دراما الانفصال بين مصر وسوريا
 

حين قام مجلس قيادة ثورة 23 يوليو 1952 بقيادة البكباشي جمال عبد الناصر، بتنفيذ أحكام الإعدام التي أصدرتها محكمة الشعب الإستثنائية الثورية برئاسة جمال سالم، بحق عدد من ألمع قياديي الصف الأول في جماعة الإخوان المسلمين بمصر، على خلفية حادث المنشية في 21 أكتوبر 1954 محاولة أحد أعضاء، الجهاز الخاص للجماعة اغتيال عبد الناصر،

لم تكن صورته في الرأي العام السوري، أكثر من عصابة عسكرية، انقلابية استولت على السلطة بدعم إنكلو ـ بريطاني، لتمرير إبرام ما سمي باتفاقية الجلاء التي تم إبرامها في 21 أكتوبر 1954 ما بين مصر وبريطانيا، والتي شجبت من قبل ممثلي الرأى العام السوري بوصفها اتفاقية بيع مصر للبريطانيين، وكانت كراهية الرأي العام منصبة بشكل أساسي على البكباشي جمال عبد الناصر الذي لم يفهم الرأي العام السوري.

بتأثير الدعاية، الاخوانية المركزية في سوريا يومئذ، سوى أنه اختطف الثورة من اللواء محمد نجيب وأقصاه، ومن هنا كان الرأي العام السوري مجمعاً بكافة أحزابه العقائدية الراديكالية مثل البعث والشيوعيين والبرلمانية الليبرالية مثل الحزب الوطني وحزب الشعب، وبرلمانه وحكومته على إدانة الإعدامات،

ولقد سارت التظاهرات الاحتجاجية في كل المدن السورية تحت يافطات عديدة تكررت فيها يافطة رئيسية حملت عنوانا بالخط العريض هو لتسقط حكومة البكباشية وهو ما يفسر أن قواعد حزب البعث العربي الإشتراكي النافذ يومئذ في أوساط الشباب والمثقفين والفلاحين، كان له 19 مقعدا في البرلمان قد شاركت في معظمها في هذه التظاهرات الحاشدة، رغم محاولة أكرم الحوراني قائد جناح العربي الاشتراكي الذي اندمج مع البعث ليتم تشكيل حزب البعث العربي الاشتراكي في عام 1953،

بتأثير الصدام الحاد المستدام ما بين الاشتراكيين و الإخوان في مدينة حماة السورية، معقل الاشتراكيين، الضغط على قيادة البعث لعدم المشاركة في هذه التظاهرات الداعمة لـ عصابة رجعية حاقدة على حد وصف الحوراني، ولقد تدهورت بتأثير ذلك العلاقات المصرية - السورية، إذ قامت الحكومة السورية بمنح حق اللجوء السياسي للقادة المصريين المعارضين الستة خمسة من الإخوان وواحد من الوفد الذين كانوا في سوريا، حين تم إسقاط الجنسية المصرية عنهم، وانعكس العطف السياسي الشعبي والحكومي السوري على الإخوان ضحايا الديكتاتورية حسب رؤية تلك الأيام، في إلغاء الحكومة السورية في 8 يونيو 1955 للقرار السابق الذي أصدره الدكتاتور السوري الزعيم أديب الشيشكاني بحل جماعة الإخوان المسلمين في سوريا، وعودة الجماعة بالتالي إلى إطار العمل القانوني الشرعي.

لم تتغير الصورة الدكتاتورية الانقلابية للمجلس الثوري المصري عموما ولجمال عبد الناصر خصوصا في الرأي العام السوري، إلا مع وقوف مصر الحازم ضد سياسة ملف بغداد التي تبناها رئيس الوزراء العراقي نوري السعيد، والتي كانت تقوم على ربط معاهدة الدفاع العربي المشترك التي تمثل النظام الأمني الإقليمي للجامعة العربية بالحلف التركي - الباكستاني المتكامل مع خطة تطويق الاتحاد السوفييتي في الحرب الباردة،

ولقد دمج نوري السعيد يومئذ مشروعه القديم الهلال الخصيب في خطة الحلف، كي يستولي على سوريا، ويتم تنصيب الأمير عبد الإله الوصي السابق على العرش في العراق ملكا عليها، في حين تبنى عبد الناصر سياسة عدم الانحياز، وتفعيل معاهدة الدفاع المشترك العربية كأساس للناظم الأمني الإقليمي العربي، ورفض أي ربط بهذا النظام مع الأحلاف العربية ضد الاتحاد السوفييتي.

