الدستور السوري
 

 
 

تقرير  ....مركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية

قـراءة في الدســـتور الســـوري

بقلم : جـان حبـش*

أولاً :  مقدمة (( تعريف الدستور ))

للدستور تعاريف عديدة يمكن أن نستخلص منها التعريف التالي :

هو القانون الأساسي الذي يحدد الشكل العام للدولة وينظم قواعد الحكم ويوزع السلطات ويبين اختصاص كل منها , ويبين واجبات وحقوق مواطنيها .

وكلمة دستور فارسية المنبت وتعني القاعدة التي يعمل بمقتضاها , كما تعني الدفتر الذي تجمع فيه قوانين الملك وضوابطه [i][1].

ويجب أن يكون للدستور وضعاً مميزاً عن باقي القوانين , حيث يجب أن يكون بمنأى عن خطر الأهواء والفورات الوقتية .

وكافة القوانين الأخرى التي تصدر يجب أن تخضع للقاعدة الدستورية , أي أن لا تتعارض مع الدستور , وكل قانون يتعارض معه يجب الحكم بإبطاله .

ثانياً : تاريخ القوانين والدسـاتير

 1 ـ في الشرق القديم :

منذ ظهور التجمعات البشرية الأولى وتوزيع العمل , ظهرت أعراف وتقاليد تنظم العلاقات بين أفراد هذه التجمعات , وقد تطورت تلك التقاليد لتصبح قوانين وشرائع مع تطور المجتمعات وظهور المدن والممالك القديمة .

وقد اكتشف علماء الآثار الكثير من القوانين المكتوبة في مناطق الشرق القديم , تعود إلى مراحل وحضارات تاريخية مختلفة , من بابلية حثية أكادية عبرية ... الخ , يعود أقدمها إلى عام  2360 ق.م  .

إلا أن قوانين حمورابي ملك بابل الذي حكم من عام 1792 إلى عام 1750 ق.م , تعتبر أول مجموعة شاملة من النصوص القانونية التي تم اكتشافها .

(( وتشكل شرائع الشرق القديم أول شرائع مكتوبة في تاريخ البشرية , وضعت لتنظم العلاقات بين الأفراد على أساس من العدل والمساواة , كما تعتبر الهيئات القضائية وتنظيماتها في حواضر الشرق القديم , أول محاولة لتنظيم المؤسسات الحقوقية في مجتمع المدينة الذي أخذ شكله الأول في هذه المنطقة )) [ii][2].

رغم تعرض تلك الشرائع لكثير من جوانب الحياة الاجتماعية آنذاك , وتنظيمها لبعض جوانب أعمال القضاة والقادة الإداريين , إلا أنها لم تتعرض إلى أشكال الحكم وصلاحيات الحكام الذين كانوا يعتبرون آلهة أو من طبيعة إلهية , وهذا ما نجده لدى فراعنة مصر , وملوك الهند والصين واليابان وكذلك لدى الرومان واليونان في بعض العصور القديمة .

يقول حمورابي في مقدمة شريعته قبل أكثر من 3750 عام ( وكأنه ينطق بلسان حال الكثير من الحكام في تاريخنا وواقعنا ) :

(( أنا حمورابي الراعي .. أنا الملك ذو السطوة .. أنا الجبار .. أنا الظل الحامي للأرض .. أنا من يمسك برقاب الأعداء .. أنا الحاكم المستغرق في الحكمة , المتحمل لمسؤولية الحكم .. أنا حامي الشعب من الفناء .. أنا الأول بين الملوك .. أنا راعي الشعب .. أنا من ينير درب الحقيقة ويرشد الشعب إلى جادة الصواب .. أنا مذل العصاة .. أنا الملك الذي طيع أركان العالم الأربع .. قمت بإحقاق الحق و   العدل في أرجاء الأرض وقمت بإسعاد الشعب .. )) [iii][3].

ومع تطور المجتمعات الشرقية , ونشوء الدول والممالك والإمبراطوريات القديمة تطورت القوانين , وبدأت تتطرق إلى بعض جوانب الحكم وأشـكاله , خاصة في بلاد فارس أثناء حكم دارا ( 521 ـ 486 ق.م ) ذلك الملك الذي (( تمكن من بسط سيطرته على إمبراطورية شاسعة , صارت تخضع لسيد واحد , وتتبع إدارة مركزية واحدة , وتنتشر فيها ديانة رسمية واحدة هي الزرادشتية ولغة مشتركة هي الآرامية )) [iv][4].

 2 ـ في اليونان :

أما في اليونان القديمة حيث كان المجتمع أكثر تطورا , عرفت بعض المدن اليونانية أنظمة حكم متطورة , يذكر د. محمد كامل عياد في كتابه        ( تاريخ اليونان ) أنه منذ سنة 681 ق.م  كان يقوم على حكومة أثينا ثلاثة رؤساء هم الحاكم , الملك , والقائد , وكانوا يتوزعون مهام الحكم , ثم أضيف إليهم ستة مشرعين عهد إليهم كما يقول أرسطو (( تسجيل الأحكام والمقررات التي لها صفة قانونية وحفظها حتى يرجع إليها في فصل الاختلافات )) . وبعد فترة تألف من هؤلاء مجلس الحكام التسعة الذي كان يدير شؤون الحكومة , كان هؤلاء الحكام بعد انقضاء مدة عملهم يصبحون بصورة آلية أعضاء في مجلس الشيوخ الذي يقوم بالمحافظة على القوانين وإدارة شؤون الدولة , ويتولى انتخاب الرؤساء الثلاثة وباقي الموظفين [v][5].

ويذكر أرسطو أنه تم تدوين القوانين لأول مرة في عهد ( أذراكن ) حوالي 620 ق.م . إلا أن أول دستور فعلي كان الدستور الذي وضع من قبل  ( صولون ) الذي انتخب حاكما على أثينا عام ( 592 ق.م ) والذي يمكن التوقف عنده بشيء من التفصيل :

حينما أنتخب صولون الحكيم والشاعر حاكما على أثينا قام باتخاذ الإجراءات التالية :

1ـ بدأ بإعلان العفو العام لتصفية آثار الماضي .

2ـ سمح للمنفيين بالرجوع إلى وطنهم وأعاد إليهم الحقوق المدنية ( عدا المحكومين بجرائم القتل ) .

3ـ ألغى جميع الديون , سواء كانت للأفراد أم للدولة , وأعاد الأملاك المرهونة إلى أصحابها , وحرر الأفراد الذين كانوا قد أصبحوا أقنانا مرتبطين بالأرض بسبب عجزهم عن دفع ديونهم . وأصدر قانونا يحرم استعباد أي شخص في المستقبل مقابل دين يعجز عن تسديده .

4ـ قام بإصلاحات اقتصادية وضريبية واسعة حيث قسم المجتمع إلي أربع طبقات حسب الدخل وفرض الضريبة وفق ذلك .

5ـ أوجد مجلس الأربعمائة الذي ينتخب من قبل القبائل الأربع في أثينا ( لكل قبيلة 100 ) ومهمة هذا المجلس هي تهيئة المشاريع التي يجب عرضها على مجلس الشيوخ .

6ـ قام بإحياء مجلس الشعب الذي يشترك جميع المواطنين في مناقشاته , وعهد إليه مهمة انتقاء الحكام حيث كانوا ينتخبون سابقا من قبل مجلس الشيوخ . وكان جميع الموظفين مسؤولين تجاه هذا المجلس الذي يستطيع معاقبة أي موظف , ويحق له أن يحاسب الحكام والقواد عند انتهاء مدة عملهم , وأن يحرمهم من أن يصبحوا أعضاء في مجلس الشيوخ .

7ـ أسس مجلس المحلفين الذي يتألف من ستة آلاف عضو , ينتقون بالقرعة من جميع الطبقات والذي ينقسم إلى محاكم متعددة تنظر في جميع القضايا عدا حوادث القتل . ويحق لهذا المجلس أن ينظر في كل اعتراض على أي عمل من أعمال الموظفين .

وقد نقشت شرائع صولون على لوحات مثلثة تدور على محور وتم وضعها في الرواق الملكي حيث كان يجلس الحاكم والملك للقضاء وأقسموا جميعاً بأن يتقيدوا بها [vi][6].

وهكذا أصبحت إدارة الدولة منذ ذلك الوقت خاضعة لقوانين مكتوبة ثابتة , بعد أن كانت بسير حسب أوامر وقرارات ارتجالية .

في سنة 572 ق. م اعتزل صولون منصب الحاكم بعد تقلده لمدة ( 22 عاما ) , وقد سئل صولون مرة : كيف تكون الحكومة الصالحة ؟ فأجاب : عندما يطيع الشعب حكامه ويطيع الحكام القوانين  [vii][7].

بعد حوالي 250 عاما ً من اعتزال صولون نجد في دستور أثينا في عهد أرسطو تطوراً كبيراً , حيث أصبح الدستور شاملاً لجميع جوانب الحياة والحكم و الإدارة والقضاء , كما يتضح من العناوين التالية الواردة في دستور أثينا لأرسطو :

بعض صلاحيات الحكام ـ صلاحيات رئيس المجلس ـ صلاحيات مجلس الشيوخ ـ الشؤون المالية ـ المحصلون والمحاسبون ـ الخيالة ـ سلطات الأمن ورقابة الأسواق ـ وكلاء الأسواق والتموين ـ صلاحيات الأحد عشر وقضاة الصلح ـ القضاة الأربعون والمحكمون ـ الحكام التسعة ـ الحاكم الأول ـ الملك ـ قائد الحرب ـ المشرعون ـ مد راء الألعاب ـ قادة الجيش ـ رواتب السلطات ـ محافل القضاة ـ تعيين رؤساء المحاكم ـ جلسات المرافعة ـ جلسة الاقتراع ـ فرز الأصوات وأخذ الراتب .

مع العلم أن ( دستور الأثينيين ) هو الدستور الوحيد الذي وصلنا من أصل 158 دستور يقال أن أرسطو وضعها عن دول الإغريق [viii][8] .

وهكذا وضع اليونانيون أسس الديمقراطية التي تعتبر أن الشعب هو مصدر السلطات , والحكام مسؤولون أمام الشعب , وأصبحت أثينا رمزاً للدولة الديمقراطية .

ويجب الانتباه إلى أن تلك الديمقراطية كانت تنسجم مع واقع المجتمع اليوناني آنذاك , حيث كانت تفتقر إلى المساواة , فإضافة إلى العبيد  كان الأحرار في المجتمع الأثيني ينقسمون إلى أربع طبقات حسب دخلهم السنوي , وكانت الوظائف توزع على الأفراد حسب انتماءهم إلى إحدى الطبقات .

 3  ـ في روما :

كما عرف المجتمع الروماني أيضاً تطوراً كبيراُ في إطار الحياة السياسية , حيث عرفت الدولة الرومانية الكثير من المجالس والهيئات التي تنظم حياة الناس مثل : مجالس العشرة , مجالس المائة , الجمعية القبلية , ومجلس الشيوخ الذي كان يعتبر صاحب أعلى سلطة في روما .

يذكر ( ول ديورانت ) في ( قصة الحضارة ) أن مجالس المائة  كانت تختار كبار الحكام , وتنظر في الإجراءات التي يعرضها عليها الموظفون أو مجلس الشيوخ فتجيزها أو ترفضها , وتنظر فيما يرفع إليها من استئناف للأحكام التي يصدرها كبار الحكام . ويذكر أيضاً أن الجمعية القبلية التي اعترف مجلس الشيوخ بحقوقها التشريعية عام ( 287 ق. م ) أصبحت هي مصدر الشرائع الخاصة في روما منذ عام ( 200 ق. م ) [ix][9].

 4 ـ في المجتمعات الدينية :

كان لظهور الديانات التوحيدية وانتشارها أثراً مزدوجاً على الحياة السياسية في المجتمعات . فمن ناحية كان لها أثراُ إيجابيا على تشكيل الدولة وتطويرها تاريخياً , ولكنها من ناحية أخرى كرّست المرجعية الإلهية للسلطة حيث أعطت صلاحيات مطلقة للحاكم الذي يحكم مدى الحياة بمقتضى أمر الهي ولا يسأل إلا أمام الله .

تذكر كتب التاريخ الإسلامي عن عثمان بن عفان أنه حينما ساءت أحوال الناس في عهده وجاءه بعضهم يطالبونه بالتنحي عن الخلافة أجابهم بقوله الشهير : (( والله لا أنزع ثوباً سربلنيه الله )) [x][10].

وجاء في خطبة للخليفة العباسي المنصور : (( أيها الناس , إنما أنا سلطان الله في أرضه , أسوسكم بتوفيقه وتسديده وتأييده , وحارسه على ماله , أعمل فيه بمشيئته وإرادته وأعطيه بإذنه , فقد جعلني الله عليه قفلاً  , إن شاء أن يفتحني فتحني لإعطائكم وقسم أرزاقكم , وإن شاء أن يقفلني عليها قفلني .. )) [xi][11].

وجاء في مذكرات لويس الرابع عشر (( السلطة المخولة للملوك هي بتفويض من العناية الإلهية , فالله ــ لا الشعب ــ هو مصدر السلطة   ولا يسأل الملوك عن مباشرة سلطتهم إلا أمام الله الذي خولهم إياها )) [xii][12].

وأعلن غليوم الثاني إمبراطور ألمانيا سنة 1926 : (( إن الملك يحكم بمقتضى حق الهي , فلا يسأل إلا أمام الله )) .

ومن المعروف أن سيطرة الكنيسة على مقاليد الأمور في أوروبا أنتجت عصور الانحطاط , ولم تبدأ النهضة الأوربية إلا بعد البدء بالإصلاح الديني في القرن الخامس عشر .

 5  ـ في العصور الأوربية الحديثة :

عرفت العصور الأوربية الحديثة تطوراً كبيراً في مختلف مجالات الحياة العلمية , الاقتصادية , الاجتماعية , الدينية , والفكرية , والتي انعكست بالنتيجة على مجال الحياة السياسية .

حيث كان ظهور الآلة ودخولها إلى الصناعة , وما أدت إليه من تطور اقتصادي كبير ونشوء البرجوازية الأوربية وتطورها وصراعها مع الإقطاع , والإصلاح الديني المرافق لهذا الصراع . كل هذا أدى إلى تعزيز أسس العلمنة والعقلانية في المجتمع الأوروبي بعد الصراع الطويل مع الكنيسة وتحييدها .

هذه التطورات رافقها تطور تاريخي في الوعي الأوربي , بدأ بالقرن الرابع عشر مع عصر الإحياء , حيث تم البدء بعملية إحياء التراث الأوربي القديم وضمناً التجارب والإنجازات الديمقراطية اليونانية والرومانية . ثم عصر الإصلاح الديني في القرن الخامس عشر , وعصر النهضة في القرن السادس عشر , وعصر العقلانية في القرن السابع عشر , وعصر التنوير في القرن الثامن عشر ...الخ [xiii][13]. وعلى الصعيد الفكري نلاحظ التطور المتلاحق لنظرة المفكرين الأوربيين إلى مواضيع السلطة السياسية , وأشكال الحكم وصلاحيات الحكام ودور الشعب ...الخ .

