الدستور السوري
تقرير ....مركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية
قـراءة في الدســـتور الســـوري
بقلم : جـان حبـش*
أولاً : مقدمة (( تعريف الدستور ))
للدستور تعاريف عديدة يمكن أن نستخلص منها التعريف التالي :
هو القانون الأساسي الذي يحدد الشكل العام للدولة وينظم قواعد الحكم ويوزع السلطات ويبين اختصاص كل منها , ويبين واجبات وحقوق مواطنيها .
وكلمة دستور فارسية المنبت وتعني القاعدة التي يعمل بمقتضاها , كما تعني الدفتر الذي تجمع فيه قوانين الملك وضوابطه [i][1].
ويجب أن يكون للدستور وضعاً مميزاً عن باقي القوانين , حيث يجب أن يكون بمنأى عن خطر الأهواء والفورات الوقتية .
وكافة القوانين الأخرى التي تصدر يجب أن تخضع للقاعدة الدستورية , أي أن لا تتعارض مع الدستور , وكل قانون يتعارض معه يجب الحكم بإبطاله .
ثانياً : تاريخ القوانين والدسـاتير
1 ـ في الشرق القديم :
منذ ظهور التجمعات البشرية الأولى وتوزيع العمل , ظهرت أعراف وتقاليد تنظم العلاقات بين أفراد هذه التجمعات , وقد تطورت تلك التقاليد لتصبح قوانين وشرائع مع تطور المجتمعات وظهور المدن والممالك القديمة .
وقد اكتشف علماء الآثار الكثير من القوانين المكتوبة في مناطق الشرق القديم , تعود إلى مراحل وحضارات تاريخية مختلفة , من بابلية – حثية – أكادية – عبرية ... الخ , يعود أقدمها إلى عام 2360 ق.م .
إلا أن قوانين حمورابي ملك بابل الذي حكم من عام 1792 إلى عام 1750 ق.م , تعتبر أول مجموعة شاملة من النصوص القانونية التي تم اكتشافها .
(( وتشكل شرائع الشرق القديم أول شرائع مكتوبة في تاريخ البشرية , وضعت لتنظم العلاقات بين الأفراد على أساس من العدل والمساواة , كما تعتبر الهيئات القضائية وتنظيماتها في حواضر الشرق القديم , أول محاولة لتنظيم المؤسسات الحقوقية في مجتمع المدينة الذي أخذ شكله الأول في هذه المنطقة )) [ii][2].
رغم تعرض تلك الشرائع لكثير من جوانب الحياة الاجتماعية آنذاك , وتنظيمها لبعض جوانب أعمال القضاة والقادة الإداريين , إلا أنها لم تتعرض إلى أشكال الحكم وصلاحيات الحكام الذين كانوا يعتبرون آلهة أو من طبيعة إلهية , وهذا ما نجده لدى فراعنة مصر , وملوك الهند والصين واليابان وكذلك لدى الرومان واليونان في بعض العصور القديمة .
يقول حمورابي في مقدمة شريعته قبل أكثر من 3750 عام ( وكأنه ينطق بلسان حال الكثير من الحكام في تاريخنا وواقعنا ) :
(( أنا حمورابي الراعي .. أنا الملك ذو السطوة .. أنا الجبار .. أنا الظل الحامي للأرض .. أنا من يمسك برقاب الأعداء .. أنا الحاكم المستغرق في الحكمة , المتحمل لمسؤولية الحكم .. أنا حامي الشعب من الفناء .. أنا الأول بين الملوك .. أنا راعي الشعب .. أنا من ينير درب الحقيقة ويرشد الشعب إلى جادة الصواب .. أنا مذل العصاة .. أنا الملك الذي طيع أركان العالم الأربع .. قمت بإحقاق الحق و العدل في أرجاء الأرض وقمت بإسعاد الشعب .. )) [iii][3].
ومع تطور المجتمعات الشرقية , ونشوء الدول والممالك والإمبراطوريات القديمة تطورت القوانين , وبدأت تتطرق إلى بعض جوانب الحكم وأشـكاله , خاصة في بلاد فارس أثناء حكم دارا ( 521 ـ 486 ق.م ) ذلك الملك الذي (( تمكن من بسط سيطرته على إمبراطورية شاسعة , صارت تخضع لسيد واحد , وتتبع إدارة مركزية واحدة , وتنتشر فيها ديانة رسمية واحدة هي الزرادشتية ولغة مشتركة هي الآرامية )) [iv][4].