لقد كان حلف بغداد يومئذ حلقة أساسية من حلقات أحلاف الحرب الباردة، وحول هذا الحلف سوريا إلى عقدة الصراع والاستقطاب الدوليين، وصحيح أن صفقة الأسلحة التشيكية التي تمكن عبدالناصر من ابرامها في 27 سبتمبر 1955 قد فتحت الباب على مصراعيه أمام تغير نظرة السوريين جذريا لضباط 23 يوليو من ضباط انقلابيين متعطشين للسلطة إلى ثوار تحرريين،

إلا أن الموقف المصري من حلف بغداد، وإبرام اتفاقيات دفاعية مصرية - سورية لمعارضته بالقوة قد فتح الباب أمام تأميم عبدالناصر لقناة السويس ووقوع العدوان الثلاثي على مصر في عام 1956، وتغيرت صورة عبد الناصر هنا جذريا إلى بطل قومي عربي، لقد سبق لمحمود رياض الذي عينه عبد الناصر سفيراً مصريا في دمشق كي يتصل بممثلي الرأي العام السياسي السوري، ويوضح حقيقة مباديء السياسة التحررية المصرية في المجال الخارجي، القائمة على التكتل العربي ومحاربة الاستعمار وتصفيته

في افريقيا،

أن لعب دورا مهما في توضيح سياسة مصر العربية، لقد كانت هذه السياسة غامضة لدى مجلس قيادة ثورة 23 يوليو، ولم يحسمها إلا عبد الناصر في فبراير 1954 حين تم إعلان مباديء تلك السياسة ولم يكترث السوريون بذلك الإعلان لكن الوقوف ضد حلف بغداد، وصفقة الأسلحة التشيكية وتأميم القناة ومباديء باندونغ جعلتهم يدركون بشكل ملموس ماذا تعنيه.

إثر العدوان الثلاثي، وبعد أن مزق عبد الناصر اتفاقية الجلاء إرباً، وهي العنصر الحاسم في صدامه الدموي مع الإخوان في مصر، كان الإخوان المسلمون في سوريا هم أبرز من غيّر نظرته إلى عبد الناصر،

وأعلنوا وقوفهم خلفه في مقاومة العدوان الثلاثي، وتصدر البعث في هذه الفترة شعار الاتحاد ما بين سوريا ومصر أولا ثم حوله إلى شعار الوحدة ما بين القطرين كانت سوريا يومئذ محكومة بجبهة قومية تقدمية مدعومة من الجيش، وأدى التحالف السياسي والدفاعي السوري - المصري ثم السوري - المصري - السعودي فالسوري - المصري - السعودي - الأردني، وطرد غلوب باشا من الأردن، وإلغاء الاتفاقية الأردنية - البريطانية،

إلى ازدياد الضغط العراقي إقليميا والأميركي دوليا على سوريا لإسقاط الحكومة السورية إنقلابيا ومؤامراتيا، وجرها إلى حلف بغداد، بقدر ما سارت سوريا بعيدا في توقيع اتفاقيات عسكرية وإقتصادية مع الاتحاد السوفييتي رأى الأميركان أنها تهدد بتحويل سوريا الى قاعدة شيوعية.

لقد مزق هذا الصراع النخب العسكرية والسياسية السورية، وشكلت هرولة الرأي العام السوري بكل قواه وجيشه وحكومته وبرلمانه (بإستثناء أصوات محدودة) نحو الوحدة مع مصر، مخرجا وحيدا في هذا التمزق، في سياق تحول حركة القومية العربية الى قوة ضاغطة ملموسة.