فلدى توماس هوبز الفيلسوف الإنكليزي , نلاحظ تحول الحكم المطلق من طابعه الإلهي الطبيعي إلى الطابع الاصطناعي القائم على التعاقد , حيث يتعاقد الناس الذين كانوا يعيشون في حالة الفطرة المساوية لحالة الفوضى والاضطراب , فيما بينهم بتنازلهم عي كامل حقوقهم لحاكم ذو سلطة مطلقة ( اله اصطناعي ) .

بالرغم من اتهام هوبز بصياغة نظريته على نحو يرسخ الحكم المطلق والاستبداد والتعسف , نتيجة ارتباطه الوثيق بالأسرة المالكة في إنكلترا وصداقته للملك شارل الثاني , إلا أن نظريته كانت على المسـتوى الفكري خطوة كبيرة وهامة , فتحت المجال أمام العمل على تقييد صلاحيات الحكام لاحقاً , وذلك بإنزال مصدر السلطة من السماء إلى الأرض .

أما جون لوك فيرى أن الناس الذين كانوا أحرارا متساوين في حالة الفطرة وفق القانون الطبيعي , تنازلوا عن جزء من حقوقهم للحاكم وفق عقد أو دستور , تصبح فيه السلطة وديعة لدى الحاكم , يؤتمن عليها لمصلحة الشعب الذي يحق له سحبها منه وإيداعها لدى حاكم آخر .

أما لدى جان جاك روسو فالفرد يتنازل في العقد الاجتماعي عن كامل حقوقه للمجتمع ليكسبها حقوقاً وحرياتاً مدنية , عن طريق المساهمة في تكوين الإرادة العامة , فالشعب هو مصدر السيادة ومالكها , والسـيادة تكمن في الإرادة الشـعبية . يقول روسـو : (( المجتمع السياسي ما هو إلا عقد حقيقي بين الشعب والحكام الذين يختارهم , عقد يلتزم كلا طرفيه بالخضوع للقوانين التي نص عليها , والتي تشكل رباط اتحادهم )) [xiv][14].

كان لنظرية العقد الاجتماعي , والتي تعتبر من المصادر الفكرية الأساسية للمذهب الفردي الحر , تأثير فعال في فكر رجال الثورة الفرنسية , والذي انعكس لاحقاً بالدساتير الصادرة التي قامت على أساس حرية الفرد .

وقد ظهرت أول وثيقة دســتورية هامة في فرنســـا في عام الثورة الفرنسـيـة 1789 , وأقرتها الجمعية التأسـيســية وعرفت باسـم (( إعلان حقوق الإنسان والمواطن )) ثم أقرت الجمعية أول دستور بالمعنى المتعارف عليه عام 1791 .

أما في إنكلترا فتعود أول وثيقة دستورية إلى عام 1215 وهي العهد الأعظم (magna charta) التي قيدت بعض تصرفات الملك .

إلا أن أول دستور بالمعنى الحديث للكلمة ـ حسب رأي غالبية الفقهاء الدستوريين ـ هو دستور الولايات المتحدة الأمريكية عام 1776  وهو دستور الكونفدرالية , ثم دستور الفدرالية الذي وضع عام 1787 . [xv][15]

إن التطورات في مختلف مجالات الحياة الأوربية قد انعكست على المجال السياسي بتطوير أشكال الحكم وترسيخ الديمقراطية الليبرالية بعد نضال طويل وثورات عديدة , قدم فيها الشعب الأوربي الكثير من التضحيات .

يقول الصادق النيهوم : (( في هذا العصر ظهرت صيغة الإدارة الجماعية القائمة على تبادل المصلحة ديمقراطيا بين الأغنياء أصحاب رأس المال وبين الفقراء أصحاب اليد العاملة . وهي صيغة قامت على استبعاد الجيش والمؤسسة الدينية من حلبة الصراع على السلطة لأول مرة في تاريخ الدولة , لأنها ولدت أصلا بعد هزيمة الجيوش المأجورة في إقطاعيات أوروبا على أيدي شعوبها المسلحة , وبعد سقوط الكنيسة على أيدي البروتستانت , إنها صيغة شرعية كسبها الأوربيون الغربيون بعرق جبينهم مثل الرزق الحلال )) .[xvi][16]

وتتميز الديمقراطية الغربية بخصائص عديدة , تم ترسيخها في الدساتير الغربية , أهمها أيمانها بالفرد الإنسان , وتقديس حرياته العامة ومساواة الأفراد أمام القانون , والفصل بين السلطات,  واعتماد النظام التمثيلي حيث يفوض الشعب ممارسة السيادة إلى مجلس منتخب بالاقتراع العام لمدة محددة .

وتعتبر سيادة القانون أو مساواة الناس أمام القانون هي أحد أهم مرتكزات نشوء الأمة وتحولها إلى دولة قومية , يعتبر الدكتور برهان غليون أن الأصل في تكوين الأمم وتضامن أفرادها فيما بينهم , هو خضوعهم لقانون واحد , وأن جوهر الأمة الحديثة يكمن في وجود قانون المساواة الشاملة والكلية بين جميع أعضاءها , أي في توحيد أوضاع جميع الناس الخاضعين لسلطة دولة واحدة بصرف النظر عن أصولهم الدينية أو العرقية أو الطبقية أو الجنسية أمام القانون الواحد .[xvii][17]

  6 ـ في الأنظمة الاشتراكية :

في روسيا تم منح أول دستور في عام 1906 في فترة القيصر نيقولا الثاني , تحت ضغط الحركات الشعبية في أعقاب هزيمة جيوشه أمام اليابان , وتم بموجب هذا الدستور انتخاب أول مجلس نيابي عرف باسم ( الدوما ) .

بعد الثورة البلشفية عام 1917 تم وضع أول دستور في 10|7|1918 والذي أعلن ديكتاتورية البروليتاريا , التي اعتبرت مرحلة انتقالية يتم فيها القضاء على رواسب النظام الرأسمالي , وبناء أسس المجتمع الاشتراكي , تمهيدا للوصول إلى المجتمع الشيوعي , وهي بديل عن ديكتاتورية البرجوازية التي يعتبرها المفكرون الشيوعيون حقيقة الديمقراطية البرجوازية . يقول لينين :

(( إن الجمهورية الديمقراطية والجمعية التأسيسة والانتخابات العامة ..الخ , إن كل هذا هو بالفعل ديكتاتورية البرجوازية , فلأجل تحرير العمل من نير الرأسمال , ليس ثمة وسيلة غير الاستعاضة عن هذه الدكتاتورية بدكتاتورية البروليتاريا . فقط دكتاتورية البروليتاريا بمقدورها أن تحرر الإنسان من نير الرأسمال , من كذب الديمقراطية البرجوازية , الديمقراطية للأغنياء ,  من بهتانها ونفاقها وتقيم الديمقراطية للفقراء , أي أن تضع فعلا خيرات الديمقراطية في متناول الفلاحين والعمال والفقراء )) .[xviii][18]

ويلاحظ في دساتير الاتحاد السوفييتي والدول الاشتراكية , وأيضا في دساتير ما يعرف بالديمقراطيات الشعبية الميزات التالية :

آ ـ إعطاء الأولوية للبنى التحتية , حيث تبدأ تلك الدساتير عادة بتعريف البنى الاقتصادية والاجتماعية , بينما الدساتير الغربية تبدأ بإعلان المبادئ المتعلقة بحقوق الأفراد وحرياتهم .

ب ـ التأكيد على موضوعات الملكية العامة لوسائل الإنتاج والتخطيط الاشتراكي وقيام مؤسسات الدولة على مبدأ المركزية الديمقراطية .

جـ ـ وحدة السلطة حيث لا يوجد تفريق بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية , كما هو الحال عليه في الدساتير الغربية , بل هناك هيئة أو مجلس أعلى يمارس جميع حقوق السيادة .

د ـ هيمنة الحزب الواحد أو الحزب القائد على الحياة السياسية وعلى مقاليد الأمور في الدولة . يرد في المادة 6 من دستور الاتحاد السوفييتي لعام 1977 :

(( القوة القائدة والموجهة للمجتمع السوفييتي ونواة نظامه السياسي ومؤسسات الدولة والمنظمات الاجتماعية هي الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي .. الذي يحدد الأفق العام لتطوير المجتمع وخط السياسة الداخلية والخارجية .. ويقود النشاط البناء العظيم للشعب السوفييتي , ويضفي على نضاله من أجل انتصار الشيوعية طابعا منتظماً ومعللا تعليلا علمياً )) .[xix][19]

ولا بد من التمييز بين دساتير الدول التي اعتمدت مبدأ ديكتاتورية البروليتاريا , حيث يحكم الحزب الواحد وتسود ملكية الدولة لكافة وسائل الإنتاج كالاتحاد السوفييتي , وبين الدول التي اعتمدت في دساتيرها مبدأ الديمقراطية الشعبية التي أبقت على بعض أشكال الملكية الخاصة , واعتمدت مبدأ الحزب القائد الذي يقود جبهة من الأحزاب الأخرى المتحالفة معه مثل يوغسلافيا وألمانيا الديمقراطية وبلغاريا وغيرها في فترات تاريخية معينة .

ويعتبر غياب الديمقراطية السبب الجوهري لانهيار التجارب الاشتراكية , حيث تحولت ديكتاتورية البروليتاريا إلى دكتاتورية الحزب   ولاحقاً إلى دكتاتورية الفرد ( الأمين العام للحزب ) , وأصبحت البيروقراطية المركزية هي الملمح الأساسي لنظام الحكم

ثالثاً : الدســـــــتور الســــــــوري

1ًـ تاريخ الدساتير السورية :

آ ـ في الفترة العثمانية :

في الوقت الذي بدأ فيه عصر النهضة الأوربي , كانت منطقة المشرق وسوريا قد بدأت تتعرض للهيمنة العثمانية , فقد تم الفتح العثماني لسوريا في عهد السلطان سليم الثاني عام 1516 , وجاءت الخلافة العثمانية التي كرّست شكل الحكم المطلق المتوارث ذو الطابع الديني والذي كان يسود منطقة المشرق منذ العصور الإسلامية الأولى .

في القرن التاسع عشر, واستجابة للضغوط الداخلية والخارجية على الدولة العثمانية , اضطر بعض السلاطين لمنح دساتير بدائية أعطت الرعايا بعض الضمانات .

كالدستور الأول الذي منحه السلطان عبد المجيد عام 1839 , وعرف باسم ( خط هامايون كل هانه ) في فترة الحرب مع إبراهيم بن محمد علي باشا , والذي تضمن محاولة تنظيم طرق فرض الضرائب والتجنيد ومنح الرعايا بعض الضمانات العامة .

والدستور الثاني الذي منحه السلطان عبد العزيز عام 1856 ( خط هامايون الثاني ) تحت ضغط الدول الأوربية التي ساعدت تركيا في حرب القرم مع روسيا , والذي قدم ضمانات للرعايا غير المسلمين , وألغى ضريبة الخراج المفروضة عليهم , واستعاض عنها بضريبة ( بدل العسكرية ) .

إلا أن أول دستور عصري عثماني , هو الدستور الذي دشنه السلطان عبد الحميد في عام 1876 في بداية حكمه , والذي تضمن تحويل السلطنة إلى ملكية دستورية ودولة برلمانية , وأحدث مجلس الوزراء المسؤول أمام السلطة التشريعية المؤلفة من مجلسين

 ـ مجلس الأعيان الذي يعين السلطان أعضاءه مدى الحياة .

ـ مجلس المبعوثان أو النواب الذي ينتخب أعضاءه من قبل الشعب لمدة أربع سنوات .

كما أعطى هذا الدستور بعض الضمانات للحريات الشخصية لجميع العثمانيين , ولاستقلال القضاة وعدم عزلهم , كما فرض التعليم الابتدائي الإلزامي .

ولكن السلطان عبد الحميد سرعان ما علق هذا الدستور وعطل مجلس المبعوثان منذ بداية عام 1878 , وساد الدولة العثمانية جو من الإرهاب والاستبداد لمدة ثلاثين عاما , إلى أن خلع عام 1909 على يد حزب الاتحاد والترقي .

وقد انهارت السلطنة العثمانية بخسارة الحرب العالمية الأولى عام 1918 , وسلخت سوريا مع البلدان الأخرى عن تركيا رسمياً بموجب معاهدة سيفر عام 1920 . 

ب ـ في عهد الملك فيصل :

تم تأليف أول حكومة سورية برئاسة رضا باشا الركابي بعد دخول الملك فيصل إلى دمشق أوائل تشرين الأول 1918 , وتم انتخاب المؤتمر السوري الذي بايع فيصل ملكاً على سوريا القديمة ( التي تشمل سوريا , لبنان , الأردن و فلسطين ) , وانبثق عن المؤتمر لجنة مؤلفة من عشرين عضوا برئاسة هاشم الأتاسي , قامت بوضع مشروع دستور مؤلف من 147 مادة , عرضه على المؤتمر الذي أقر عدة مواد في 13 تموز 1920 .

إلا أن ذلك الدستور لم يرى النور , حيث تعطلت أعمال المؤتمر مع دخول الجيش الفرنسي إلى دمشق بقيادة الجنرال غورو في 24 تموز 1920 . ومن أهم النقاط التي تضمنها ذلك المشروع الذي عرف باسم ( دستور الملك فيصل ) :

1ـ شكل الدولة اتحادي وهناك استقلال ذاتي واسع للمقاطعات ( سوريا , لبنان , الأردن وفلسطين ) حيث تدار على أساس الحكم الذاتي , ولكل مقاطعة حاكم عام يعينه الملك ومجلس نيابي وحكومة محلية .

2 ـ نظام الحكم ملكي نيابي ( برلماني ) .

3 ـ السلطة التنفيذية مسؤولة أمام السلطة التشريعية , حيث الحكومة المركزية المسماة بـ (الحكومة العامة للمقاطعات السورية) مسؤولة عن أعمالها أمام المجلس النيابي العام . 

4 ـ السلطة التشريعية هي المؤتمر المؤلف من مجلسين :

 ـ مجلس النواب الذي ينتخب بالاقتراع العام السري وغير المباشر على درجتين .

 ـ مجلس الشيوخ المؤلف من أعضاء نصفهم ينتخبون من قبل نواب المقاطعات , والنصف الثاني يعينهم الملك .

5 ـ ضمان الحريات المدنية والدينية والشخصية بصورة تشبه شرعة حقوق الإنسان والمواطن التي أعلنتها الثورة الفرنسية عام 1789 .[xx][20]

ج ـ في عهد الانتداب :

تضمنت المادة الأولى من صك الانتداب الصادر عن الحلفاء في لندن في 24 تموز 1924 (( إلزام السلطة المنتدبة بأن تضع خلال ثلاث سنوات من بدء الانتداب قانون أساسي لسوريا ولبنان ....الخ )) .[xxi][21]  

وتميزت الفترة الأولى من حكم الفرنسيين بتقسيم سوريا إلى عدة دول تخضع مباشرة للمفوض السامي العسكري .

