليس لهم الحق في
الانتفاع من الأراضي, لذا, و خاصة بعد دخول التقنية الحديثة في
الزراعة, تحول أغلب الفلاحين الأكراد إلى عمال زراعيين, أو توجب
عليهم ترك النساء و الأولاد و الشيوخ في القرية, والهجرة إلى المدن
الكردية أو بقية المدن السورية, ليعملوا فيها كعمال أو حرفيين أو
مقاولين صغار, أو مهربين عبر الحدود التي قلما احترمها الأكراد
(22).
حدثت عدة مقاومات فلاحيه أثناء عمليات الاستيلاء على الأراضي, عبّر
فيها الفلاحون الكرد عن رفضهم لتسليم الأراضي التي يستثمرونها الى
دوائر الاستيلاء, و فيما بعد إلى مسؤولي مزارع الدولة.
فمقاومة فلاحي قرية علي فرو, الواقعة بين عامودا و القامشلي, على
أوامر السلطات أصبحت مبعث قلق عام لدى المسؤولين في بداية الأمر,
إذ رفض الفلاحون في هذه القرية التخلي عن الأرض التي كانت بحيازتهم,
و منعوا آليات الدولة من العمل, مما أدى إلى تدخل قوات الأمن
لردعهم, و قام رجال الأمن بارهاب القرويين عن طريق اطلاق عيارات
نارية في الهواء, الأمر الذي أثار سخط فلاحي القرى المجاورة الذين
ناصروا فلاحي قرية علي فرو, و هؤلاء بدورهم تشجعوا للاشتباك المسلح
مع قوى الأمن.
تحركت وحدات مدرعة باتجاه مدينة القامشلي وتمركزت في جنوب المدينة
(بقرب المطار) تحسباَ من انتشار المقاومة الكردية. انطلقت نحو قرية
علي فرو قوات الأمن المعززة بقوات الجيش التابع لفروع المخابرات
ولقيادة موقع القامشلي, واستطاعت هذه القوات أن تفرض الحصار على
القرية لمدة أسبوع, فاضطر القرويون الاستسلام بعد أن جرح العديد
منهم, فدمرت السلطات أغلب منازل القرية و اعتقلت القرويين,
وهجّرتهم إلى أحدى ضواحي القامشلي (23).
و في منطقة رأس العين, بدت أيضا مظاهر من المقاومة الفلاحية, وخاصة
في قرية الزيدية, حيث جرح الفلاحون رئيس مخفر أبوراسين و عددا من
عناصر الشرطة الذين كانوا في مهمة انذار الفلاحين الأكراد بالتخلي
عن الأرض, و بضرورة عدم التعرض للمنتفعين العرب الذين سيحلون محلهم.
ومن المعروف تاريخياَ أن قرية الزيدية كانت من المواقع العسكرية
الكردية أثناء مقاومة عشيرة الكيكان لغزو عشيرة البكارة العربية في
القطاع الجنوبي الغربي من منطقة الكيكيان الكردية.
على أثر ذلك, استنفرت قوات الأمن في منطقة رأس العين وطوقت القرية
, وأقامت الحواجز على الطرق المؤدية إليها (غرباَ عند قرية صندوقلي,
وجنوباَ باتجاه قرية فتح الله), و استطاعت القوات العربية السورية
اعتقال /18/ فلاحا كردية من بينهم امرأة كردية في خريف عمرعا. و
اقتيدوا جميعاَ مخفورين إلى سجن رأس العين, حيث ضربوا و أهينوا,
ومن ثم تمت محاكمتهم أمام القضاء العسكري في دير الزور. و لكن
اضطرت السلطات إلى الإفراج عنهم تدريجيا و ذلك تحت ضغط السكان (إذ
رافق موكب المعتقلين كثير من وجهاء منطقة الكيكان الكردية مما شكل
ضغطاَ على السلطات العربية) وتدخل في هذه الأحداث بعض المسؤولين
المحليين للحزب الشيوعي السوري, الذي كان يريد إثبات وقوفه إلى
جانب الفلاحين, و كسب ولائهم.