وكان قيام الجمهورية العربية المتحدة في 22 فبراير 1958 تتويجا لذلك، حيث تحولت سوريا الى اقليم شمالي في دولة واحدة. ولقد أيد كل أطراف الرأي العام السوري حل الأحزاب وقيام الوحدة، بما في ذلك جماعة الإخوان المسلمين ولجان الحزب الشيوعي السوري التي باتت تقود العمل بعد مغادرة الأمين العام للحزب خالد بكداش إثر جلسة البرلمان السوري بالمصادقة على الوحدة مع مصر.

لا ريب ان قيام الجمهورية العربية المتحدة قد شكل منعطفا جذريا قوميا انعكس مباشرة في العالم العربي من المغرب الأقصى الى الجبل الأخضر في عمان، ومن سقوط الملكية في العراق الى عدن (كانت مستعمرة يومئذ). لكن الصدام البعثي مع عبدالناصر حول السلطة، وحول تمسك البعث بأولوية موقعه القيادي التوجيهيه فيها بإعتباره الحزب الذي حسم قيامها أدى الى أولى التصدعات باستقالة الوزراء البعثيين من الحكومتين المركزية والاقليمية واستقالة نائب الرئيس أكرم الحوراني.

واستغل خالد بكداش ذلك ليطرح في ديسمبر 1958 نقاطه أو بكلمة برنامجه الانفصالي تحت شعار إعادة بناء الوحدة على أساس إتحاد فيدرالي. كان البعث قد حل تنظيمه السوري وتنظيمه المصري المؤلف من عدة شعب، إلا أنه حافظ على تنظيمه القومي في الوطن العربي.

ومن هنا كان لا يزال قادرا على الحركة على الصعيد القومي. وبمقتضى ذلك التصدع مع إعادة بناء الأجهزة الأمنية بشكل لم يعهده المجتمع السوري من قبل، عبر عبد الحميد السراج وصولاً إلى قيام الجمهورية العربية المتحدة في إطار فلسفة عبد الناصر للتنمية، وتحقيق التراكم بالتأميم الذي ضرب مصالح البورجوازية الصناعية والمالية السورية في الصميم. لكن حين صدرت قرارات التأميم في عام 1961،

كان الصراع قد بات حاداً ومكشوفا في الإقليم الشمالي ما بين المشير عبد الحكيم عامر واللواء عبد الحميد السراج، إلى درجة أن أكثر من طرف كان يترقب صدور إنقلاب عن جماعة عبد الحميد سراج.

لم يصدر الإنقلاب عن جماعة السراج بل صدر بشكل سريع بعد قرارات التأميم، عن كتلة الضباط الشوام في الجيش، التي ظلت في الإقليم الشمالي، ولم يشملها التطهير، بحكم أنها لم تكن من فئة الضباط العقائديين الذين قرر عبد الناصر إعادتهم الى الثكنات، أو نقلهم الى مواقع إدارية أو هامشية. إن الضباط الإنفصاليين لم يصرحوا فورا بـ الانفصال ، بل قدموا حركتهم في شكل عصيان مطلبي وتوصلوا مع المشير إلى صيغة أو تفاهم حول ذلك تم إعلانه في البيان رقم 8. غير أن عبد الناصر رفض هذا البيان،

مما أدى الى فشل المفاوضات غير الرسمية التي أدارها هاني الهندي عضو القيادة القومية لحركة القوميين العرب مع العقيد النحلاوي قائد الحركة، لأنهاء الحركة وبينما كان الإتفاق أو التفاهم قد أبرم على إنهاء الحركة، كانت إذاعة دمشق تبث النشيد

السوري، مما اعتبر إجهازا على التفاهم، وتصريحا بالإنفصال، فانهار التفاهم.