2 ـ في اليونان :
أما في اليونان القديمة حيث كان المجتمع أكثر تطورا , عرفت بعض المدن اليونانية أنظمة حكم متطورة , يذكر د. محمد كامل عياد في كتابه ( تاريخ اليونان ) أنه منذ سنة 681 ق.م كان يقوم على حكومة أثينا ثلاثة رؤساء هم الحاكم , الملك , والقائد , وكانوا يتوزعون مهام الحكم , ثم أضيف إليهم ستة مشرعين عهد إليهم كما يقول أرسطو (( تسجيل الأحكام والمقررات التي لها صفة قانونية وحفظها حتى يرجع إليها في فصل الاختلافات )) . وبعد فترة تألف من هؤلاء مجلس الحكام التسعة الذي كان يدير شؤون الحكومة , كان هؤلاء الحكام بعد انقضاء مدة عملهم يصبحون بصورة آلية أعضاء في مجلس الشيوخ الذي يقوم بالمحافظة على القوانين وإدارة شؤون الدولة , ويتولى انتخاب الرؤساء الثلاثة وباقي الموظفين [v][5].
ويذكر أرسطو أنه تم تدوين القوانين لأول مرة في عهد ( أذراكن ) حوالي 620 ق.م . إلا أن أول دستور فعلي كان الدستور الذي وضع من قبل ( صولون ) الذي انتخب حاكما على أثينا عام ( 592 ق.م ) والذي يمكن التوقف عنده بشيء من التفصيل :
حينما أنتخب صولون الحكيم والشاعر حاكما على أثينا قام باتخاذ الإجراءات التالية :
1ـ بدأ بإعلان العفو العام لتصفية آثار الماضي .
2ـ سمح للمنفيين بالرجوع إلى وطنهم وأعاد إليهم الحقوق المدنية ( عدا المحكومين بجرائم القتل ) .
3ـ ألغى جميع الديون , سواء كانت للأفراد أم للدولة , وأعاد الأملاك المرهونة إلى أصحابها , وحرر الأفراد الذين كانوا قد أصبحوا أقنانا مرتبطين بالأرض بسبب عجزهم عن دفع ديونهم . وأصدر قانونا يحرم استعباد أي شخص في المستقبل مقابل دين يعجز عن تسديده .
4ـ قام بإصلاحات اقتصادية وضريبية واسعة حيث قسم المجتمع إلي أربع طبقات حسب الدخل وفرض الضريبة وفق ذلك .
5ـ أوجد مجلس الأربعمائة الذي ينتخب من قبل القبائل الأربع في أثينا ( لكل قبيلة 100 ) ومهمة هذا المجلس هي تهيئة المشاريع التي يجب عرضها على مجلس الشيوخ .
6ـ قام بإحياء مجلس الشعب الذي يشترك جميع المواطنين في مناقشاته , وعهد إليه مهمة انتقاء الحكام حيث كانوا ينتخبون سابقا من قبل مجلس الشيوخ . وكان جميع الموظفين مسؤولين تجاه هذا المجلس الذي يستطيع معاقبة أي موظف , ويحق له أن يحاسب الحكام والقواد عند انتهاء مدة عملهم , وأن يحرمهم من أن يصبحوا أعضاء في مجلس الشيوخ .
7ـ أسس مجلس المحلفين الذي يتألف من ستة آلاف عضو , ينتقون بالقرعة من جميع الطبقات والذي ينقسم إلى محاكم متعددة تنظر في جميع القضايا عدا حوادث القتل . ويحق لهذا المجلس أن ينظر في كل اعتراض على أي عمل من أعمال الموظفين .
وقد نقشت شرائع صولون على لوحات مثلثة تدور على محور وتم وضعها في الرواق الملكي حيث كان يجلس الحاكم والملك للقضاء وأقسموا جميعاً بأن يتقيدوا بها [vi][6].
وهكذا أصبحت إدارة الدولة منذ ذلك الوقت خاضعة لقوانين مكتوبة ثابتة , بعد أن كانت بسير حسب أوامر وقرارات ارتجالية .
في سنة 572 ق. م اعتزل صولون منصب الحاكم بعد تقلده لمدة ( 22 عاما ) , وقد سئل صولون مرة : كيف تكون الحكومة الصالحة ؟ فأجاب : عندما يطيع الشعب حكامه ويطيع الحكام القوانين [vii][7].