وكان من بين الذين شاركوا بفعالية في أعمال المقاومة وتم توقيفهم
من قبل القوات الأجهزة الأمنية التي هاجمت القرويين هم :الأستاذ
عبد المجيد حسين حاج درويش (الذي كان على صلة وثيقة بالسياسي
الكردي اوصمان صبري قبيل وأثناء تأسيس البارتي ,إلا أنه بقي
شيوعياَ على حد علمنا), والملا إبراهيم الذي كان يتكلم بجدارة باسم
فلاحي القرية, والسيدة الكردية الشجاعة وزيرة (أم حسين) التي كانت
قد بادرت بضرب راس رئيس مخفر أبو راسين الذي كان يدير العمليات ضد
الفلاحين الغزل دفاعاَ عن شباب القرية.
و تجدر الإشارة إلى أن السلطات السورية كانت تستغل أعضاء و أنصار
الحزب الشيوعي السوري, وتعتمد عليهم في تبرير تنفيذ مخططاتها (الاشتراكية),
مدعية بأن منشآت مزارع الدولة ما هي إلا نماذج عن السوفخوزات و
الكولخوزات السوفيتية. الا أن الوحدة القومية ووحدة القضية كانت
تتغلب أحيانا على التنظيرات المستوردةَ. وهكذا كان الملا الكردي
يلتقي مع الشيوعي الكردي العلماني, بل كانت هناك حالات من التضامن
بين الفلاحين والملاكين, كل ذلك لأن السلطات العروبية البعثية لم
تكن تميز بين كردي وكردي سوى بمدى تعامله مع الأجهزة الأمنية
المكلفة بتطبيق السياسات العنصرية بحق الشعب الكردي.
2- موقف التنظيمات الكردية:
بعد انشقاق الحزب الديمقراطي الكردي في سورية إلى تنظيمين (يسار-
موال لقيادة الزعيم ملا مصطفى البرزاني, و يمين – موال للسياسي
الكردي جلال الطالباني) وذلك في أب 1965, حاول الزعيم الكردي الملا
مصطفى البرزاني أن يصالح و يوفق بين أقطاب التنظيمين لتوحيدهما. و
من أجل هذا الغرض, شكل لجنة من بعض الوجهاء الأكراد, كان دور
الملاكين العقاريين راجحاَ بينهم, إضافة إلى بعض رجال الدين (الملالي).
لم تتمكن هذه اللجنة من تحقيق الهدف الذي كانت قد تشكلت من أجله.
فلجأ البرزاني إلى تنظيم مؤتمر وطني للمصالحة في 26 آب 1970, في
ناوبردان, الواقعة في كردستان العراقية, لكن لم يتمكن الزعيم
الكردي من التوفيق بين المنشقين.
و ذهب كل فريق, بعد المؤتمر, في طريقه الخاص, وبالتالي أصبحت لجنة
المصالحة, هي أيضا, منظمة سياسية وبدأت بنشاطاتها السياسية تحت اسم
(القيادة المرحلية), عرفت عند الأكراد بالحياد. و منذئذ, أصبحت
الحركة السياسية الكردية في سورية منقسمة إلى ثلاثة منظمات.
فالحزب الديمقراطي الكردي في سورية (اليمين), كان يعتبر مزارع
الدولة من حيث المبدأ تجربة تقدمية و كان يستمد موقفه من موقف
الحزب الشيوعي السوري, الذي كان ربما ينصحه بعدم الدخول في معارضة
مفتوحة مع النظام الذي كان ينال على تأييد السوفييت. ولربما كان
قادة هذا الحزب الكردي ياملون من السلطات المركزية الحد الأدنى من
الإنسانية والعقلانية بالتعامل مع السوريين الكرد عن طريق الحوار.