لقد بين ذلك أن هناك رؤوسا بين الضباط قامت أساسا بالحركة بهدف الإنفصال. ولم يكن النحلاوي قائد الحركة في تقديرنا في عدادهم. بكلام آخر كان هناك على الأقل ضابطان او أكثر على الاقل مرتبطين بأطراف إقليمية خارجية تريد من الحركة قطف رأس الجمهورية العربية المتحدة. ولا أدل على ذلك من أن النحلاوي نفسه تزعم في 28 مارس 1962 أي بعد حوالي خمسة أشهر على الإنفصال، إنقلابا على إنقلابه، أعلن فيه إعتقال السياسيين وحل البرلمان والعمل للعودة إلى الجمهورية العربية المتحدة.

وتم ذلك بالتنسيق مع القاهرة، وسبقه إبعاد النحلاوي لضابطين أساسيين في الإنقلاب من السلطة هما حيدر الكزبري والسري حسين وإعتقالهما بدعوى تآمرهما مع جهات خارجية للمشاركة في الإنفصال. غير أن القاهرة ولا سيما سفارتها في بيروت حيث كان محمد نسيم رئيس غرفة العمليات الخاصة بسوريا، كانت قد دفعت النحلاوي إلى اعلان إنقلابه الثاني، بقدر ما كانت تنسف حركة عسكرية ناصرية بقيادة العقيد جاسم علوان للإستيلاء على السلطة. وأدى الصراع ما بين الطرفين العسكريين البعثي والناصري حول هذه الحركة،

وحول الأولويات السياسية في البيان الأول، ولا سيما فقرة نص البيان على عودة كافة الضباط المسرحين، إلى فشل الحركة، وسيطرة أطراف أخرى كضباط الانفصال على الوضع، وعقد مؤتمر حمص العسكري الذي تقرر فيه نفي العقيد النحلاوي والعقيد مهيب الهندي ( كان رئيس أركان اللواء الذي حسم السيطرة عشية الانفصال ) وعدد آخر من الضباط.

غير أن النظام الانفصالي أخذ بالترنح، إذ أن السوريين لن ينقسموا بعد الانفصال على أساس الموقف من الاشتراكية أو الديمقراطية بل سينقسمون بشكل أساسي حول الموقف من الانفصال، إلى انفصاليين ووحدويين. ولقد كان الانفصاليون ضعيفي القوة سياسيا وشعبيا، بإستثناء جناح إكرم الحوراني الذي كان نافذاً في مدينة حماة وريفها ، في حين لم يستطع الحزب الشيوعي السوري الذي رحب بسقوط الوحدة، وانهيار الاستعمار المصري لسوريا أن يفعل شيئا بحكم ضعفه الشديد يومئذ.

لقد أمسكت المنظمات الوحدوية بزمام الهيمنة على السياسة وهي يومئذ حركة القوميين العرب، وحزب البعث، والحركة الوحدوية الاشتراكية والجبهة العربية المتحدة. كان البعث معادياً بكل تأكيد للإنفصال ويعد العدة لإسقاطه، وعقد في هذا السياق مؤتمر مايو 1962 في حمص الذي طرد جناح الحوراني نهائياً كجناح من الحزب، وتبنى شعار الوحدة المدروسة. غير أن المنظمات الثلاث الأخرى كانت تطرح العودة الفورية إلى الجمهورية العربية المتحدة. كانت هذه المنظمات تصف نفسها بالوحدوية وهي إسم آخر للناصرية.

لقد أخذت الناصرية تتشكل هنا كحركة أو تيار حقيقي هادر وفاعل في سوريا، بل تكونت تلك المنظمات وتوسعت في قارب الكفاح لعودة الوحدة، فحركة القوميين العرب مثلاً لم يتجاوز عدد أعضائها وفق شهادة بلال الحسن عضو قيادة الإقليم السوري يومئذ، عشية وقوع الانفصال 79 عضواً كان 60 منهم من الفلسطينيين في حين أصبحت عضويتها في مجرى مقاومة الانفصال تعد بالآلاف، وبات لها تنظيمات طلابية وعمالية نقابية قوية.