بعد حوالي 250 عاما ً من اعتزال صولون نجد في دستور أثينا في عهد أرسطو تطوراً كبيراً , حيث أصبح الدستور شاملاً لجميع جوانب الحياة والحكم و الإدارة والقضاء , كما يتضح من العناوين التالية الواردة في دستور أثينا لأرسطو :
بعض صلاحيات الحكام ـ صلاحيات رئيس المجلس ـ صلاحيات مجلس الشيوخ ـ الشؤون المالية ـ المحصلون والمحاسبون ـ الخيالة ـ سلطات الأمن ورقابة الأسواق ـ وكلاء الأسواق والتموين ـ صلاحيات الأحد عشر وقضاة الصلح ـ القضاة الأربعون والمحكمون ـ الحكام التسعة ـ الحاكم الأول ـ الملك ـ قائد الحرب ـ المشرعون ـ مد راء الألعاب ـ قادة الجيش ـ رواتب السلطات ـ محافل القضاة ـ تعيين رؤساء المحاكم ـ جلسات المرافعة ـ جلسة الاقتراع ـ فرز الأصوات وأخذ الراتب .
مع العلم أن ( دستور الأثينيين ) هو الدستور الوحيد الذي وصلنا من أصل 158 دستور يقال أن أرسطو وضعها عن دول الإغريق [viii][8] .
وهكذا وضع اليونانيون أسس الديمقراطية التي تعتبر أن الشعب هو مصدر السلطات , والحكام مسؤولون أمام الشعب , وأصبحت أثينا رمزاً للدولة الديمقراطية .
ويجب الانتباه إلى أن تلك الديمقراطية كانت تنسجم مع واقع المجتمع اليوناني آنذاك , حيث كانت تفتقر إلى المساواة , فإضافة إلى العبيد كان الأحرار في المجتمع الأثيني ينقسمون إلى أربع طبقات حسب دخلهم السنوي , وكانت الوظائف توزع على الأفراد حسب انتماءهم إلى إحدى الطبقات .
3 ـ في روما :
كما عرف المجتمع الروماني أيضاً تطوراً كبيراُ في إطار الحياة السياسية , حيث عرفت الدولة الرومانية الكثير من المجالس والهيئات التي تنظم حياة الناس مثل : مجالس العشرة , مجالس المائة , الجمعية القبلية , ومجلس الشيوخ الذي كان يعتبر صاحب أعلى سلطة في روما .
يذكر ( ول ديورانت ) في ( قصة الحضارة ) أن مجالس المائة كانت تختار كبار الحكام , وتنظر في الإجراءات التي يعرضها عليها الموظفون أو مجلس الشيوخ فتجيزها أو ترفضها , وتنظر فيما يرفع إليها من استئناف للأحكام التي يصدرها كبار الحكام . ويذكر أيضاً أن الجمعية القبلية التي اعترف مجلس الشيوخ بحقوقها التشريعية عام ( 287 ق. م ) أصبحت هي مصدر الشرائع الخاصة في روما منذ عام ( 200 ق. م ) [ix][9].
4 ـ في المجتمعات الدينية :
كان لظهور الديانات التوحيدية وانتشارها أثراً مزدوجاً على الحياة السياسية في المجتمعات . فمن ناحية كان لها أثراُ إيجابيا على تشكيل الدولة وتطويرها تاريخياً , ولكنها من ناحية أخرى كرّست المرجعية الإلهية للسلطة حيث أعطت صلاحيات مطلقة للحاكم الذي يحكم مدى الحياة بمقتضى أمر الهي ولا يسأل إلا أمام الله .
تذكر كتب التاريخ الإسلامي عن عثمان بن عفان أنه حينما ساءت أحوال الناس في عهده وجاءه بعضهم يطالبونه بالتنحي عن الخلافة أجابهم بقوله الشهير : (( والله لا أنزع ثوباً سربلنيه الله )) [x][10].
وجاء في خطبة للخليفة العباسي المنصور : (( أيها الناس , إنما أنا سلطان الله في أرضه , أسوسكم بتوفيقه وتسديده وتأييده , وحارسه على ماله , أعمل فيه بمشيئته وإرادته وأعطيه بإذنه , فقد جعلني الله عليه قفلاً , إن شاء أن يفتحني فتحني لإعطائكم وقسم أرزاقكم , وإن شاء أن يقفلني عليها قفلني .. )) [xi][11].