وبعد تفجر الثورة السورية عام 1925 اضطرت فرنسا إلى تعديل سياستها وبدأ عهد المفوض السامي السياسي .

في عام 1928 جرت أول انتخابات عامة , حيث تم انتخاب الجمعية التأسيسية المؤلفة من 67 عضواً برئاسة هاشم الأتاسي والتي انتخبت بدورها لجنة دستورية مؤلفة من 27 نائبا , فقامت بوضع مشروع دستور , تم عرضه على الجمعية التأسيسية لاقراره , إلا أن المفوض السامي ( بونسو ) عطل أعمال الجمعية التأسيسية بعد رفضها إلغاء بعض مواد المشروع التي لم تعجب الحكومة الفرنسية , ثم قام بحلها نهائيا .

 دستور 1930 :

في أيار 1930 أعلن المفوض السامي دستورا على أساس مشروع الدستور السابق مع بعض التعديلات وإضافة المادة 116 التي أعطت امتيازات كبيرة لسلطة الانتداب .

وفي نفس الوقت أعلن دساتير كل من لبنان , الاسكندرونة , منطقة العلويين , وجبل الدروز .

في عام 1932 جرت انتخابات نيابية بمقتضى الدستور السابق إلا أن المجلس النيابي رفض أن يقسم يمين الإخلاص للدستور بسبب المادة 116 , كما رفض مشروع المعاهدة المقترحة بين فرنسا وسوريا , فقام المفوض السامي بحلّ المجلس وتعطيل الدستور في تشرين الثاني من عام 1932 .

في أواخر عام 1936 جرت انتخابات جديدة للمجلس السوري وأعيد العمل بالدستور وتألفت الحكومة الوطنية الأولى , ولكن وبسبب التدخل الكبير للمفوض السامي في شؤون البلاد , قدم رئيس الجمهورية استقالته إلى المجلس النيابي , فقام المفوض السامي بتعطيل الدستور وحلّ المجلس في 8 تموز 1939 .

في عام 1943 في فترة حكم الجنرال ديغول ونتيجة الظروف الناشئة عن الحرب وضغط الحلفاء , جرت انتخابات نيابية جديدة , وقرر المجلس النيابي إعادة العمل بالدستور بعد إلغاء المادة 116 ( المتضمنة  صلاحيات سلطة الانتداب ) وإدخال منطقة العلويين وجبل الدروز في الدولة السورية .

ومن أهم النقاط التي تضنمها الدستور :[xxii][22]

1ـ يقيم الدستور دولة بسيطة ذات نظام للحكم جمهوري نيابي , ويستلهم من الدستور الفرنسي لعام 1875 .

2 ـ يكفل الدســتور حقوق ( الطوائف الديني المختلفة ) بما فيها إنشـاء المدارس لتعليم الأحداث ( بلغتهم الخاصة )  و(تمثيل الأقليات الطائفية) , بالإضافة إلى الحقوق التقليدية للإنسان والمواطن .

3ـ يتولى مجلس النواب المنتخب من الشعب بالاقتراع العام السري السلطة التشريعية وينتخب رئيس الجمهورية بالاقتراع السري.

4ـ مدة ولاية رئيس الجمهورية خمس سنوات ولا يجوز إعادة انتخابه إلا بعد انقضاء خمس سنوات على رئاسته .

وقد تمكن شكري القوتلي من إقناع البرلمان بتعديل هذه الفقرة من الدستور لإتاحة الفرصة أمامه للترشيح من جديد لدورة رئاسية جديدة , وتمّ له ذلك في 18 نيسان 1948 حيث أصبح يجوز تجــديد انتخـاب الرئيس مرة واحدة( ( ليدشن بذلك عهد التعديلات الدستورية بما يتناسب مع الرغبات الرئاسية )) .[xxiii][23]

وتم العمل بهذا الدستور إلى 30 آذار 1949 حيث جرى الانقلاب العسكري الأول لحسني الزعيم .

في 17 نيسان 1946 تم جلاء آخر جندي فرنسي من الأراضي السورية , بعد أن ترك الفرنسيون بصماتهم التي لن تمحى في المجال القانوني السوري

  الأحزاب السياسية :

وقد شهدت فترة الانتداب تأجج المخاض السياسي وولادة الأحزاب السياسية بدءاً من :

الكتلة الوطنية التي عقدت مؤتمرها الوطني في 27 تشرين الأول 1927 بناءاً على نداء هاشم الأتاسي بعقد مؤتمر وطني عام , بعد إعلان المفوض السامي ( بونسو ) بأن فرنسا تريد السماح بقانون دستوري ,  وتفويض أمور الدولة إلى مسؤولين محليين , وأقرت قانونها الأساسي في 4 تشرين الثاني 1932 الذي أعلن عملياً بداية الحزب السياسي السوري .

ومروراً بالأحزاب السياسية التقليدية الأخرى  من حزب الإصلاح , حزب الاتحاد الوطني , حزب الأمة الملكي , الحزب الحر الدسـتوري , وحزب الشعب .

ووصولاً إلى الأحزاب السياسية التي تبنت الخط العقائدي والإيديولوجي مثل :

الحزب القومي السوري الاجتماعي الذي تأسس في بيروت 1932 على يد أنطوان سعادة , واعتمد على العنف والكفاح المسلح من أجل تحقيق أهدافه في بناء الأمة السورية .

والحزب الشيوعي السوري بقيادة خالد بكداش الذي انفصل عن الحزب الشيوعي اللبناني , وقاده فكره إلى العمل على تحقيق العدالة الاجتماعية , والوقوف ضد الديمقراطية السياسية , باعتبارها وسيلة الطبقة البرجوازية لفرض سيطرتها على الكادحين .

وحزب الأخوان المسلمين الذي يعمل من أجل تطبيق الشريعة الإسلامية , وتحقيق الدولة الإسلامية , ويؤسس لاحتكار يقوم على سلطة الدين .

وحزب البعث بقيادة ميشيل عفلق وصلاح الدين بيطار الذي توحد مع الحزب العربي الاشتراكي بقيادة أكرم الحوراني ليولد حزب البعث العربي الاشتراكي ويرفع الثالوث الإيديولوجي الوحدة ـ الحرية ـ الاشتراكية , وفق بنية يسارية تقوم على تغليب الديمقراطية الاجتماعية وتغييب الديمقراطية السياسية .

وكما يقول الدكتور رضوان زيادة (( إن الديمقراطية هي الغائب المشترك الأكبر بين جميع الأحزاب السياسية , أكانت فئوية أم إيديولوجية )) .[xxiv][24]

 تأثير القضية الفلسطينية :

كان للهزيمة العربية في حرب فلسـطين 1948 ولقرار التقسيم الذي أقرته الأمم المتحدة في 29 تشرين الثاني أثراًً كبيراً على الحياة الداخلية في سوريا , حيث أدت إلى استقالة وزير الدفاع أحمد الشرباتي بعد أن أظهرت الهزيمة الضعف الكبير للجيش السوري الناشئ حديثاً , وإلى استقالة حكومة مردم بك في 2 كانون الأول 1948 التي خلفتها حكومة خالد العظم والتي أعلنت في 20 آذار 1949 أنها ستشارك في مباحثات لعقد الهدنة مع إسرائيل , بعد أن دخلت المفاوضات كل من مصر والأردن ولبنان . مما أعطى المسوغ للانقلاب العسكري الذي وقع بعد عشرة أيام من ذلك الإعلان , على يد حسني الزعيم ليبدأ عصر الانقلابات العسكرية .

ويمكن تلخيص تأثير القضية الفلسطينية على الوضع الداخلي السوري في حينها بالنقاط التالية :

ـ على المستوى الشعبي والسياسي : ازدياد تأثير الفكر القومي , وتقوية التيارات التي ترفع الشعارات القومية وفي مقدمتها تحرير فلسطين .

ـ على المستوى العسكري : ازدياد نفوذ قادة الجيش في الحياة السياسية نتيجة متاجرتهم بالقضية الفلسطينية وجعلها أساس شرعية انقلاباتهم وحكمهم . ومنذ ذلك الوقت بدأت المتاجرة بالقضية الفلسطينية ولم تنته بعد .

د ـ في عهد الانقلابات العسكرية الأول :

1ـ انقلاب حسني الزعيم :

جرى أول انقلاب عسكري في 30 آذار 1949 بقيادة حسني الزعيم الذي قام بتعطيل الدستور وحلّ البرلمان وحلّ الأحزاب السياسية , وتولي السلطتين التشريعية والتنفيذية , وإجراء استفتاء شعبي لتنصيب رئيس الجمهورية , وتخويله بوضع دستور جديد , وحق إصدار المراسيم التشريعية , إلى أن يتم وضع الدستور الجديد موضع التنفيذ .

وجرى الاستفتاء في 25 حزيران 1949 , وأعلن انتخابه رئيساً للجمهورية بالإجماع تقريباً , مدشناً بذلك عهد الاستفتاءات الشعبية للمرشح الوحيد .

قام الزعيم بتكليف لجنة مؤلفة من سبعة أعضاء , قامت بوضع مشروع دستور يأخذ بالنظام النيابي ( البرلماني ) , مع طغيان السلطة التنفيذية ممثلة برئيـس الجمهورية على السـلطة التشـريعية . ويتضمن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية ,  ويتكرر فيه تعبير ( الأمة ) و( الأمة السورية ) رغم ما نصت عليه المادة الأولى بأن سوريا ( جمهورية عربية ) . ووفقاً لذلك المشروع ينتخب رئيس الجمهورية الذي تتجلى فيه شخصية الأمة , بقرار من مجلس النواب بالأكثرية , ومدة ولايته سبع سنوات , ولا يوجد فيه أي اشارة لدين رئيس الدولة خلافاً للدساتير السابقة . ويذكر أن اللجنة التي وضعت مشروع الدستور أكدت على أن (( النظام البرلماني خير أنظمة الحكم للجمهورية السورية لأنه يفسح  للأمة مراقبة السلطة التنفيذية وبما ألفه من أسلوب الحكم كلما كان الأمر إليه ))[xxv][25] , مفضلة إياه على النظام الرئاسي الذي كان يفضله الزعيم على ما يبدو .

2 ـ انقلاب سامي الحناوي :

في 14 آب 1949 حدث الانقلاب العسكري الثاني بقيادة سامي الحناوي , الذي أعطى الحكم لحكومة مدنية , وضعت قانون انتخابات عامة , حيث جرى انتخاب جمعية تأسيسية في 15 تشرين الثاني 1949 , أصدرت أحكاماً دستورية مؤقتة , وانتخبت هاشم الأتاسي رئيساً للدولة في 14 كانون الأول 1949  يتمتع بصلاحيات رئيس الجمهورية وفق دستور 1930 لحين وضع الدستور الجديد .

وبعد خمسة أيام أي في 19/12/1949 قام انقلاب أديب الشيشكلي , الأول واستقال رئيس الدولة ثم تراجع عن الاستقالة , واستمرت الجمعية التأسيسية بالعمل بالدستور , تحت سيطرة فعلية لأديب الشيشكلي , وتم إقرار الدستور الجديد في 5 أيلول 1950 .  ومن أهم خصائص دستور 1950 :

ـ يقيم نظاماً جمهورياً نيابياً .

ـ مدة ولاية رئيس الجمهورية خمس سنوات . 

ـ يفصل بين السلطات الثلاث مع جعل السلطة التشريعية هي الأولى , وحصر السلطة التنفيذية بمجلس الوزراء , وضمان استقلال القضاء , وإحداث محكمة عليا تراقب دستورية الأنظمة والقوانين .

ـ يتميز بنزعة توفيقية بين ثلاث اتجاهات تعكس حدة الصراع الاجتماعي والسياسي في سوريا آنذاك :

  = اتجاه قومي , حيث تنص المادة الأولى بأن ( الشعب السوري جزء من الأمة العربية ) .

  = اتجاه ديني , حيث ينص الدستور على أن ( دين رئيس الجمهورية الإسلام ) و ( الفقه الإسلامي هو المصدر الأساسي للتشريع ) .

  = اتجاه اشتراكي إصلاحي , حيث ( يعين القانون حداً أعلى لحيازة الأراضي ) و( تشجيع الملكيات الصغيرة والمتوسطة ) و(تشجع الدولة على إنشاء الجمعيات التعاونية) .
3 ـ انقلاب أديب الشيشكلي :

في 2 كانون الأول 1951 تولى أديب الشيشكلي مهام رئاسة الدولة بعد القيام بانقلابه العسكري الثاني , وقام باعتقال أعضاء الحكومة , فاضطر رئيس الجمهورية إلى الاستقالة , ثم قام بحلّ مجلس النواب . وفي اليوم التالي عهد إلى ( فوزي سلو ) بممارسة السلطتين التشريعية والتنفيذية ومهام رئيس الدولة إلى أن تألفت حكومة في 8/6/1952 .

وضع أديب الشيشكلي مشروع دستور باسم المجلس العسكري الأعلى , وجرى في 10 تموز 1952 استفتاء عام تمّ بنتيجته تنصيب الشيشكلي رئيساً للجمهورية والموافقة على الدستور الذي يقيم نظاماً رئاسياً , وتمّ انتخاب مجلس نواب على أساسه . وحول الشيشكلي البلاد إلى دكتاتورية عسكرية سمحت للقوى الإقليمية والدولية أن تتدخل في السياسات الداخلية .

في 25/2/1954 اضطر الشيشكلي إلى مغادرة البلاد نتيجة اشتداد المقاومة الشعبية ضده , وتسلم هاشم الأتاسي رئاسة الدولة واستؤنف العمل بدستور 1950 .

حيث ستمر سوريا بتجربة برلمانية حرة لن تستمر طويلا ( أربع سنوات ) , حيث ستأتي الوحدة مع مصر لتعصف بما بقي من إرث ديمقراطي .

 تأثير فترة الانقلابات العسكرية : 

تركت فترة الانقلابات العسكرية تأثيراً كبيراً على المجتمع والدولة في سوريا ما زال مستمراً حتى اليوم .

على صعيد المجتمع : يمكن أن نذكر التأثيرات التالية :

1ـ توجه الأحزاب الراديكالية إلى الجيش لتقوية نفوذها , وابتعادها عن ساحة عملها الحقيقية بين صفوف الناس , وبالتالي تحولها إلى أحزاب هامشية شعبياً .

2ـ تحكم الجيش بمقاليد الأمور بما تملكه من وسائل العنف والإكراه , مما أدى إلى زرع الخوف في نفوس الناس , وبالتالي أدى إلى نشوء مجتمع مسكون بهاجس الخوف .