وبلغ من قوة التيار الوحدوي أن جماعة الإخوان المسلمين السورية بقيادة عصام العطار (بالمناسبة كانت هي الوحيدة التي رفضت من القوى السياسية السورية التوقيع على ميثاق الإنفصال، وقفت بحزم ضد سياسة خالد العظم وحكومة الانفصال للمشاركة في جبهة سياسية تحول دون عودة الناصرية إلى سوريا).

لم يكن النظام الانفصالي لا ديمقراطيا ولا شعبيا. إن ديمقراطية البرلمانية لم تستغرق أكثر من ثلاثة شهور ونيف، تم في نهايتها حل المؤسسات الديمقراطية، وحين سقط هذا النظام كان لا يزال يحكم بقانون الطواريء (تم رفعه في الأول من مارس 1963) وسقط النظام في 8 مارس. والذي صاغ هذا القانون بـ حيلة دستورية كان هو الليبرالي الديمقراطي خالد العظم وهو نفسه القانون المعمول به في سوريا اليوم. ولم يكن شعبيا، فلقد عزل المد الوحدوي الشيوعي، كما أنه تراجع عن الخطوات الشعبية المتمثلة بحقوق العمال وبالاصلاح الزراعي.

لقد أخذت القوى الوحدوية تتهيأ للانقضاض على النظام الانفصالي، وتوجيه رصاصة الرحمة له. كان مؤتمر مايو البعثي في عام 1962 هو المؤتمر الذي إنعقد للاستيلاء على السلطة في سوريا والعراق. وكان البعث جناحاً عسكرياً منظماً في الجيش السوري عرف باسم اللجنة العسكرية التي اختارت بموافقة القيادة القومية والأمين العام الأستاذ ميشيل عفلق الإستقلالية التنظيمية الذاتية، الكاملة على التنظيم المدني بدعوى عدم انتقال استقطاباته وصراعاته إليها.

وما أن تمكن البعث في العراق من الإطاحة بحكم عبد الكريم قاسم في 8 فبراير 1963 حتى أخذ يعد الخطوط الأخيرة لإسقاط الإنفصال. وتم ذلك في سوريا في 8 مارس 1963 عبر انقلاب أبيض رشيق، لم يقاومه الانفصاليون قط ـ كان الإنقلاب في حقيقة قواه إنقلاباً ناصرياً ـ بعثياً قام به الجيش. ومن هنا تشكلت أول حكومة لحركة 8 مارس برئاسة صلاح الدين البيطار (أحد الاساتذة الثلاثة التاريخيين للبعث) بوصفها حكومة جبهة قومية، ضمت ممثلين عن البعث وحركة القوميين العرب والجبهة العربية المتحدة والحركة الوحدوية الاشتراكية.

وطار وفد منها للتو إلى القاهرة للبحث في عودة الوحدة. عاد الصراع القديم الذي أحبط حركة 28 مارس ـ الأول من إبريل 1962 حول الوحدة الفورية والوحدة المدروسة. وانضم البعث في العراق إلى المحادثات، وصدر في 17 إبريل 1963، اثر مفاوضات مضينة ميثاق الدولة الاتحادية بين مصر وسوريا والعراق. سلم عبد الناصر للبعث في العراق بالسلطة باعتبار أنه هو من قام بإسقاط قاسم، لكنه لم يسلم للبعث في سوريا بذلك، بحكم أنه له شركاء أساسيين ناصريين. وبدلاً من أن يقوم البعث بإجراءات تنفيذ ميثاق إبريل، فإن نخبته العسكرية المهيمنة في المجلس الوطني لقيادة الثورة، وتمكنها من جذب المستقلين، قامت بتسريح الضباط الناصريين الواحد تلو الآخر وبشكل متسارع في نوع من خطة تطهيرية منهجية. أدى ذلك إلى قيام اضطرابات 8 مايو 1963 التي انهارت فيها حكومة البيطار، بعد أن انسحب منها الوزراء الوحديون، ومعهم عدد من الوزراء البعثيين مثل الدكتور جمال الأتاسي وعبد الكريم زهور وسامي الدوربي، وشكل البيطار حكومة ذات أغلبية بعثية. كان في البعث يومئذ التيار القومي المرتبط بالقيادة القومية ويطرح الوحدة المدروسة ويوافق عليها ضمن رؤية بعثية للوحدة، لكن تشكل فيه تيار حاقد على عبد الناصر عرف باسم تيار القطريين (وتصدره رياض المالكي). في حين يتبين أن مما يمسك بزمام السلطة الفعلية هو تنظيم اللجنة العسكرية التي كان معظم اعضاء نخبتها المسيطرة قريبا من وجهة القطريين.