وجاء في مذكرات لويس الرابع عشر (( السلطة المخولة للملوك هي بتفويض من العناية الإلهية , فالله ــ لا الشعب ــ هو مصدر السلطة ولا يسأل الملوك عن مباشرة سلطتهم إلا أمام الله الذي خولهم إياها )) [xii][12].
وأعلن غليوم الثاني إمبراطور ألمانيا سنة 1926 : (( إن الملك يحكم بمقتضى حق الهي , فلا يسأل إلا أمام الله )) .
ومن المعروف أن سيطرة الكنيسة على مقاليد الأمور في أوروبا أنتجت عصور الانحطاط , ولم تبدأ النهضة الأوربية إلا بعد البدء بالإصلاح الديني في القرن الخامس عشر .
5 ـ في العصور الأوربية الحديثة :
عرفت العصور الأوربية الحديثة تطوراً كبيراً في مختلف مجالات الحياة العلمية , الاقتصادية , الاجتماعية , الدينية , والفكرية , والتي انعكست بالنتيجة على مجال الحياة السياسية .
حيث كان ظهور الآلة ودخولها إلى الصناعة , وما أدت إليه من تطور اقتصادي كبير ونشوء البرجوازية الأوربية وتطورها وصراعها مع الإقطاع , والإصلاح الديني المرافق لهذا الصراع . كل هذا أدى إلى تعزيز أسس العلمنة والعقلانية في المجتمع الأوروبي بعد الصراع الطويل مع الكنيسة وتحييدها .
هذه التطورات رافقها تطور تاريخي في الوعي الأوربي , بدأ بالقرن الرابع عشر مع عصر الإحياء , حيث تم البدء بعملية إحياء التراث الأوربي القديم وضمناً التجارب والإنجازات الديمقراطية اليونانية والرومانية . ثم عصر الإصلاح الديني في القرن الخامس عشر , وعصر النهضة في القرن السادس عشر , وعصر العقلانية في القرن السابع عشر , وعصر التنوير في القرن الثامن عشر ...الخ [xiii][13]. وعلى الصعيد الفكري نلاحظ التطور المتلاحق لنظرة المفكرين الأوربيين إلى مواضيع السلطة السياسية , وأشكال الحكم وصلاحيات الحكام ودور الشعب ...الخ .
فلدى توماس هوبز الفيلسوف الإنكليزي , نلاحظ تحول الحكم المطلق من طابعه الإلهي الطبيعي إلى الطابع الاصطناعي القائم على التعاقد , حيث يتعاقد الناس الذين كانوا يعيشون في حالة الفطرة المساوية لحالة الفوضى والاضطراب , فيما بينهم بتنازلهم عي كامل حقوقهم لحاكم ذو سلطة مطلقة ( اله اصطناعي ) .
بالرغم من اتهام هوبز بصياغة نظريته على نحو يرسخ الحكم المطلق والاستبداد والتعسف , نتيجة ارتباطه الوثيق بالأسرة المالكة في إنكلترا وصداقته للملك شارل الثاني , إلا أن نظريته كانت على المسـتوى الفكري خطوة كبيرة وهامة , فتحت المجال أمام العمل على تقييد صلاحيات الحكام لاحقاً , وذلك بإنزال مصدر السلطة من السماء إلى الأرض .
أما جون لوك فيرى أن الناس الذين كانوا أحرارا متساوين في حالة الفطرة وفق القانون الطبيعي , تنازلوا عن جزء من حقوقهم للحاكم وفق عقد أو دستور , تصبح فيه السلطة وديعة لدى الحاكم , يؤتمن عليها لمصلحة الشعب الذي يحق له سحبها منه وإيداعها لدى حاكم آخر .
أما لدى جان جاك روسو فالفرد يتنازل في العقد الاجتماعي عن كامل حقوقه للمجتمع ليكسبها حقوقاً وحرياتاً مدنية , عن طريق المساهمة في تكوين الإرادة العامة , فالشعب هو مصدر السيادة ومالكها , والسـيادة تكمن في الإرادة الشـعبية . يقول روسـو : (( المجتمع السياسي ما هو إلا عقد حقيقي بين الشعب والحكام الذين يختارهم , عقد يلتزم كلا طرفيه بالخضوع للقوانين التي نص عليها , والتي تشكل رباط اتحادهم )) [xiv][14].
كان لنظرية العقد الاجتماعي , والتي تعتبر من المصادر الفكرية الأساسية للمذهب الفردي الحر , تأثير فعال في فكر رجال الثورة الفرنسية , والذي انعكس لاحقاً بالدساتير الصادرة التي قامت على أساس حرية الفرد .