3ـ كون الثقافة العسكرية تقوم على الطاعة والتبعية , ولا تقبل الاجتهاد والمخالفة , انعكس ذلك على المجتمع برفض وجود المعارضة بكافة أشكالها , وتراجع الحريات , مما أدى إلى إضفاء صفة الاستبداد على الحكم .

4ـ كون غالبية عناصر وضباط الجيش , لهم خلفيات طبقية فقيرة , ريفية غالباً ( وبالأخص من الأقليات الطائفية ) , وابتعاد أبناء المدن التجار والصناعيين عن الجيش , سيؤدي إلى ضعف التقاليد المدنية ( البرجوازية ) في الدولة وسيطرة النزعة الراديكالية العنيفة

5ـ بسبب الانقلابات العسكرية , لم يتح للبرجوازية الوطنية السورية أن تأخذ فرصتها التاريخية لتطوير المجتمع والدولة .

على صعيد الجيش : يمكن ملاحظة التأثيرات التالية :

1ـ انشغال الجيش بأمور السياسة الداخلية , أدى إلى ابتعاده عن مهامه الأساسية في حماية حدود الوطن , وبالتالي إلى إضعافه مما سيؤسس للهزائم القادمة .

2ـ ارتباط قادة الجيش بالسلطة ومغرياتها ,  مع عدم وجود المراقبة والمحاسبة والمعارضة , أدى إلى إنتاج وانتشار الفساد بداية ضمن الجيش وتعميمه لاحقاً ضمن المجتمع .

يقول الدكتور رضوان زيادة :

(( لقد كان تدخل الجيش في الدول الناشئة ذا أثر كبير , إذ منع تطور سياستها المدنية , ومن حسم خياراتها الداخلية ضمن ساحة البرلمان , وفي ضوء دائرة الحوارات السياسية المتعددة . وعندها سيلعب الجيش في سوريا وفي الكثير من دول العالم الثالث دور لاعب الارتكاز في تقرير السياسة الداخلية , وهذا ما سيجعل المجتمع المدني يتضاءل لحساب المجتمع العسكري بتعبير غرامشي , والذي سيبتلع المجتمعين المدني والسياسي معاً )) .[xxvi][26]

هـ ـ في عهد الوحدة :

في 1/2/1958 وقعت حكومتا مصر وسوريا اتفاقاً يتضمن أسس الوحدة بين البلدين , أقراه مجلسا الشعب في البلدين .

وفي 21/2/1958 أجري استفتاء وافق فيه شعب البلدين على قيام الجمهورية العربية المتحدة برئاسة جمال عبد الناصر .

في 5/3/1958 أعلن الرئيس الدستور المؤقت المؤلف من 73 مادة , والذي يتسم بالخصائص التالية :

1ـ يكرس نهاية النظام النيابي ( البرلماني ) في سوريا , ويقيم نظاماً رئاسياً يعطي رئيس الجمهورية صلاحيات كبيرة , فهو الذي يعين السلطة التشريعية المتمثلة بـ ( مجلس الأمة )  وله حق حلّه , وهو الذي يعين نواب الرئيس والوزراء ويعفيهم من مناصبهم , ويضع السياسة العامة ويصدر القوانين ... الخ

2ـ يستبعد الدستور تعدد الأحزاب وينص على أن المواطنين يكونون ( اتحاداً قومياً ) .

3ـ وينص الدستور على أن المجتمع يقوم على التضامن الاجتماعي والعدالة الاجتماعية, ويتبنى التخطيط الاقتصادي والاجتماعي

وتميزت مرحلة الوحدة بـ (( تراجع الحريات , وإلغاء الحزبيـة , وسـيطرة الهاجـس الأمني , وصعود الزعيم الواحـد كمخلص للبـلاد والعباد )) .[xxvii][27] مما سيكون له الأثر الكبير على المستقبل السياسي لسوريا .

يذكر الأسد أن جمال عبد الناصر كان يقول دائماً (( أنا رجل شريف ومستقيم , فما هي حاجتنا إلى الأحزاب )) .[xxviii][28]

و ـ في عهد الانقلابات العسكرية الثاني :

1ـ في عهد الانفصال :

في 28 أيلول 1961 قام انقلاب عسكري في سوريا بقيادة عبد الكريم النحلاوي , بدعم من الأردن والسعودية ورجال الأعمال السوريين , أدى إلى قيام الانفصال , وتكليف حكومة مدنية قامت بوضع دستور مؤقت وافق عليه الشعب السوري بالاستفتاء الذي جرى في 1 و2 كانون الأول 1961 , وقام بانتخاب ( المجلس التأسيسي والنيابي ) , ومهمته الأولى وضع دستور دائم , حيث قام هذا المجلس بانتخاب د. ناظم القدسي رئيساً للجمهورية . وأقر إعادة تطبيق دستور 1950 مع بعض التعديلات وأهمها :

ـ تعديل تسمية الجمهورية من( الجمهورية السورية ) إلى ( الجمهورية العربية السورية ) .

ـ تخويل رئيس الجمهورية بحق حل المجلس النيابي .

 ـ منح السلطة التنفيذية , ممثلة بمجلس الوزراء المنعقد برئاسة رئيس الجمهورية , صلاحيات إصدار مراسيم تشريعية .

وشهدت فترة الانفصال هذه التي استمرت ثمانية عشر شهراً , عدة محاولات انقلابية , وتناوب على رئاسة الوزراء كل من : د.معروف دواليبي , د.بشير العظمة , وخالد العظم الذي كان (( خصماً صلباً وعنيداً لفكرة تدخل الضباط في السياسة )) .[xxix][29]

2ـ انقلاب 8 آذار 1963 :

في ليلة الثامن من آذار من عام 1963 حدث انقلاب عسكري بقيادة ضباط حزب البعث ( أعضاء اللجنة العسكرية السرية ) بالتحالف مع الناصريين وبعض الضباط المستقلين , أطاح بحكومة الانفصال , ووضع السلطة بيد ( المجلس الوطني لقيادة الثورة ) الذي أعلن حالة الطوارئ والأحكام العرفية ( والتي ما زالت سارية المفعول حتى الآن ) .

كان المجلس الوطني لقيادة الثورة هيئة مؤلفة من عشرين عضواً ( 12 بعثي + 8 من الناصريين والمستقلين ) , وضع لها رئيس هو لؤي الأتاسي , وكلف صلاح الدين البيطار بتشكيل حكومة لتنفيذ سياسة المجلس . وكان أعضاء اللجنة التي وسـعت , هم الحكام الفعليين حيث كانوا يشكلون ( مجلس داخل مجلس ) .

وشهدت الفترة اللاحقة اضطرابات عديدة , قام خلالها الضباط البعثيون بتصفية حلفائهم من الناصريين والمستقلين , والاستئثار بالسلطة , ليبدأ الصراع العنيف ضمن البعثيين أنفسهم .

ومع هذا الانقلاب الذي سمي بـ ( ثورة الثامن من آذار ) بدأت مرحلة جديدة من مراحل الحكم في سوريا , تختلف اختلافاً جذرياً عن المراحل السابقة , حيث قام حزب البعث وقيادته السياسية والعسكرية التي سيطرت على مقاليد الأمور , بلي عنق المجتمع السوري وتسييره على طريق البناء الثوري للمجتمع وفق نظرية حزب البعث القومية الاشتراكية .

انعكس ذلك على الدساتير التي انعطفت انعطافاً حاداً عن مفهوم القانون العام الغربي , باتجاه القوانين العامة للنظم الاشتراكية . وشهدت البلاد عدة تغييرات دستورية عكست ـ إضافة إلى نظرة البعث الإيديولوجية للمجتمع وضرورة تغييره ثورياً ـ الخلافات الداخلية لرجال الثورة من قيادة البعث وحلفائهم والصراع العنيف على السلطة , وهدفت إلى تكريس سلطة البعث وضمان استمرارها .

 الدسـتور المؤقت لعام 1964 :

وضع هذا الدستور في 25/4/1964 أي بعد حوالي سنة من انقلاب 8 آذار 1963 , شهدت خلالها البلاد اضطرابات عديدة نتيجة الصراع على السلطة . وقد أعد على عجل بعد الاضطرابات والمظاهرات التي شهدتها المدن السورية بعد أحداث حماه الدامية في نيسان 1964 , حيث تم قمع تحرك الإخوان المسلمين بعنف شديد من قبل الجيش بأمر من أمين الحافظ , الذي كان يمثل واجهة حكم الضباط البعثيين . حيث قاموا بتسليمه الوظائف التالية :

رئيس الوزراء ـ وزير الدفاع ـ وزير الداخلية ـ نائب الحاكم العسكري ـ رئيس الأركان بالوكالة ـ رئيس المجلس الوطني لقيادة الثورة ـ القائد العام للجيش ـ الأمين العام للقيادة القطرية لحزب البعث ـ وعضو في اللجنة العسكرية .

رغم ذلك يذكر حافظ الأسد أن أمين الحافظ (( لم يكن يستطيع نقل جندي واحد بدون موافقتنا ))[xxx][30] .

من أهم ما تضمنه دستور 1964 :

ـ مبدأ قيادة الحزب الواحد

ـ تكريس مبدأ القيادة الجماعية في الحكم , بتقسيمه إلى وظيفتين أو سلطتين :

  = الـــسلطة الإداريـة : يتولاها مجلس الوزراء , وصفته إدارية بحتة , ولا يملك أي مبادرة حقيقية .

  = السـلطة السـياسـية : ويتولاها مجلسان :

            + المجلس الوطني للثورة :  وهو       ـ  يتولى السلطة التشريعية ,

ـ ويراقب أعمال السلطة التنفيذية .

+ مجلس الرئاســة :  الذي ينتخب أعضاءه ورئيسه من بين أعضاء المجلس الوطني , وهو مسؤول أمامه عن جميع أوجه نشاطه , وهو: 

 ـ يمارس السلطة التنفيذية مع مجلس الوزراء .

 ـ يضع السياسة الداخلية والخارجية .

 ـ يعين الوزراء ويقيلهم ويوجههم ويشرف على عملهم وله حق تعديل وإلغاء قراراتهم

في بداية عام 1965 قامت السلطة بتأميم بعض الشركات , وامتدت ملكية الدولة لتشـمل مجالات توليد الكهرباء , وتوزيع النفط , وحلج الأقطان , وقسم كبير من تجارة الاستيراد والتصدير , كما سيطرت على إدارة المؤسسات الدينية وأمسكت بحق تعيين أئمة المساجد .

كما شهد عام 1965 صراعاً على السـلطة , بين قادة البعث التقليديين , ممثلين بالقيادة القومية , وبين القيادة القطرية التي سـيطر عليها الضباط البعثيون , والتي أقرت في مؤتمرها القطري في آذار 1965 مبدأ كون (( الحكومة خاضعة كلياً للحزب , والأمين القطري هو حكماً رئيس الدولة , والقيادة القطرية هي التي تعين رئيس الوزراء , ورئيس الأركان العامة , وكبار القادة العسكريين )) . هذا الصراع الذي انتهى بقيام انقلاب شباط 1966 .

3ـ انقلاب 23 شــباط 1966 :

أطاح هذا الانقلاب بالحكومة التي عينتها القيادة القومية , بعد قرارها بحل القيادة القطرية ( وكانت الحكومة قد ضمت صلاح الدين بيطار رئيس الوزارة ـ أمين الحافظ رئيس مجلس الرئاسة ـ محمد عمران وزير الدفاع والقائد الأعلى للقوات المسلحة ... ) .

وصعد حافظ الأسد ليصبح وزيراً للدفاع , وأصبح صلاح جديد , الأمين المساعد للقيادة القطرية , الرجل رقم واحد في سوريا .

وقد تم إيقاف العمل بالدستور السابق بقرار القيادة القطرية رقم /1/ . أما قرار القيادة القطرية رقم /2/ وهو بمثابة الدستور فقد أعاد إقرار مبادئ القيادة القطرية في آذار 1965 . حيث تم توزيع السلطة بين :

  = السـلطة السياسية : وتمثلها القيادة القطرية نفسها ( في دستور 1964 كان يمثلها مجلس قيادة الثورة ) , وهي التي تعين رئيس الدولة ورئيس الوزراء والوزراء , ولها قبول استقالتهم وإقالتهم .

  = الســلطة الإدارية :  ويمثلها رئيس الدولة ومجلس الوزراء , وهي تساهم في التشريع حيث تصدر المراسيم التشريعية بتوقيع رئيس الدولة بعد إقرارها في مجلس الوزراء .

  = أما رئيس الدولة فهو الأمين العام للقيادة القطرية , وهو صلة الوصل بين السلطتين السياسية والإدارية , وقد عين الدكتور نور الدين الأتاسي رئيساً للدولة .

وقد شهدت الفترة اللاحقة عمليات تأميم واصلاح زراعي , وإقامة بنى تحتية كشبكة الطرق وسكك الحديد وسد الفرات وتشغيل حقول النفط بمساعدة سوفييتية , وبدأ التقرب من الاتحاد السوفييتي وبحث فكرة ( الاشتراكية العلمية ) من قبل صلاح الدين جديد وزملاءه .

(( وشرع نظام جديد يضفي على البلد طابعه التطهيري الحنبلي المتشدد , فخفض رواتب رئيس الدولة والوزراء وكبار الضباط والموظفين الحكوميين , واستبدل المرسيدس والليموزين السوداء بسيارات أكثر تواضعاً مثل الفولكس واغن والبيجو404 , وتم قمع الفساد ورفضه باحتقار , بينما أصبح الصراع الطبقي ضيق الأفق وانتقامياً )) كما يذكر باتريك سيل .[xxxi][31]

وفي هذه الفترة تم تعيين الشيوعي سامح عطية في الحكمة كوزير للمواصلات . وعاد بكداش من المنفى , وكان قد كتب في كراس له عن ( سوريا على الطريق الجديد ) في عام 1965 : (( إن هؤلاء الضباط لا يريدون جزاءً ولا شكوراً , ولا يطمحون إلى امتيازات خاصة لقاء دفاعهم عن مصالح الوطن ومصالح جماهير الشعب ))[xxxii][32] .

 كما شهدت البلاد في الفترة اللاحقة لانقلاب شباط 1966 تطورات هامة كان أبرزها :

 ـ محاولة انقلابية فاشلة بقيادة سليم حاطوم .

ـ هزيمة حزيران 1967 .

 ـ التورط في الأردن في أعقاب مجازر أيلول الأسود 1970 والانسحاب المباشر في 22/9/1970 .

 ـ موت عبد الناصر في 28 أيلول 1970 .

ـ واحتدام الصراع على السلطة بين صلاح جديد وحافظ الأسد .

 الدستور المؤقت لعام 1969 :

في أواخر آذار 1969 عقد المؤتمر القطري الرابع الاستثنائي لحزب البعث العربي الاشتراكي , وقرر إصدار دستور مؤقت لحين إصدار دستور دائم من قبل مجلس شعب منتخب على مستوى القطر يمارس دور التشريع . وقد صدر الدستور المؤقت في 1/5/1969 .