تمخض الصراع ما بين الأخوة الأعداء البعثيين والناصريين على قيام ا لناصريين بإنقلاب فاشل في 18 يوليو 1963 بقيادة العقيد (المسرح) جاسم علوان، وبتخطيط تام مع القاهرة، وتم قمع الانقلاب بقسوة، فاعلن عبدالناصر موت ميثاق 17 ابريل، وسار البعث في الطريق القاتل، طريق احتكار السلطة. أخذ البعث يبني دولته البعثية معتمداً على نفسه الحافلة يومئذ بالاستقطاب والتفاوضات، وعقد مؤتمره القومي السادس في اكتوبر 1963 في دمشق. وظهر في المؤتمر تمركز الصراع حول موضوعات عديدة كان بينها الصراع ما بين يمين الحزب ويساره وسيطر ما يسمى باليسار على المؤتمر ووثائقه النظرية.
امتد هذا الصراع إلى البعث في العراق، وأخذ شكل صدام دموي ما بين الجيش الذي يسيطر عليه ضباط بعثيون وضباط قوميون محسوبون على الناصرية وبين الحرس القومي الذي يسيطر عليه مدنيون وعسكريون يساريون واستغل القوميون الناصريون هذا الانقسام فقاموا بحركة 18 نوفمبر 1963 بقيادة عبد السلام عارف، وأسقط حكم البعث في العراق، فتم الرد بهذه الطريقة على نكسة الناصريين في 18 يوليو 1963 في سوريا بل أخذ القوميون في العراق يتفقون مع القوميين في سوريا للقيام بغزو عسكري من المناطق الحدودية العراقيية ـ السورية،

واستنفرت حركة القوميين العرب تنظيمها لتنفيذ الخطة في سوريا، غير ان ميشال أبوجودة نشر هذه الخطة بشكل دقيق في جريدة النهار اللبنانية، فمات الغزو في مهده. ولا يزال الأمر يحتاج إلى بحث عن الأطراف الحقيقية التي كانت وراء عملية النشر هذه، وان كان معروفاً أن اللواء فؤاد شهاب الرئيس اللبناني قد تفاهم مع المصريين حول نشرها وإحباطها.
بعد القطيعة الدموية ما بين البعث والناصريين في سوريا، بات النظام الذي ولد من رحم حركة 8 مارس 1963 ، والذي كان الناصريون يصفون مثل تلك القطيعة بثورة الثامن من مارس، يحمل اسم النظام الانفصالي باعتباره امتداداً للنظام الانفصالي السابق، فالمعيار هنا كان هو العودة إلى الوحدة لكن البعث كان يشهد صراعات معقدة بدوره، أدت إلى حسم القطريين المسيطرين على اللجنة العسكرية وعلى المواقع الأساسية في التنظيم المدني إلى المعركة ضد القوميين (القيادة القومية) فيما عرف بحركة 23 فبراير 1966، التي تبنت خطاباً يسارياً، ومفهوماً لمنظمة حزبية يسارية متطلعة، وأسلوب حرب التحرير الشعبية لتحرير فلسطين. وأدى تقارب عبد الناصر مع الفلسطينيين باعتبار تخلصهم من عفلق، إلى جانب دوافع أخرى، إذ اعتبر قبول القاهرة سفيراً سوريا لديها هو الاستاذ البعثي الدكتور سامي الدروبي بمثابة اعتراف من القاهرة بنظام الانفصال السوري. في الوقت نفسه الذي حاول فيه القوميون الناصريون في العراق القيام بمحاولتين انقلابيتين فاشلتين ضد حكم عبدالسلام عارف ثم ضد حكم أخيه عبدالرحمن عارف.