وقد ظهرت أول وثيقة دســتورية هامة في فرنســـا في عام الثورة الفرنسـيـة 1789 , وأقرتها الجمعية التأسـيســية وعرفت باسـم (( إعلان حقوق الإنسان والمواطن )) ثم أقرت الجمعية أول دستور بالمعنى المتعارف عليه عام 1791 .
أما في إنكلترا فتعود أول وثيقة دستورية إلى عام 1215 وهي العهد الأعظم (magna charta) التي قيدت بعض تصرفات الملك .
إلا أن أول دستور بالمعنى الحديث للكلمة ـ حسب رأي غالبية الفقهاء الدستوريين ـ هو دستور الولايات المتحدة الأمريكية عام 1776 وهو دستور الكونفدرالية , ثم دستور الفدرالية الذي وضع عام 1787 . [xv][15]
إن التطورات في مختلف مجالات الحياة الأوربية قد انعكست على المجال السياسي بتطوير أشكال الحكم وترسيخ الديمقراطية الليبرالية بعد نضال طويل وثورات عديدة , قدم فيها الشعب الأوربي الكثير من التضحيات .
يقول الصادق النيهوم : (( في هذا العصر ظهرت صيغة الإدارة الجماعية القائمة على تبادل المصلحة ديمقراطيا بين الأغنياء أصحاب رأس المال وبين الفقراء أصحاب اليد العاملة . وهي صيغة قامت على استبعاد الجيش والمؤسسة الدينية من حلبة الصراع على السلطة لأول مرة في تاريخ الدولة , لأنها ولدت أصلا بعد هزيمة الجيوش المأجورة في إقطاعيات أوروبا على أيدي شعوبها المسلحة , وبعد سقوط الكنيسة على أيدي البروتستانت , إنها صيغة شرعية كسبها الأوربيون الغربيون بعرق جبينهم مثل الرزق الحلال )) .[xvi][16]
وتتميز الديمقراطية الغربية بخصائص عديدة , تم ترسيخها في الدساتير الغربية , أهمها أيمانها بالفرد الإنسان , وتقديس حرياته العامة ومساواة الأفراد أمام القانون , والفصل بين السلطات, واعتماد النظام التمثيلي حيث يفوض الشعب ممارسة السيادة إلى مجلس منتخب بالاقتراع العام لمدة محددة .
وتعتبر سيادة القانون أو مساواة الناس أمام القانون هي أحد أهم مرتكزات نشوء الأمة وتحولها إلى دولة قومية , يعتبر الدكتور برهان غليون أن الأصل في تكوين الأمم وتضامن أفرادها فيما بينهم , هو خضوعهم لقانون واحد , وأن جوهر الأمة الحديثة يكمن في وجود قانون المساواة الشاملة والكلية بين جميع أعضاءها , أي في توحيد أوضاع جميع الناس الخاضعين لسلطة دولة واحدة بصرف النظر عن أصولهم الدينية أو العرقية أو الطبقية أو الجنسية أمام القانون الواحد .[xvii][17]
6 ـ في الأنظمة الاشتراكية :
في روسيا تم منح أول دستور في عام 1906 في فترة القيصر نيقولا الثاني , تحت ضغط الحركات الشعبية في أعقاب هزيمة جيوشه أمام اليابان , وتم بموجب هذا الدستور انتخاب أول مجلس نيابي عرف باسم ( الدوما ) .
بعد الثورة البلشفية عام 1917 تم وضع أول دستور في 10|7|1918 والذي أعلن ديكتاتورية البروليتاريا , التي اعتبرت مرحلة انتقالية يتم فيها القضاء على رواسب النظام الرأسمالي , وبناء أسس المجتمع الاشتراكي , تمهيدا للوصول إلى المجتمع الشيوعي , وهي بديل عن ديكتاتورية البرجوازية التي يعتبرها المفكرون الشيوعيون حقيقة الديمقراطية البرجوازية . يقول لينين :
(( إن الجمهورية الديمقراطية والجمعية التأسيسة والانتخابات العامة ..الخ , إن كل هذا هو بالفعل ديكتاتورية البرجوازية , فلأجل تحرير العمل من نير الرأسمال , ليس ثمة وسيلة غير الاستعاضة عن هذه الدكتاتورية بدكتاتورية البروليتاريا . فقط دكتاتورية البروليتاريا بمقدورها أن تحرر الإنسان من نير الرأسمال , من كذب الديمقراطية البرجوازية , الديمقراطية للأغنياء , من بهتانها ونفاقها وتقيم الديمقراطية للفقراء , أي أن تضع فعلا خيرات الديمقراطية في متناول الفلاحين والعمال والفقراء )) .[xviii][18]
ويلاحظ في دساتير الاتحاد السوفييتي والدول الاشتراكية , وأيضا في دساتير ما يعرف بالديمقراطيات الشعبية الميزات التالية :
آ ـ إعطاء الأولوية للبنى التحتية , حيث تبدأ تلك الدساتير عادة بتعريف البنى الاقتصادية والاجتماعية , بينما الدساتير الغربية تبدأ بإعلان المبادئ المتعلقة بحقوق الأفراد وحرياتهم .