4 ـ انقلاب تشرين الثاني 1970 :

في تشرين الأول 1970 كان الصراع في أوجه بين صلاح جديد , الذي كان يسيطر على الحزب القائد والسلطة الإدارية , وبين حافظ الأسد وزير الدفاع الذي سيطر على الجيش بعد إبعاد رجال جديد عن مراكز النفوذ وتعيين رجاله مكانهم . وفي 30 تشرين الأول 1970 عقد صلاح جديد المؤتمر الاستثنائي للقيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي , وحاول من خلاله إعادة السيطرة على الأمور , حيث شجب المؤتمر ازدواجية السلطة وقرر تجريد حافظ الأسد وزير الدفاع ومصطفى طلاس رئيس الأركان من مناصبهما .

ولكن الأسد كان قد نشر قواته حول قاعة المؤتمر , وبعد انتهائه في 12 تشرين الثاني 1970 قام باعتقال خصومه , وأرسل صلاح جديد ونور الدين الأتاسي إلى سجن المزة .

في 16 تشـرين الثاني أذيع بيـان استلامه للسـلطة نتيجـة لـ ( حركة تصحيحية ) حيث تسلم الأسـد منصـب رئيـس الوزراء , وعـين أحمد الخطيب في مـنصب رئيـس الـدولـة .  كما عـين قـيادة قطـــرية مؤقـتـة لحـزب البعــث أصـدرت لاحـقـاً
 
 الدستور المؤقت لعام 1971:  
وهو نفس دستور 1969 بعد إدخال تعديلات عليه بالمرسوم 141 تاريخ 19/2/1971 .

كما قامت بتعيين 173 عضواً لـ ( مجلس شعب ) كلف بوضع الدستور الدائم .

وفي 12 آذار 1971 أجري استفتاء شعبي أصبح بنتيجته حــافـظ الأســـد رئيساً للجمهورية .

وبعد سنتين تماماً , أي في 12 آذار 1973 عرض ذلك الدستور على الاستفتاء فأقره الشعب .

وقد وضع على أساس دستور 1971 وجاء مشابهاً له في الأمور الأساسية مع بعض التعديلات والإضافات .

2ًـ الدســتور الســوري 1973

2ً ـ آ : تمهيد

لم يوضع هذا الدستور من قبل جمعية تأسيسية أو برلمان منتخب , كما كان مع دساتير 1920 ( دستور الملك فيصل ) , دستور1930  الدستور المعدل 1943 , دستور 1950 , الدستور المعدل 1961 ( عهد الانفصال ) .

بل جاء مشابهاً في وضعه إلى حد كبير لدستور الوحدة 1958 , ودساتير البعث كدستور 1964 , والدساتير المؤقتة لأعوام 1966 , 1969 ,1971 التي أصدرتها القيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي .

حيث وضع دستور 1973 من قبل مجلس شعب معين من قبل قيادة قطرية معينة من قبل قائد عسكري وصل إلى السلطة بانقلاب عسكري .

علماً أنه تم أخذ موافقة الشعب السوري على تسلمه لرئاسة الجمهورية عبر استفتاء 12/3/1971.

كما تم أخذ موافقة الشعب السوري على الدستور عبر استفتاء 12/3/1973 .

ويذكر التاريخ أن الحكام كانوا دائماً يحصلون على موافقة شعوبهم على مواضيع الاستفتاءات التي كانوا يعرضونها عليهم , وهذه بعض الأمثلة :

ـ استفتاء حسني الزعيم في 25 حزيران 1949 ( وهو أول استفتاء في البلاد العربية ) , وافق فيه أغلبية الشعب السوري على انتخابه رئيساً للجمهورية , وتخويله بوضع دستور وحق إصدار المراسيم التشريعية .

ـ استفتاء أديب الشيشكلي في 10 تموز 1953 وموافقة شبه إجماعية على انتخابه رئيساً للجمهورية , وعلى الدستور الذي وضعه تعديلاً عن دستور 1950 والذي يكرس النظام الرئاسي .

ـ استفتاء جمال عبد الناصر في 21 شباط 1958 وموافقة الشعبين السوري والمصري على تأييد الوحدة وانتخابه رئيساً للجمهورية العربية المتحدة 

ـ استفتاء عهد الانفصال  في 1و2 كانون الأول 1961 وموافقة الشعب السوري على دستور عهد الانفصال 1961 .

ـ استفتاء السادات على معاهدة الصلح المصرية الإسرائيلية ( كامب ديفد ) في 20/4/1979 والذي وافق فيه الشعب المصري على المعاهدة بنسبة 99.9 % . وقد أتبع السادات هذه الموافقة بقرار جمهوري يقضي بتحريم نقد المعاهدة  واعتبار ذلك جريمة يعاقب عليها القانون .

وفي جميع هذه الاستفتاءات وغيرها كان الشعب دائماً ( موافج ) على مواضيع الاستفتاء .

ومما يجدر ذكره بأن مشروع الدستور , أثار عند نشره احتجاجات واسعة , لعدم تضمنه أي إشارة إلى دين رئيس الدولة , وقد أصبحت قضية شغلت الرأي العام السوري , فأوعز الأسد إلى مجلس الشعب بإضافة المادة التي تنص على أن ( دين رئيس الدولة الإســـلام ) ( المادة 3/1 ) .

ولحل مشكلة هل يعتبر العلوي مسلماً , لجأ الأسد إلى الزعيم الشيعي موسى الصدر رئيس المجلس الشيعي الأعلى في لبنان , الذي أفتى بأن العلويين هم طائفة من المسلمين الشيعة . [xxxiii][33]

2ً ـ ب : ميزات وملاحظات

آ ـ الطابع القومي :

من أهم ما يميز الدستور السوري هيمنة الطابع الإيديولوجي القومي وفق عقيدة البعث , الذي يسعى إلى قولبة المجتمع السوري وفق معتقداته القومية , ويفرض على الشعب السوري والدولة السورية تبني شعاراته وأهدافه , والعمل من أجل تحقيقها .

هذه ما نجده بشكل خاص في مقدمة الدستور , التي تصلح لأن تكون مقدمة لدستور أو برنامج حزب البعث , وليس دستور لدولة مثل سوريا , ميزتها الأساسية هي التعدد والتنوع العرقي القومي والاجتماعي والديني والسياسي ... الخ .

ـ في المقدمة نلاحظ تكراراً كبيراً  لكلمتي ( عربي ) و(عربية ) (31 مرة ) . والمنطلقات الرئيسية التي يستند إليها الدستور والمذكورة في المقدمة كلها ذات طابع وحدوي عروبي . ( راجع المنطلقين 1 و2 ص6 ) .

علماً أن المقدمة هي جزء لا يتجزأ من الدستور وفق المادة 150 من الدستور نفسه .

كما نجد هيمنة الطابع الإيديولوجي في المواد التالية من الدستور :

ـ المادة الأولى : في الفقرة /1/ نجد أن اسـم الدولة هو ( الجمهورية العربية السورية ) مع العلم أنه تم تعديل الاسـم من( الجمهورية السورية ) إلى ( الجمهورية العربية السورية ) لأول مرة في عهد الانفصال في دستور 1961المعدل عن دستور 1950 .

في الفقرة /2/ : القطر العربي السوري هو جزء من الأمة العربية .

في الفقرة /3/ : الشعب في القطر العربي السوري هو جزء من الأمة العربية ويناضل لتحقيق وحدتها الشاملة .

وقد ورد هذا المضمون لأول مرة في دستور 1950, وأثار حينها ضجة كبيرة في سوريا ( على ما يذكر د. جورج جبور )[xxxiv][34] .

وهكذا يطبع الدستور كامل الشعب السوري بطابع البعث , فعلى كل مواطن سوري أن يناضل لتحقيق الوحدة الشاملة للأمة العربية وإلا فإنه يخرق الدستور .

ـ المادة 4 : اللغة العربية هي اللغة الرسمية .

ـ المادة 7 : نجد نص القسم الدستوري (( أقسم بالله العظيم أن أحافظ مخلصاً على النظام الجمهوري الديمقراطي الشعبي , وأن أحترم الدستور والقوانين , وأن أرعى مصالح الشعب وسلامة الوطن , وأن أعمل مخلصاً وأناضل لتحقيق أهداف الأمة العربية في الوحدة والحرية والاشتراكية )) .

إن تأدية هذا القسم واجب على كل من رئيس الجمهورية ( مادة /90) ونوابه ( م/96) ورئيس الوزراء ونوابه والوزراء ونوابهم ( م/116) , وحتى أعضاء مجلس الشعب ( م/63 ) .

وبالتالي فإن أهم المناصب السياسية في سوريا , إضافة إلى عضوية مجلس الشعب , محصورة بالعاملين لتحقيق أهداف الأمة العربية في الوحدة والحرية والاشتراكية . مع العلم أن أعضاء المحكمة الدستورية يقسمون القسم التالي :

(( أقسم بالله العظيم , أن أحترم دستور البلاد وقوانينها , وأقوم بواجبي وتجرد وأمانة )) ( م/143) .

مع ملاحظة أن احترام الدستور من قبل أعضاء المحكمة الدستورية ـ كونهم من أبناء الشعب ـ يعني ضمناً التزامهم بالمادة الثانية التي تتضمن النضال لتحقيق الوحدة الشاملة للأمة العربية .

ـ المادة 8 : تتضمن (( ... الجبهة الوطنية التقدمية تعمل على توحيد طاقات جماهير الشــعب , ووضعها في خدمة أهداف الأمة العربية )) .

ـ المادة 11: القوات المسلحة ومنظمات الدفاع الأخرى مسؤولة عن سلامة أرض الوطن وحماية أهداف الثورة في الوحدة والحرية والاشتراكية .

عن هذه المادة ينبثق مفهوم الجيش العقائدي , كما تعطي هذه المادة المبرر الدستوري لتدخل الجيش واشتراكه في قمع الاضطرابات الداخلية التي تهدد (أهداف الثورة ) . وما تعنيه هذه المادة في الواقع هو سلامة أمن السلطة بالدرجة الأولى . 

للمقارنة : نذكر أن المادة 14 من دستور جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية الصادر1972 ( قبل سنة من صدور الدسـتور السوري ) تتضمن : (( تؤدي القوات المسلحة .. رسالة حماية مصالح العمال والفلاحين وسواهم من الشعب العامل , والدفاع عن النظام الاشتراكي والمكاسب الثورية وصيانة حرية الوطن واستقلاله والسلم ))[xxxv][35] .

ـ المادة 13 : الفقرة الثانية : يراعي التخطيط الاقتصادي في القطر تحقيق التكامل الاقتصادي في الوطن العربي . 

كما نجد في المبادئ التعليمية والثقافية المادتان التاليتان اللتان تساهمان في بناء وتكريس النظام الشمولي :

ـ المادة 21 : يهدف نظام التعليم والثقافة إلى إنشاء جيل عربي قومي اشتراكي , علمي التفكير , مرتبط بتاريخه وأرضه , معتز بتراثه  مشبع بروح النضال من أجل تحقيق أهداف أمته في الوحدة والحرية والاشتراكية . 

ـ المادة 23 : الثقافة القومية الاشتراكية أساس بناء المجتمع العربي الاشتراكي الموحد , وهي تهدف إلى تحقيق القيم الأخلاقية والمثل العليا للأمة العربية ...

ـ المادة 134 : تصدر الأحكام باسم الشعب العربي في سوريا . مع العلم أنها كانت تصدر سابقاً باسم ( الشعب السوري ) [xxxvi][36].

ملاحظة : شعار نقابة المحامين يحتوي على كلمتي الحق والعروبة .

وهكذا يمكننا القول اختصاراً أن الدستور السوري فصل على قياس حزب البعث العربي الاشتراكي .

ب ـ الطابع الاشتراكي :

كما يلاحظ في الدستور هيمنة واضحة للطابع الاشتراكي من خلال عاملين أساسيين :

 ـ تبني الاشتراكية وربطها بالقومية :

يلاحظ تبني الاشتراكية في الكثير من مواد الدستور , وفي مقدمته , وبالأخص في فصل المبادئ الاقتصادية .

فالجمهورية العربية السورية هي دولة .. اشتراكية وفق المادة /1/ . والاقتصاد في الدولة اقتصاد اشتراكي مخطط يهدف إلى القضاء على جميع أشكال الاستغلال ( م/13) . وهناك حد أقصى للملكية الزراعية يضمن حماية الفلاح والعامل الزراعي من الاستغلال ( م/16) . وتتولى الدولة استثمار ملكية الشعب التي تشمل الثروات الطبيعية والمرافق العامة والمنشآت والمؤسسات المؤممة ... الخ ( م/14) .

كما أن العمل حق لكل مواطن وواجب عليه وتعمل الدولة على تأمينه , وتحدد الدولة ساعات العمل وتكفل الضمان الاجتماعي , ويحق لكل مواطن أن يتقاضى أجره حسب نوعية العمل ومردوده , وعلى الدولة أن تكفل ذلك ( م/36 ) .

كما أن الدولة تكفل التعليم المجاني ( م/37 ) , والضمان الصحي ( م/46 ) , والخدمات الثقافية والاجتماعية والصحية ( م/47 ) .

كما يتضح ربط الاشتراكية بالقومية في مختلف مواد الدستور , وخاصة في المقدمة التي تربط بين النضال القومي والنضال الاشتراكي , وبين أهداف الأمة العربية الوحدة والحرية والاشتراكية , وتعتبر أن إقامة النظام الاشتراكي هو ضرورة لزج طاقات الجماهير العربية في معركتها ضد الصهيونية والإمبريالية .

كما يتضح ذلك الربط في فصل المبادئ التعليمية والثقافية , حيث يهدف نظام التعليم والثقافة إلى إنشاء جيل عربي قومي اشتراكي ... ( م/21 ) , وأن الثقافة القومية الاشتراكية هي أساس بناء المجتمع العربي الاشتراكي الموحد ( م/23 ) .

للمقارنة : ينص دستور جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية 1972 على :

  ـ مادة 35 : في جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية تزدهر الثقافة القومية الاشتراكية .

 ـ مادة 45 : ... تعمل الدولة على تنمية الآداب والفنون الثورية .. قومية في الشكل , اشتراكية في المضمون .

 ـ تبني تجربة الأنظمة الاشتراكية في الحكم :
وبالأخص أنظمة الديمقراطيات الشعبية وذلك من خلال :

= تبني الديمقراطية الشعبية : ويتضح من خلال المواد التالية :

ـ المـادة 1 : التي تنص على أن الجمهورية العربية السورية دولة ديمقراطية شعبية .

ـ المـادة 9 : المنظمات الشعبية والجمعيات التعاونية , تضم قوى الشعب العاملة من أجل تطوير المجتمع وتحقيق مصالح أفرادها .

ـ المادة 10: ويمارس المواطنون ـ من خلال مجالس الشعب المنتخبة انتخاباً ديمقراطياً ـ حقوقهم في إدارة الدولة وقيادة المجتمع

ـ المادة 49: وتشارك التنظيمات الجماهيرية في تحقيق :
 ـ بناء المجتمع العربي الاشتراكي 

ـ تخطيط وقيادة الاقتصاد الاشتراكي

ـ الرقابة الشعبية على أجهزة الحكم .