فكانت العقلية السياسية لدى قادة هذا التنظيم متقدمة كثيراَ على
العقلية العنصرية و الاقصائية لدى العرب المتنفذين في دمشق. و لم
يتوقف, بدون جدوى, هذا الحزب عن الاستمرار في مطالبته بالحقوق
القومية و الثقافية لـ (الأقلية الكردية) في سورية.
وكان موقف الحزب الديمقراطي الكردي اليساري في سورية أكثر وضوحا في
مواجهة مشروع الحكومة التعريبي, حيث وقف هذا التنظيم ضد إنشاء
مزارع الدولة على حساب الفلاحين الأكراد و حرمانهم من الأرض. و
طالب بتطبيق صحيح للإصلاح الزراعي, أي أن هذا الحزب لم يرفض أيضاَ
الإصلاح الزراعي من حيث المبدأ.
أما القيادة المرحلية, وهي بالأساس ممثلة للملاكين العقاريين و
رجال الدين, كانت تعتمد في نشاطها على الشعبية التي تمتع بها
الزعيم القومي ملا مصطفى البرزاني, وقفت هذه المنظمة بشدة ضد إنشاء
مزارع الدولة في المناطق الكردية.
لكن لضعف مراكز القوى الكردية, السياسية والإدارية والاقتصادية,
فضلاَ عن تضعضع المؤسسات العشائرية والدينية, في الظروف
الكردستانية والإقليمية والدولية في تلك المرحلة, , لم تتمكن
الحركة الكردية بمختلف اتجاهاتها من قيادة مقاومة فعّالة ضد
المشاريع والسياسات العنصرية للسلطات العربية السورية في المناطق
الكردية.
كانت السلطات السورية لا تهتم بأي تصنيف للتنظيمات السياسية
الكردية,فبالنسبة لها كل الأكراد هم من (البارتي) ويتكلمون لغة
خاصة بهم, و الكل يتبع الملا مصطفى البرزاني, ويريدون جميعهم إقامة
دولة كردية. اذاَ. توجب توقيف كل من ضبطت في حوزته كتابات كردية, و
اقتضى منع أية تظاهرة قومية عند الأكراد. فبدأت حملة الاعتقالات
تتجدد, و خاصة في صفوف (اليسار) و القيادة المرحلية, و بدرجة أقل
في صفوف (اليمين), و قد يكون ذلك لأن هذا التنظيم الأخير, كان
يعارض سياسة القيادة البرزانية (24).
وكانت السياسة المعلنة للسلطات العربية السورية هي المعاداة
للعشائرية كرمز من رموز الرجعية. في حين كانت الغاية السياسية في
معاداة العشائرية في المناطق الكردية هي ضرب المرتكزات الاقتصادية
للمجتمع الكردي وزعزعة التماسك الاجتماعي في المناطق الكردية,
ولاسيما كان أغلب وجهاء عشائر الكرد من الوطنيين. وهكذا عملت
السلطات العربية السورية بتطبيق الاشتراكية إضعاف الوطنيين الكرد
من الملاكين العقاريين, بعد أن كانت قد تمكنت من إبعاد الكرد
وإقصائهم من مراكز القرار السياسي.
يتبع
الملاحظات والهوامــش:
22-لا يعتبر الكردي المتاجرة عبر الحدود التركية-السورية تهريباَ,
بل يعتبرها امتدادا طبيعيا للعلاقات الاقتصادية في الوطن الواحد,
لأن هذه الحدود هي من وضع الأجنبي, و الأكراد في حياتهم اليومية,
لا يذكرون اسم سورية و تركية, بل يقولون فوق الخط (لتركية) وتحت
الخط (لسورية). و يقتل و يجرح في كل عام العديد من الأكراد على
سورية, سواء برصاص الأمن السوري أو الجنود الأتراك أو بالألغام
المزروعة على الحدود.
23-التقرير السياسي المقر في المؤتمر الثالث للحزب الشيوعي السوري
يبيّن بأن أحد القرويين عولج في مشافي الاتحاد السوفيتي.
24- لكن لم تفلت, بشكل أو بآخر, أية فئة كردية من اضطهاد السلطات
العربية السورية.
|