وقعت النكسة (النكبة الثانية) في 5 يونيو، ووضعت التطور القومي العربي في مرحلة جديدة تتسم بالتراجع، وبتركيز القاهرة الأولوية لإزالة آثار العدوان وإعادة بناء القوات المسلحة التي كان القبول بمشروع روجرز تغطية لعمليتها، ومحاولة بناء الحركة العربية الواحدة، عبر تنظيم الطليعة العربية الذي شكله عبدالناصر كي يقوم بتثوير الأطر التنظيمية الناصرية في الوطن العربي الثلاثة التاريخيين للبعث) بوصفها حكومة جبهة قومية، ضمت ممثلين عن البعث وحركة القوميين العرب والجبهة العربية المتحدة والحركة الوحدوية الاشتراكية.
 وطار وفد منها للتو إلى القاهرة للبحث في عودة الوحدة. عاد الصراع القديم الذي أحبط حركة 28 مارس ـ الأول من إبريل 1962 حول الوحدة الفورية والوحدة المدروسة. وانضم البعث في العراق إلى المحادثات، وصدر في 17 ابريل 1963، اثر مفاوضات مضينة ميثاق الدولة الاتحادية بين مصر وسوريا والعراق. سلم عبد الناصر للبعث في العراق بالسلطة باعتبار أنه هو من قام باسقاط قاسم، لكنه لم يسلم للبعث في سوريا بذلك، بحكم أنه له شركاء أساسيين ناصريين. وبدلاً من ان يقوم البعث بإجراءات تنفيذ ميثاق ابريل، فإن نخبته العسكرية المهيمنة في المجلس الوطني لقيادة الثورة، وتمكنها من جذب المستقلين، قامت بتسريح الضباط الناصريين الواحد تلو الآخر وبشكل متسارع في نوع من خطة تطهيرية منهجية. ادى ذلك إلى قيام اضطرابات 8 مايو 1963 التي انهارت فيها حكومة البيطار، بعد ان انسحب منها الوزراء الوحديون، ومعهم عدد من الوزراء البعثيين مثل الدكتور جمال الاتاسي وعبدالكريم زهور وسامي الدوربي، وشكل البيطار حكومة ذات اغلبية بعثية. كان في البعث يومئذ التيار القومي المرتبط بالقيادة القومية ويطرح الوحدة المدروسة ويوافق عليها ضمن رؤية بعثية للوحدة، لكن تشكل فيه تيار حاقد على عبدالناصر عرف باسم تيار القطريين (وتصدره رياض المالكي). في حين يتبين أن مما يمسك بزمام السلطة الفعلية هو تنظيم اللجنة العسكرية التي كان معظم أعضاء نخبتها المسيطرة قريبا من وجهة القطريين.

وشكل رحيل عبدالناصر المفاجيء في 28 سبتمبر 1970 نكسة فاجعة للمشروع القومي الناصري خصوصاً، بل للمشروع القومي العربي برمته،

بحكم ان عبدالناصر كان مركز المشروع الناصري، بعقدر كان مركز الاجتماع السياسي للجامعة العربية. وبحركة مايو 1971 في مصر، تعرضت الناصرية إلى نكسة في مصر. لقد استمرت الحركة الناصرية رغم النكسة، ومر فيها اجيال من المبادرين والمكافحين، وتطورت الحركة القومية العربية عموماً في فضاء الديمقراطية والحوار القومي الاسلامي. الا ان ما يبقى من ثورة يوليو في الجوهر هو ذلك الزلزال الذي تطورت فيه، والذي اكدت فيه العرب كأمة، يمكنها ان تعمل على السيطرة على مصيرها وحماية استغلالها، وان يكون لها رأي في هذا العالم

بقلم: محمد جمال باروت

 

 

 
 

Veger 

zurck

الرجوع 

   Kurdistana Bixet                                        Syrische Kurdistan                                    كردستان سوريا