في الواقع وبخلاف ما ورد في مقدمة الدستور ( المنطلق الرئيسي الرابع ) من أن الديمقراطية الشعبية هي الصيغة المثالية التي تكفل للمواطن ممارسة حريته , التي تجعل منه إنساناً كريماً , قادراً على العطاء والبناء , قادراً على الدفاع عن الوطن الذي يعيش فيه ...الخ  أثبتت التجربة العملية أن هذه الديمقراطية المشروطة والمقولبة التي تسمى ( ديمقراطية شعبية ) تصبح في ظل الأنظمة الشمولية الاستبدادية , هي الصيغة المثلى لخنق الديمقراطية , واغتصاب الحريات , وهي التي تجعل المواطن ذليلاً , خانعاً , وغير قادر , لا على البناء , ولا على الدفاع عن وطنه ولا عن نفسه .

أما المنظمات الشعبية والتنظيمات الجماهيرية , التي تمارس الرقابة الشعبية على أجهزة الحكم ( وفقاً للدستور ) ومجالس الشعب التي تمارس إدارة الدولة وقيادة المجتمع وضمناً المجلس التشريعي ( مجلس الشعب ) , فتتحول إلى أبواق تمجد السلطان , ويتحول أفرادها إلى جوقات من المصفقين ومرددي الهتافات .

في عام 1980 حينما أصدرت نقابة المحامين مطالبة بإعادة حكم القانون , وحينما أظهرت نقابات المحامين والأطباء والمهندسين فتوراً إزاء ( العنف الثوري المسلح ) الذي دعا إليه الرئيس حافظ الأسد في خطاباته لمواجهة ( العنف الرجعي المسلح ) للإخوان المسلمين , حلّت تلك النقابات ووضعت مكاتبها تحت الوصاية [xxxvii][37], كما أصدر رئيس الجمهورية مرسوماً يعطيه الحق بتسمية قيادات المنظمات المهنية [xxxviii][38].

= عدم وجود فصل بين السلطات :

رغم أن الباب الثاني من الدستور , والذي يتضمن سلطات الدولة تم تقسيمه إلى ثلاث فصول تتضمن : السلطة التشريعية , السلطة التنفيذية , السلطة القضائية , هذا التقسيم يوحي ظاهراً بقيام الدستور على مبدأ فصل السلطات , إلا أنه ـ إضافة إلى عدم ذكر الدستور لمبدأ الفصل ـ فإن قراءة متأنية للدستور تؤكد على أنه ليس هناك فصل بينها في الواقع .

وقد كانت الدساتير السابقة للبعث أكثر وضوحاً وصراحة , حيث قسمت سلطة الدولة إلى سلطتين سياسية وإدارية .

ففي دستور 1964 كان المجلس الوطني للثورة هو الذي يتولى السلطة التشريعية ويراقب أعمال السلطة التنفيذية . 

وفي دستور 1966 كانت السلطة السياسية ممثلة بالقيادة القطرية لحزب البعث هي التي تعين رئيس الدولة ( وهو الأمين العام للقيادة القطرية ) ورئيس الوزراء والوزراء , والمراسيم التشريعية تصدر من قبل السلطة الإدارية ( بتوقيع رئيس الدولة بعد إقرارها في مجلس الوزراء ) .

أما في دستور 1969 /1971 فإن القيادة القطرية هي التي ترشح رئيس الجمهورية وتعين أعضاء مجلس الشعب وتملك تعديل الدستور .

أما في الدستور الحالي فنلاحظ :

ـ هيمنة السلطة التنفيذية ممثلة برئيسها ( رئيس الجمهورية ) على السلطتين التشريعية والقضائية .

ـ وجود سلطة سياسية عليا هي الحزب القائد للدولة والمجتمع ( م/8 ) تمارس قيادتها من خلال تدخلها وهيمنتها على كافة سلطات الدولة ومؤسسات الدولة والمجتمع .  

التدخل والهيمنة على السلطة التشريعية نلاحظه من خلال المادة ( 53) من الدستور التي تتضمن أن نصف أعضاء مجلس الشعب يجب أن يكونوا من العمال والفلاحين .

هذه المادة تم تنفيذها على أرض الواقع وكما هو معروف بإعداد قوائم انتخابية لمرشحين ناجحين مسبقاً من العمال والفلاحين ( وباقي فئات الشعب ) من أعضاء حزب البعث وأحزاب الجبهة , كون تلك الأحزاب هي الممثلة الشرعية الوحيدة للعمال والفلاحين .

ولا يختلف هذا الأسلوب عملياً عن الأسلوب الذي تضمنه دستور 1969/1971 , حيث كان يتم تعيين أعضاء مجلس الشعب من قبل القيادة القطرية , كما حصل مع مجلس الشعب الذي أعد هذا الدستور .

ولم يقتصر هذا الأسلوب على انتخابات مجلس الشعب , بل تعداها ليشمل انتخابات المجالس المحلية والنقابات والجمعيات والتنظيمات الجماهيرية ... الخ , ليتم بذلك تأمين هيمنة الحزب عليها . كما نلاحظ هيمنة الحزب على التنظيمات الجماهيرية من خلال المادة (49 ) من الدستور والتي تتضمن أن تلك التنظيمات تشارك في تحقيق :
 ـ بناء المجتمع العربي الاشتراكي وحماية نظامه

 ـ تخطيط وقيادة الاقتصاد الاشتراكي .

هذه المادة حولت التنظيمات الجماهيرية , التي من المفترض أن تعبر عن المجتمع المدني إلى مؤسسات خاضعة للحزب , تعمل على تنفيذ سياسته وبرامجه , وتابعة لسلطة الدولة تعمل على حماية النظام السياسي وتطويع وتدجين المواطنين .

معلومة : من عام 1980 حتى عام 1990 ( أي خلال عشر سنوات ) , انخفض عدد الجمعيات القانونية والثقافية والدينية الخيرية من 654 إلى 504 أي بنسبة الربع تقريباً [xxxix][39].  

= الحزب القائد للدولة والمجتمع :

تنص المادة الثامنة من الدستور على ما يلي : حزب البعث العربي الاشتراكي هو الحزب القائد في المجتمع والدولة , ويقود جبهة وطنية تقدمية تعمل على توحيد طاقات جماهير الشعب , ووضعها في خدمة أهداف الأمة العربية .

كان لهذه المادة نتائج كارثية على المجتمع السوري يمكن أن نذكر منها :

1 ـ إلغاء التعددية السياسية :
وهي جوهر الديمقراطية السياسية , رغم مشاركة أربعة أحزاب إلى جانب البعث في الجبهة الوطنية التقدمية التي صدر ميثاقها ونظامها الأساسي في 7/3/1972 , حيث لم تكن الجبهة عملياً سوى واجهة تمثيلية مفرغة من مضمونها , لنظام الحزب الواحد الذي أقرته دساتير البعث السابقة .

فقد أقر ميثاق الجبهة بأن منهاج حزب البعث ومقررات مؤتمراته موجه أساسي للجبهة في رسم سياستها العامة وتنفيذ خططها , كما أقر قيادة البعث للجبهة من خلال تمثيل الأكثرية ( النصف + 1 ) , إضافة إلى احتكار البعث للعمل في مجالي الطلبة والجيش

 2 ـ تكريس مبدأ الشرعية الثورية :
فكون حزب البعث ـ وفق مقدمة الدستور ـ ( هو الذي فجر ثورة الثامن من آذار 1963 , وهو  الذي يمثل إرادة الأمة العربية وتطلعاتها نحو المستقبل , وكون مسيرته النضالية جاءت بالحركة التصحيحية في 16 تشرين الثاني 1970 ... الخ ) , فهذا يعطيه الحق بقيادة الدولة والمجتمع , ويعطي لأمينه العام ـ قائد الثورة ـ الحق بأن يكون الرئيس ذو الصلاحيات المطلقة .

وهذه الشرعية لا تختلف من حيث الجوهر عن شرعية المذاهب التيوقراطية , التي ترجع شرعية السلطة إلى الإرادة الإلهية , بعكس المبادئ الديمقراطية والتي تعتمد الشرعية الدستورية التي ترد السلطة إلى إرادة الأمة .

 3 ـ التأسيس للتمييز القانوني بين المواطنين ( شرعنة التمييز ):
بتقسيم المواطنين بشكل يشبه إلى حد ما التقسيم اليوناني القديم, فكما كان دستور الأثينيين يقسم الأحرار في أثينا إلى أربع طبقات حسب دخلهم السنوي , وكانت وظائف الحاكم والقائد والخازن مقتصرة على أفراد الطبقة الأولى , ومن الطبقة الثانية كان يتم اختيار الفرسان في الحرب , ومن الطبقة الثالثة المشاة ذوي الأسلحة الثقيلة , ومن الطبقة الرابعة الجنود والبحارة العاديين .[xl][40]

 فإن الدستور السوري يقسم المواطنين السوريين حسب انتماءهم السياسي إلى :

ـ فئــة أولى : هم البعثيون , ومنهم حصراً يرشح رئيس الجمهورية , ويتم اختيار قادة الدولة والمجتمع .

 ـ فئـة ثانـية : هم الجبهويون , ومنهم يتم اختيار بعض الوزراء والنواب والمسؤولين من الدرجة الثانية .

ويمكن أن نضيف بشيء من الكاريكاتيرية :

 ـ فئـة ثالثـة : هم المستقلون , وهم الرعية الذين لا حول ولا قوة لهم .

 ـ فئـة رابعـة : هم المعارضون , وهم المطرودون من رحمة السلطان إلى السجن أو القبر .

 ولكن هناك فارق هام , وهو أن الضرائب لدى الأثينيين كانت تتناقص مع الانتقال من طبقة أعلى إلى طبقة أدنى ( 12% للطبقة الأولى  10% للطبقة الثانية , 5 % للطبقة الثالثة , ولا شيء للطبقة الرابعة ) , أما لدى السوريين فإن الضرائب ( بأنواعها ) تزداد مع   الانتقال من الفئة الأولى إلى الفئة الثانية فالثالثة وصولاً إلى الفئة الرابعة التي تصل ضرائب أعضاءها إلى حد الحرية والحياة .

 هذا التمييز يتناقض مع المادة /25/ من الدستور والتي تنص على :

  ـ المواطنون متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات .

 ـ تكفل الدولة مبدأ تكافؤ الفرص بين المواطنين .

 يقول الدكتور برهان غليون : (( لا بد للتمييز مهما كان نوعه , إذا لم يجد ما يمكن أن يوقفه عند حده من أن يقود إلى قتل القانون , وإلى إعادة إنشاء مجتمع عبودي , سواء أحصل ذلك بشكل سافر أم مقنع , ومعيار العبودية اليوم هو وجود أعضاء لهم كل الحقوق , وبيدهم كل المسؤوليات , وأعضاء آخرين عليهم واجبات ومصيرهم الطاعة والانصياع في كل ما يصنعون ويمس مصائرهم الجماعية))[xli][41].

 4 ـ التعدي على مبدأ السيادة الشعبية :
والذي تضمنه الدستور في المادة الثانية , والاستعاضة عنه بمبدأ سيادة الحزب .

 5 ـ احتكار الســلطة :
 وما يؤدي إليه من ركود في المجتمع والدولة , مما يساهم في إنتاج البيروقراطية والفساد والاستبداد , وهو ما يتناقض مع مبدأ تداول السلطة الذي يميز الدول الديمقراطية , ويؤدي إلى حيوية المجتمع والقوى المتنافسة , مما يؤدي إلى التطوير والتقدم المتواصل .

 6 ـ المساهمة في إنتاج الفساد :
كون الحزب قائد الدولة والمجتمع , وبالتالي فإن الانتماء إلى الحزب يسهل الوصول إلى امتيازات السلطة , مما يشجع الانتهازية وينمي الفساد , وبالنتيجة , وكما هو معروف , فإن توزيع الثروة في المجتمع هو انعكاس لتوزيع السلطة فيه .

 7 ـ قلب علاقة الحزب بالدولة والمجتمع :
فبدل أن يكون الحزب في خدمة الدولة والمجتمع كما هو مفروض , أصبحت الدولة والمجتمع رهينتان ذليلتان للحزب الذي يقودهما وفقاً للدستور , ولاحقاً لقائد الحزب وجهازه الأمني .

وما اصطلاح ( دولة البعث ) الذي شاع في الإعلام السلطوي , إلا انعكاساً صادقاً لهذا الواقع المقلوب .

كما أدى هذا الواقع إلى إعطاء الأولوية للولاء للحزب , ولاحقاً لقائد الحزب , على حساب الولاء للوطن .

وأدى بالنتيجة إلى إحياء وتنمية الولاءات القديمة ( ما قبل المدنية ) في المجتمع , كالعرقية والدينية والطائفية والعشائرية ... الخ .

ومن الدلالات الرمزية لهذا الواقع طغيان نشيد البعث على النشيد الوطني , وعلم البعث على العلم الوطني .. الخ .

 8 ـ الإساءة إلى صورة الحزب نفسه :
من خلال الربط بين الحزب والسلطة وما تمثله من رمز للعنف والإكراه , مما أدى إلى حصول تداخل بين الأمن كجهاز سلطوي ,  وبين الحزب كمؤسسة مدنية من المفترض أن تعبر عن مصالح شرائح اجتماعية وطبقية , وليس عن مصالح طغم لصقراطية كما يذكر الدكتور عبد الرزاق عيد [xlii][42].

ملاحظة : في 8/4/1979 صدر قانون أمن حزب البعث العربي الاشتراكي رقم /53/ , وقد تضمنت المادة /9/ :

الاعتقال لمدة لا تقل عن خمس سنوات , وبالإعدام إذا اقترن الفعل بالعنف , عن كل فعل يقصد منه منع الحزب من ممارسة مهامه المنصوص عنها في الدستور والقوانين النافذة .

كما نصت الفقرة / آ / من المادة /12/ : الحبس ستة أشهر على الأقل في المؤامرة على ارتكاب هذا الفعل .

ج ـ الدستور ورئيس الجمهورية :

 1 ـ الوصول إلى رئاسة الجمهورية :
 
ويمر حسب المادة (84/1 ) من الدستور في ثلاثة مراحل :

 ـ اقتراح القيادة القطرية

 ـ ترشيح مجلس الشعب

 ـ استفتاء شعبي .

وتعتبر المرحلة الأولى هي الحاسمة , كون مجلس الشعب لا يملك إلا أن يرشح من تقترحه القيادة القطرية . أما الاستفتاء الشعبي للمرشح الوحيد , فكان دائماً ينتهي بانتزاع موافقة الشعب بنسبة تتجاوز الـ 99 % .