ب ـ التأكيد على موضوعات الملكية العامة لوسائل الإنتاج والتخطيط الاشتراكي وقيام مؤسسات الدولة على مبدأ المركزية الديمقراطية .
جـ ـ وحدة السلطة حيث لا يوجد تفريق بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية , كما هو الحال عليه في الدساتير الغربية , بل هناك هيئة أو مجلس أعلى يمارس جميع حقوق السيادة .
د ـ هيمنة الحزب الواحد أو الحزب القائد على الحياة السياسية وعلى مقاليد الأمور في الدولة . يرد في المادة 6 من دستور الاتحاد السوفييتي لعام 1977 :
(( القوة القائدة والموجهة للمجتمع السوفييتي ونواة نظامه السياسي ومؤسسات الدولة والمنظمات الاجتماعية هي الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي .. الذي يحدد الأفق العام لتطوير المجتمع وخط السياسة الداخلية والخارجية .. ويقود النشاط البناء العظيم للشعب السوفييتي , ويضفي على نضاله من أجل انتصار الشيوعية طابعا منتظماً ومعللا تعليلا علمياً )) .[xix][19]
ولا بد من التمييز بين دساتير الدول التي اعتمدت مبدأ ديكتاتورية البروليتاريا , حيث يحكم الحزب الواحد وتسود ملكية الدولة لكافة وسائل الإنتاج كالاتحاد السوفييتي , وبين الدول التي اعتمدت في دساتيرها مبدأ الديمقراطية الشعبية التي أبقت على بعض أشكال الملكية الخاصة , واعتمدت مبدأ الحزب القائد الذي يقود جبهة من الأحزاب الأخرى المتحالفة معه مثل يوغسلافيا وألمانيا الديمقراطية وبلغاريا وغيرها في فترات تاريخية معينة .
ويعتبر غياب الديمقراطية السبب الجوهري لانهيار التجارب الاشتراكية , حيث تحولت ديكتاتورية البروليتاريا إلى دكتاتورية الحزب ولاحقاً إلى دكتاتورية الفرد ( الأمين العام للحزب ) , وأصبحت البيروقراطية المركزية هي الملمح الأساسي لنظام الحكم
ثالثاً : الدســـــــتور الســــــــوري
1ًـ تاريخ الدساتير السورية :
آ ـ في الفترة العثمانية :
في الوقت الذي بدأ فيه عصر النهضة الأوربي , كانت منطقة المشرق وسوريا قد بدأت تتعرض للهيمنة العثمانية , فقد تم الفتح العثماني لسوريا في عهد السلطان سليم الثاني عام 1516 , وجاءت الخلافة العثمانية التي كرّست شكل الحكم المطلق المتوارث ذو الطابع الديني والذي كان يسود منطقة المشرق منذ العصور الإسلامية الأولى .
في القرن التاسع عشر, واستجابة للضغوط الداخلية والخارجية على الدولة العثمانية , اضطر بعض السلاطين لمنح دساتير بدائية أعطت الرعايا بعض الضمانات .
كالدستور الأول الذي منحه السلطان عبد المجيد عام 1839 , وعرف باسم ( خط هامايون كل هانه ) في فترة الحرب مع إبراهيم بن محمد علي باشا , والذي تضمن محاولة تنظيم طرق فرض الضرائب والتجنيد ومنح الرعايا بعض الضمانات العامة .
والدستور الثاني الذي منحه السلطان عبد العزيز عام 1856 ( خط هامايون الثاني ) تحت ضغط الدول الأوربية التي ساعدت تركيا في حرب القرم مع روسيا , والذي قدم ضمانات للرعايا غير المسلمين , وألغى ضريب