وبالإجمال , ومن الناحية العملية , لا تختلف هذه الطريقة عن ما تضمنته دساتير البعث السابقة , وبالأخص الدستور المؤقت لعام 1966 ( قرار القيادة القطرية ) من أن رئيس الدولة هو الأمين العام للقيادة القطرية .

علماً أنه كان ينتخب من قبل مجلس النواب :   

ـ وفقاً لدستور عهد الانتداب ( دستور 1930 , المعدل عام 1943 ) .

ـ ووفقاً لمشروع دستور حسني الزعيم 1949 .

ـ وكذلك وفقاً لدستور 1950 .

 2 ـ مدة ولاية رئيس الجمهورية :

 نصت المادة /85/ من الدستور على ما يلي :

ينتخب رئيس الجمهورية لمدة سبعة أعوام ميلادية تبدأ من تاريخ انتهاء مدة ولاية الرئيس القائم .

ونذكر أنه في دستور عهد الانتداب ( دستور 1930 المعدل عام 1943 ) كانت مدة ولاية رئيس الجمهورية خمس سنوات , ولا يجوز إعادة انتخابه إلا بعد انقضاء خمس سنوات على رئاسته .

وقد تم تعديل هذا التقييد عام 1948 فأصبح يجوز تجديد انتخاب الرئيس مرة واحدة .

أما في الدستور الحالي فيمكن تجديد الولاية لمدى الحياة أو بعبارة أدق ( إلى الأبد ) .

من التاريخ : يذكر أنه جرى في فرنسا عام 1802 استفتاء بشأن بقاء نابليون قنصلاً  أول مدى الحياة . وفي عام 1804 جرى استفتاء بشأن توارث الإمبراطورية في سلالة نابليون [xliii][43].

 3 ـ صلاحيات رئيس الجمهورية :  
أعطى الدستور السوري لرئيس الجمهورية صلاحيات تكاد تكون مطلقة , يمكن أن نقسمها تجاوزاً إلى خمسة أقسام :

آـ صلاحيات تشريعية : يتمتع الرئيس بالصلاحيات التشريعية التالية  :

 ـ  يحل مجلس الشعب ( م/107 )

 ـ  يعد مشاريع القوانين ويحيلها إلى مجلس الشعب ( م/ 110 ) 

 ـ  يعترض على القوانين التي يقرها مجلس الشعب ( م/ 98 )

 ـ  يتولى سلطة التشريع , ليس فقط :         =  في المدة الفاصلة بين مجلسين ( م 111/4 )

 = وخارج انعقاد دورات المجلس ( م 111/1 )

 بل حتى :        = أثناء انعقاد دورات المجلس ( إذا استدعت ذلك الضرورة القصوى المتعلقة بمصلحة البلاد ) ( م 111/2 ) 

 ـ  يلغي أي تعديل للدستور ( يقره مجلس الشعب بأكثرية ثلاثة أرباع أعضاءه ) إن لم يوافق عليه ( م/149 ) .

ومن الطبيعي أن تؤدي هذه الصلاحيات التشريعية الواسعة إلى الهيمنة على السلطة التشريعية من قبل السلطة التنفيذية ممثلة برئيس الجمهورية .

ب ـ صلاحيات قضائية :

إضافة إلى :
 ـ تعيين رئيس الجمهورية لأعضاء المحكمة الدستورية , يتمتع بالصلاحيات القضائية التالية :

 ـ يترأس مجلس القضاء الأعلى .

  ـ يقترح تعديل الدستور .

 ـ يعيق مؤسسات الدولة عن مباشرة مهامها الدستورية إذا قام خطر جسيم وحال يهدد الوحدة الوطنية أو سلامة واستقلال أرض الوطن ( م/113 ) .

هذه الصلاحيات القضائية الواسعة , إضافة إلى عدم مسآلته إلا في حالة الخيانة العظمى ( م/91 ) كان من الطبيعي أن تؤدي إلى هيمنته على الســلطة القضائية , وبالتالي إلى : 

ـ التعدي على مبدأ استقلال السلطة القضائية التي يضمنها رئيس الجمهورية مع مجلس القضاء الأعلى وفق المادة /131/ من الدستور

ـ التعدي على مبدأ ســـيادة القانون التي تضمنها الدســتور كمبدأ أسـاســـي في المجتمع والدولة ( م25/2 ) .

في خطبة أمام مجلس الشورى الإيراني في آذار 2001 قال الرئيس الخاتمي : (( إن تجاوز السلطة التنفيذية على السلطة القضائية يؤدي إلى الديكتاتورية ))[xliv][44] .

ج ـ صلاحيات تعيين وإقالة :   لكل من :                    ـ نواب الرئيس , رئيس الوزراء , الوزراء , نواب الوزراء ( م/ 95 ) 

 ـ الموظفين المدنيين والعسكريين ( م/ 109 )

 ـ أعضاء المحكمة الدستورية ( م/ 139 )

إضافة إلى :
 ـ اعتماد رؤساء البعثات السياسية لدى الحكومات الأجنبية ( م/ 102 )

 ـ تشكيل الهيئات والمجالس واللجان المختصة ( م/ 114 ) 

ملاحظة : أضيف لاحقاً بمرسوم صدر عام 1980 :
 ـ قيادات المنظمات المهنية .

هذه الصلاحيات الواسعة لتعيين المسؤولين وإمكانية إقالتهم , كان من الطبيعي أن تخلق لدى أولئك المسؤولين ـ  خاصة إذا أوصلتهم مناصبهم إلى النعيم ـ الولاء المطلق لوليّ نعمتهم , والذي لا يهمه إلا الولاء الذي يضمن استمرار ولايته , مهما نتج عن ذلك من فساد .

د ـ صلاحيات عسكرية وأمنية :

 حيث رئيس الجمهورية هو :
 ـ القائد العام للجيش والقوات المسلحة ( م/ 103 ) 

 ـ يعلن الحرب والتعبئة العامة ويعقد الصلح ( م/ 100 )

 ـ يعلن حالة الطوارئ ويلغيها ( م/ 101 )

   ـ يسهر على احترام الدستور ويضمن :     = السير المنظم للسلطات العامة

 = بقاء الدولة ؟‍‍‍‍!  ( م 93/1 ) .

هـ ـ صلاحيات تنفيذية أخرى :

 ـ يمارس السلطة التنفيذية ( م 93/2 )

 ـ يصدر القوانين التي يقرها مجلس الشعب ( م/ 98 )

 ـ يصدر المراسيم والقرارات والأوامر ( م/ 99 )

 ـ يبرم المعاهدات والاتفاقيات الدولية ويلغيها ( م/ 104 )

 ـ يمنح الأوسمة ( م/ 106 )

 ـ يستفتي الشعب في القضايا الهامة ( م/112 )

ـ يصدر العفو الخاص ورد الاعتبار ( م/ 105 )

(( ويحيي العظام وهي رميم ))

وكان لا بد للرئيس الذي يتمتع بكل هذه الصلاحيات من أن يجد من يعتمد عليه لممارستها , فوجد المؤسسات التالية :

ـ الحزب القائد للدولة والمجتمع , بعد تصفية المعارضين والمنافسين وضمان الولاء المطلق .

ـ الجيش الذي من واجبه وفق الدستور حماية أهداف الثورة ( أي أمن السلطة ) , أيضاً بعد تصفية المعارضين والمنافسين المحتملين , وضمان الولاء المطلق .

ـ الجهاز الأمني الذي يضمن من خلاله ( بقاء الدولة ) تطبيقاً للدستور , هذا الجهاز الذي تمتع بصلاحيات كبيرة  في ظل الأحكام العرفية وحالة الطوارئ , وخاصة بعد أحداث الأخوان المسلمين , حيث بدأ ينمو في كافة مؤسـسات الدولة وجوانب المجتمع نمواً سـرطانياً , لينقلب مصطلح ( أمن الدولة ) الذي يعبر عن مهمة تلك الأجهزة , إلى ( دولة الأمن ) , وهو المصطلح الذي يعبر عن الواقع الذي وصلت إليه الدولة السورية .

 4 ــ مسؤولية رئيس الجمهورية ومحاكمته :

تنص المادة /91/ من الدستور على ما يلي :

ـ لا يكون رئيس الجمهورية مسؤولاً عن الأعمال التي يقوم بها في مباشرة مهامه إلا في حالة الخيانة العظمى .

ـ ويكون طلب اتهامه بناء على اقتراح من ثلث أعضاء مجلس الشعب على الأقل , وقرار من مجلس الشعب بتصويت علني , وبأغلبية ثلثي أعضاء المجلس بجلسة سرية خاصة .  

ـ لا تجري محاكمته إلا أمام المحكمة الدستورية العليا ( التي يعين هو أعضاءها وفق المادة 139 ) .

نذكر بأن رئيس الجمهورية كان مسؤولاً في حالتي الخيانة العظمى وخرق الدستور , وذلك في :

 ـ دستور عهد الانتداب

 ـ مشروع دستور حسني الزعيم

 ـ دستور 1950 . 

أما المحكمـة العلـيا فكانت :

ـ في دسـتور الملك فيصل : تتألف من ستة عشر عضواً , نصفهم من الشيوخ , ونصفهم من رؤساء محاكم التمييز , ويتم اختيارهم بالقرعة من الهيئة التي ينتمون إليها [xlv][45].

ـ في دستور عهد الانتداب : تتألف من خمسة عشر عضواً , ثمانية نواب ينتخبهم مجلس النواب في بداية كل سنة , وسبعة قضاة يشغلون أعلى مناصب القضاء , وتعينهم محكمة التمييز بهيئتها العامة كل سنة [xlvi][46].

ـ في دســـتور 1950 : تتألف من سـبعة أعضاء ينتخبهم مجلـس النواب لمدة خمس سنوات , وينتخب هؤلاء رئيس المحكمة العليا [xlvii][47].

ـ في الدســتور الحـالي : تتألف من خمسة أعضاء يكون أحدهم رئيساً يسميهم رئيس الجمهورية بمرسوم ( م/ 139 ) .

من التاريخ :

بعد أن انتحل نابليون لقب إمبراطور , رسم على النقود التي ضربت في السنوات الأربع من عهده الإمبراطوري العبارة التالية :

(( إمبراطور وفق الدستور ))[xlviii][48] .

2ً ــ ج : الدستور والتشريعات السابقة

تنص المادة /153/ من الدستور على ما يلي : تبقى التشريعات النافذة والصادرة قبل إعلان هذا الدستور سارية المفعول إلى أن تعدل بما يوافق أحكامه .

هذه المادة فتحت المجال لتطبيق كافة القوانين والتشريعات السابقة للدستور , وأهمها قانون الطوارئ والأحكام العرفية , والتي لم تعدل بما يوافق أحكام الدستور بعد صدوره بثلاثين عاماً وبعد صدورها بأربعين عاماً . هذه التشريعات والتي تهدف بشكل أساسي إلى الحفاظ على أمن السلطة , تتيح للسلطات التنفيذية , وخاصة الأمنية منها , الإمساك والتحكم بكافة مقاليد الأمور في البلاد , والهيمنة على السلطة التشريعية والقضائية والتعدي على الدستور نفسه , وخاصة ما ورد فيه في فصل ( الحريات والحقوق والواجبات العامة ) .

من أهم هذه التشريعات :

ـ إعلان حالة الطوارئ والأحكام العرفية : بالأمر العسكري رقم /2/ تاريخ 8 آذار 1963 , وهو يوم الانقلاب الذي أوصل البعث إلى السلطة .

ـ قانون الطوارئ : الذي صدر بالمرسوم التشريعي رقم / 51 / تاريخ 22 / 12 / 1963 .

ـ   قانون حماية الثورة : الذي صدر بالمرسوم التشريعي رقم /6/ تاريخ 7/1/1965 , وتضمن عقوبات تصل إلى الأشغال الشاقة مدى الحياة , على مخالفة أوامر الحاكم العرفي والقيام بالتظاهرات أو التجمعات أو أعمال الشغب والتحريض عليها , أو نشر البلبلة وزعزعة ثقة الجماهير بأهداف الثورة .

ـ قانون إحداث المحاكم العسكرية : بموجب المرسوم التشريعي رقم /109/ تاريخ 17/8/1968, هذه المحاكم يشكلها وزير الدفاع , ويقرر الجرائم الداخلة في اختصاصها ( ضمناً الجرائم السـياسية ) , ويصدق أحكامها وكلها غير قابلة للطعن ( عقوبة الإعدام تصدق من رئيس الجمهورية ) , ولكلاهما ( الرئيس ووزير الدفاع ) الحق في تخفيف العقوبة أو إبدالها أو إلغائها أو حفظ الدعوى  أو إعادة المحاكمة أو وقف تنفيذ العقوبة .

ـ قانون إحداث محكمة أمن الدولة : بموجب المرسوم التشريعي رقم /47/ تاريخ 28/3/1968, حيث حلت محل ( المحكمة العسكرية الاستثنائية ) . ومن أهم الجرائم التي تنظر فيها هذه المحكمة :

1ـ الأفعال التي تعتبر مخالفة لتطبيق النظام الاشتراكي سواء أوقعت بالفعل أم بالقول أم بالكتابة  أم بأي وسيلة من وسائل التعبير والنشر .

للمقارنة : المادة /38/ من الدستور الحالي تتضمن : ( لكل مواطن الحق في أن يعبر عن رأيه بحرية وعلنية بالقول والكتابة وكافة وسائل التعبير الأخرى , وأن يساهم في الرقابة والنقد البناء بما يضمن سلامة البناء الوطني والقومي , ويدعم النظام الاشتراكي , وتكفل الدولة حرية الصحافة والطباعة والنشر وفقاً للقانون ) .

2 ـ الجرائم المخالفة للمراسيم التشريعية ذات العلاقة بالتحويل الاشتراكي .

3 ـ مخالفة أوامر الحاكم العرفي .

4 ـ مناهضة تحقيق الوحدة بين الأقطار العربية , أو مناهضة أي هدف من أهداف الثورة أو عرقلتها , سواء أكان ذلك بالتظاهرات أو بالتجمعات أو أعمال الشغب أو التحريض عليها , أم بنشر الأخبار الكاذبة بقصد البلبلة وزعزعة ثقة الجماهير بأهداف الثورة .

للمقارنة :  المادة /39/ من الدستور الحالي تتضمن : ( للمواطنين حق الاجتماع والتظاهر سلمياً في إطار مبادئ الدستور , وينظم القانون ممارسة هذا الحق ) .

ملاحظة : توسع اختصاص محكمة أمن الدولة بعد صدور قانون أمن حزب البعث العربي الاشتراكي  رقم /53/ تاريخ 8/4/1979 , وقانون الانتساب إلى تنظيم الإخوان المسلمين رقم /49/ تاريخ 8/7/1980 .

مع العلم أن أحكام محكمة أمن الدولة لا تقبل الطعن , ولا تصبح نافذة إلا بعد التصديق عليها بقرار من رئيس الدولة , الذي له حق إلغاء الحكم مع حفظ الدعوى , وحق إلغاء الحكم مع الأمر بإعادة المحاكمة , وتخفيض العقوبة وتبديلها بأقل منها , وقراره في هذا الشأن لا يقبل أي طريق من طريق المراجعة [xlix][49]

ـ قانون إحداث إدارة أمن الدولة : صدر بالمرسوم التشريعي رقم /14/ تاريخ 15/1/1969 , ومن أهم مواده :

= المادة /16/ : لا يجوز ملاحقة أي من العاملين في الإدارة عن الجرائم التي يرتكبونها أثناء تنفيذ المهمات المحددة الموكولة إليهم , أو في معرض قيامهم بها , إلا بموجب أمر ملاحقة يصدر عن المدير .

= المادة /30/ : لا ينشر هذا المرسوم , ويعمل به اعتباراً من تاريخ صدوره .

ـ قانون التنظيمات الداخلية لإدارة أمن الدولة : صدر بالمرسوم التشريعي  رقم /549/ تاريخ 12/5/1969 . من أهم مواده :

= المادة /74/ : لا يجوز ملاحقة أي من العاملين في إدارة أمن الدولة , أو المنتدبين إليها أو المعارين إليها أو المتعاقدين معها , مباشرة أمام القضاء , في الجرائم الناشئة عن الوظيفة , أو في معرض قيامه بها , قبل  احالته إلى مجلس التأديب في الإدارة , واستصدار أمر ملاحقة من المدير .

= المادة /101/ : لا ينشر هذا المرسوم ويعتبر نافذاً من تاريخ نفاذ المرسوم /14/ تاريخ 15/1/1969 .

 2ً ـ د : الدســـتور الســـوري والأكراد

إضافة إلى كل ما ذكرناه عن هيمنة الطابع القومي على الدستور وفق عقيدة البعث , نضيف بأن هذا الطابع هو ذو نزعة شوفينية واضحة , فلا نجد في الدستور أي إشارة لوجود الأكراد أو أية أقليات قومية في سوريا التي تتميز بالتنوع العرقي والقومي , بل المواطنون في الجمهورية العربية السـورية , وفقاً للدستور , هم فقط العاملون من أجل تحقيق الوحدة العربية الشاملة ( م/ 1 ) .

 ويكتفي الدستور بالقول : المواطنون متسـاوون أمام القانون في الحقوق والواجبات ( م 25/3 ) , وتكفل الدولة مبدأ تكافؤ الفرص بين المواطنين ( م 25/4 ) .

تجلّت هذه النزعة على أرض الواقع من خلال العديد من الممارسات الشوفينية للسلطة وأجهزتها الأمنية حيال الشعب الكردي , كمنع استخدام اللغة الكردية في الأماكن الرسمية , تعريب أسماء القرى والمناطق الكردية , حرمان الأكراد من الوظائف والمسؤوليات الهامة المدنية والعسكرية ، طرد الكثير من الطلبة والعمال الأكراد من وظائفهم , ومحاربة أي مظهر من مظاهر الثقافة الكردية والخصوصية الكردية , وحصر التعامل مع أي جانب يتعلق بالقضية الكردية بالأجهزة الأمنية .

للمقارنة  : نذكر أن الدستور العراقي الصادر في 16/7/1970 ( بعد حوالي أربعة أشهر من اتفاقية الحكم الذاتي في 11/3/1970) نصّ على ما يلي :

ـ المادة 5 / الفقرة ب : إن شعب العراق يتكون من قوميتين رئيسيتين هما القومية العربية والقومية الكردية . ويقر هذا الدستور حقوق الشعب الكردي القومية , والحقوق القومية المشروعة للأقليات كافة ضمن الوحدة العراقية .

ـ المادة 7 / الفقرة ب : تكون اللغة الكردية لغة رسمية إلى جانب اللغة العربية في المنطقة الكردية .

كما يرد في المادة /28/ : من ضمن أهداف التعليم خلق جيل (( يتحسس بحقوق قومياته كافة ... ))[l][50] .

كما أن المادة /153/ من الدستور السوري التي أبقت على التشريعات السابقة للدستور سارية المفعول , أبقت على أسوأ القوانين التي طبقت على الشعب الكردي وهو ما عرف باسم :

قانون الإحصاء : الصادر بالمرسوم التشريعي رقم /93/ تاريخ 23/8/1962 , والقاضي بإجراء إحصاء سكاني في محافظة الحسكة فقط , تحت ذريعة معرفة السوريين من غير السوريين , وقد تضمن هذا المرسوم :

ـ مادة /1/ : يجري إحصاء عام للسكان في محافظة الحسكة في يوم واحد يحدد تاريخه بقرار من وزير التخطيط بناء على اقتراح وزير الداخلية .

ـ مادة /6/ : عند الانتهاء من عملية إحصاء السكان في محافظة الحسكة , تشكل لجنة عليا بمرسوم جمهوري بناء على اقتراح وزير الداخلية لدراسة نتائج الإحصاء , وتقرير تثبيتها في سجلات الأحوال المدنية الجديدة أو عدمه , وإعداد التعليمات لذلك .

وأجري الإحصاء في يوم 5/10/1962 ونتج عنه تجريد ( 60000) مواطن كردي من حق الجنسية السورية , واعتبروا ( أجانب أتراك ) وتم تعديل هذه التسمية إلى ( أجانب سوريين ) وفق المرسوم رقم /276/ لعام 1969 المتعلق بقانون الجنسية .

من المفارقات  : أن  رئيس الأركان العامة في سوريا سابقاً الجنرال توفيق نظام الدين تحول إلى أجنبي وفق هذا الإحصاء , كما تحولوا إلى أجانب أفراد عائلة إبراهيم باشا الملي , والتي كان عميدها أحد الأعضاء المؤسـسين في المجلس التأسيسي للبرلمان السوري في عام 1928 ( الجمعية التأسيسية ) [li][51].

ومن المشاريع الشوفينية الهامة ( السابقة للدستور ) التي طبقت بحق الشعب الكردي ما عرف باسم ( مشروع الحزام العربي ) , والذي كان من بين المقترحات التي وردت في ( دراسة عن محافظة الجزيرة من النواحي القومية ـ الاجتماعية ـ السياسية ) للملازم أول محمد طلب هلال , رئيس الشعبة السياسية بالحسكة , قدمت إلى الجهات العليا في دمشق بتاريخ 12/11/1963 , وضمنت دعوة لطرد الأكراد من وطنهم , وإحلال عرب محلهم وذلك في منطقة تمتد بطول 250 ـ 350 كم وعرض 20 ـ35 كم  . وتم البدء بتطبيقه منذ عام 1966 .

تضمن المقترح العاشر من مقترحات محمد طلب هلال في دراسته المذكورة (( إنشاء مزارع جماعية للعرب الذين تسكنهم الدولة في الشريط الشمالي على أن تكون هذه المزارع  مدربة ومسلحة عسكرياً كالمستعمرات اليهودية على الحدود تماماً )) [lii][52].

معلومة : أصبح محمد طلب هلال بعد انقلاب 8 آذار 1963 عضواً في القيادة القطرية لحزب البعث ووزيراً للتموين , ثم سـفيراً لسـوريا  في بولونيا [liii][53].

رابعاً : نتائج ومقترحات

ثلاثون عاماً تقريباً مضت على وضع الدستور الحالي , جرت خلالها تحولات كبيرة , على مستوى العالم بدءاً من انهيار تجربة الأنظمة الاشتراكية , والتي كان غياب الديمقراطية سببها الجوهري , وصولاً إلى العولمة بكافة تجلياتها . وعلى المستوى الداخلي حيث وصلت البلاد إلى حالة مأساوية أهم عناوينها : الاستبداد ـ التخلف ـ الفقر ـ الفساد ... كان للدستور والنظام السياسي الذي يتضمنه المسؤولية الأولى عنها .

وأصبح من البديهي القول بأن الدستور الحالي أصبح متخلفاً عن واقع العصر, ويحتاج إلى إصلاح كمنطلق لإصلاح سياسي يعتبر الجانب الأكثر أولوية وجوهرية في عملية إصلاح المجتمع الذي أصبح ضرورة لا بد منها . إصلاح جذري دافعه مصلحة الشعب , وليس تغييراً شكلياً مسرحياً دافعه مصلحة فردية آنية .

إصلاح دستوري يهدف إلى الوصول إلى دستور يتميز بسمات أهمها :

1 ـ تكون فيه السيادة للشعب فعلاً , لا لحزب أو فئة أو فرد .

2 ـ يقوم على مبدأ التداول السلمي للسلطة عبر انتخابات ديمقراطية حقيقية , لا على أساس احتكار أبدي للسلطة , وانتخابات صورية واستفتاءات لمرشح وحيد ناجح سلفاً بنسبة تتجاوز 99 % .

3 ـ يضمن تعددية سياسية فعلية , لا هيمنة للحزب القائد وعقيدته العصماء .

4 ـ تكون فيه التنظيمات الجماهيرية والنقابات مؤسسات مجتمع مدني حقيقية , وليست مؤسسات سلطوية .

5 ـ يؤمن المساواة الفعلية للمواطنين , وتكون فيه الكفاءة طريق المسؤولية , وليس الانتماء أو الولاء .

6 ـ يقوم على أساس فصل السلطات , وضمان استقلالية السلطة القضائية وسيادة القانون .

7 ـ يقر بوجود الشعب الكردي وبحقوقه المشروعة , وبالتنوع القومي والاثني للشعب السوري .

8 ـ يتبنى حقوق الإنسان المدنية والسياسية , الاقتصادية والاجتماعية ... الخ , وفق المواثيق الدولية .

ولا بد أولاً من العمل على تحقيق مبدأ سيادة الدستور , وذلك بإلغاء كافة التشريعات السابقة للدستور والمتناقضة معه , أهمها حالة الطوارئ والأحكام العرفية , إضافة إلى إلغاء كافة التشريعات والمحاكم الاستثنائية .

خامـساً : خـاتـمة

ختاماً لابد من التأكيد على أن التحول نحو الديمقراطية كتعبير عن نظام سياسي جديد , لا بدّ أن يكون بأساليب سلمية وديمقراطية . ولا بدّ للإصلاح الدستوري المنشود أن يكون بأساليب دستورية .

فالأساليب الثورية العنيفة لم تنتج ولن تنتج سوى أنظمة دكتاتورية مستبدة .

* باحث ســوري

المصـــادر :

 [i][1]- د. كمال غالي , مبادئ القانون الدستوري والنظم السياسية , ص7.

 [ii][2] ـ مجموعة مؤلفين , شريعة حمورابي وأصل التشريع في الشرق القديم , ترجمة أسامة سراس , ط1- 1988 , ص5.

[iii][3] - المصدر السابق , ص17ـ23.

[iv][4] - د. محمد كامل عياد , تاريخ اليونان , ص259.

[v][5] - المصدر السابق , ص26.

[vi][6] - أرسطو , دستور الأثينيين , ترجمة اوغسطينس بربارة , ص23.

[vii][7] - د.محمد كامل عياد , مصدر سابق , ص236.

[viii][8] - أرسطو , مصدر سابق , المقدمة .

[ix][9] - حسن إبراهيم أحمد , الطريق إلى الديمقراطية , مجلة الطريق - العدد 3- 1996 , ص31.

[x][10] - فرج فودة , الحقيقة الغائبة , ط3- 1988, ص27.

[xi][11] - د. كمال غالي , مصدر سابق , ص74.

[xii][12] - د. سعد عصفور , القانون الدستوري , ص237.

[xiii][13] - حسن إبراهيم أحمد , مصدر سابق , ص32.

[xiv][14] - جان جاك روسو , الحكومة المدنية والعقد الاجتماعي ,

[xv][15] - د. جورج جبور , العروبة ومظاهر الانتماء الأخرى في الدساتير الراهنة للأقطار العربية , ص14.

[xvi][16] - حسن إبراهيم أحمد , مصدر سابق , ص33.

[xvii][17] - برهان غليون , التحولات الديمقراطية ودور النخبة الثقافية في العالم العربي ,

[xviii][18] - د. أمين اسبر , الأنظمة السياسية في البلدان العربية ,

[xix][19] - دستور اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية 1977, ص8.

[xx][20] - عارف الحمصاني , محاضرات في النظم السياسية والقانون الدستوري , ص121.

[xxi][21]  - المصدر السابق , ص122.

 [xxii][22] - د. كمال غالي , مصدر سابق , ص535.

 [xxiii][23] - د. رضوان زيادة , المأزق السياسي وإشكالية التعثر الديمقراطي في سوريا , منتدى الحوار الوطني 7/2/2001, ص3.

 [xxiv][24] - المصدر السابق , ص3.

 [xxv][25] - د. كمال غالي , مصدر سابق ,ص543.

 [xxvi][26] - د. رضوان زيادة , مصدر سابق , ص4.

 [xxvii][27] - المصدر السابق , ص5.

 [xxviii][28] - باتريك سيل , الأسد- الصراع على الشرق الأوسط , ص105.

 [xxix][29] - المصدر السابق , ص126.

 [xxx][30] - المصدر السابق , ص165.

 [xxxi][31] - المصدر السابق , ص178.

 [xxxii][32] - د.رضوان زيادة , مصدر سابق , ص3.

 [xxxiii][33] - باتريك سيل , مصدر سابق , ص279.

 [xxxiv][34] - د.جورج جبور , مصدر سابق , ص39.

 [xxxv][35] - الدستور الاشتراكي لجمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية 1972.

 [xxxvi][36] - د.جورج جبور , مصدر سابق , ص70.

 [xxxvii][37] - باتريك سيل , مصدر سابق , ص532- 534.

 [xxxviii][38] - هيثم مناع ,

 [xxxix][39] - شمس الدين كيلاني , عسر الانتقال إلى الديمقراطية , الآداب  3- 4 / 2001 .

 [xl][40] - د.محمد كامل عياد , مصدر سابق , ص232-233.

 [xli][41] - د. برهان غليون , مصدر سابق ,

 [xlii][42] - د. عبد الرزاق عيد , البعث حزب سلطة هامشي ... , ص20.

 [xliii][43] - د. سعد عصفور , مصدر سابق ,

 [xliv][44] - د. مصطفى أمين , دولة القانون , الطريق- العدد 4 , تموز- آب 2001 .

 [xlv][45] - د. كمال غالي , مصدر سابق , ص529.

 [xlvi][46] - المصدر السابق , ص539.

 [xlvii][47] - المصدر السابق , ص548.

 [xlviii][48] - م. جمال الهيثم نعال , الحريات الديمقراطية- حقوق الإنسان وأزمة القضاء في الدستور السوري , ص1.

 [xlix][49] - المصدر السابق , ص19- 20.

 [l][50] - د. جورج جبور , مصدر سابق ,

 [li][51] - صلاح بدر الدين , غرب كردستان ط1/2000 , ص31.

 [lii][52] - المصدر السابق , ص86.

 [liii][53- المصدر السابق , ص69.


 

 

 

 

 

Veger 

zurck

الرجوع 

   Kurdistana Bixet                                        Syrische Kurdistan                                    كردستان سوريا